يحتاج الصائغ الى خلط الذهب والفضة بمعادن اخرى كالنحاس ليمنحهما بعض الصالبة لسهولة تشكيلهما. ومن ثم تطورت نظم الرقابه على صناعة الحلى عبر العصور حتى عصرنا هذا حيث يتم وضع شارة وحرف على كل قطعة منفردة تدخل فى صناعة الحلية.

“ينبغي للوالي الذي يتحرّى العدلَ أن ينظر في أسواق رعيته، ويأمر أوثقَ من يعرف ببلده أن يتعاهد السوق، ويعيِّر على أهله صِنجَاتهم وموازينهم ومكاييلهم كلها… ولا يغفل النظر إن ظهر في سوقهم دراهم مبهرجة أو مخلوطة بالنحاس، وأن يشدد فيها ويبحث عمن أحدثها، فإذا ظفر به إن كان واحداً أو جماعة أن ينالهم بشدة النكال والعقوبة، ويأمر أن يطاف بهم في الأسواق، ويشرد بهم من خلفهم، لعلهم يتقون عظيم ما نزل بهم من العقوبة، ثم يحبسهم على قدر ما يراه”.

من كتاب “أحكام السوق”

لأبي زكريا يحيى بن عمر بن يوسف الكناني  الأندلسي

(يمين) علامة “صح” التى كانت تستخدم قبل شارة الدمغة (عام )1876للتأكيد ان الحلية مكونة من الفضة وليس من المعدن الأبيض.  (يسار) طغراء السلطان عبد الحميد، التى كانت تختم على الفضه عيار ،90 والذى كان اعلى عيار متداول فى الوقت بين عامى .1909- 1876

تتميز المعادن النفيسة مثل الذهب والفضة بكونها بالغة اللين، بما يصعب معه أن تحتفظ بأشكالها، ويجعلها في الوقت ذاته عرضة للضعضعة بسهولة حال ارتطام أي جسم بها.  ولذا، فإن صناع الحليّ – الصيّاغ – لا يمكنهم تشكيل مصنوعاتهم من الفضة أو الذهب الخالصين وحدهما، وإنما يضاف إليهما معدن آخر كالنحاس ليمنحهما بعض الصلابة، مما يسهل على الصيّاغ تشكيلهما.

ومن هنا جائت اهمية الرقابه على صناعة االحلي…

في بدايات العصر الإسلامي، كانت الحليّ تصنع وتتداول حسب طلب ورغبة العميل، ولم يكن هناك جهة تراقب صحة وأمانة المعادن النفيسة المستعملة فيها. وكان النظام الرقابي الوحيد في العصر العباسي هو نظام “الحسبة”، حيث يتولى “المحتسب” تطبيق رقابة صارمة على الأسواق بما لا يترك مجالا للغش أو العبث بمصالح الناس. وكان للمحتسب معاونون من كل حرفة يدلونه على أسرارها ويساعدونه في أداء عمله. وكانت حرفة الصياغة والحلي من أهم الحرف التي تطلبت رقابة دقيقة على القائمين عليها.

كشف من مصلحة الدمغة من سنة 1932يحدد اماكن دمغ ودق الشارة على اشكال مختلفة من الأساور والغوايش.

ولم يكن هناك طريقة للتأكد من قيمة المعدن النفيس إلا بالرجوع إلى “الششنجى”. والششنجي هو من يقوم بأخذ عينة من المعدن النفيس وتحليلها للتأكد من أصالتها وتقدير قيمة العيار المستخدم في صناعتها. وبعد أخذ العينة وتقدير العيار، كان  الششنجي يضع حرفاً من اسمه على القطعة ضمانا لأصالتها.

وفي الدولة العباسية، حكمت سوق الذهب والمعادن الثمينة عدة قوانين منها إلزام صناع الخواتم المفرغة بالامتناع عن حشو داخلها بالرصاص أو النحاس لزيادة وزنها، وإلزام التجار بوضع وصف دقيق للفصوص المركبة على المصوغات عند البيع لأن معظمها  كان مصنوعا من الزجاج، كما كان من دواعي الأمانة أن ينزع الصائغ الأحجار المركبة قبل وزنها للبيع أو الشراء حتى لا يختلط وزن المعدن الثمين مع مواد أو عناصر أخرى.

ولم يظهر نظام الدمغة إلا في عهد الدولة العثمانية، وتمثل في دق علامة تأخذ شكل الطغراء على المعادن النفيسة والحليّ المصنوعة منها. وقد ازدهرت صناعة الحليّ في الامبراطورية العثمانية، وكان لها عدة مراكز شهيرة منها ديار بكر وطرابوزان وبيتلس وإزمير واذربيجان ويوزغان.

وفي مصر، قام محمد على باشا عام 1812 ميلادى بتجديد مبنى “الضربخانة” التي أنشأها صلاح الدين الأيوبي في القلعة، وكانت مهمتها الأساسية هي سك العملة وفحص المعادن الثمينة لضمان حسن تداولها، كذلك الرقابة على المكاييل والموازين التي توزن بها الحبوب كالفول والعدس والقمح في أسواق المدن والريف.

ولما كثر عدد صناع وتجار الحليّ في شارع المعز لدين الله في القاهرة، نُقلت “الضربجانة” من مكانها في القلعة إلى موقعها الحالي بميدان بيت القاضي بالجمالية. وكانت آنذاك تتبع وزارة الأوقاف، ثم نقلت تبعيتها فيما بعد إلى وزارة المالية، وهي الآن تحت رقابة وزارة التجارة والصناعة.

وفي عهد الخديو عباس حلمي الأول (1848-1854)، صدر أول قانون يحدد عيارات الذهب والفضة المسموح بتداولها في الأسواق المصرية وقيمة الرسوم المفروضة عليها. وتضمن القانون – الذي صدر باللغتين المصرية والتركية سنة 1847 ميلادية – ست مواد سميت بـ”قانون الجشنجي”، تشرح طريقة دمغ المصوغات بعلامات خاصة بالصناع والجشنجية.

وفي عهد الخديو عباس حلمي الثاني (1892-1914)، صدر القانون الثاني لتنظيم عمليات الدمغة. وقد صدر القانون باللغة الإنجليزية حيث كانت مصر ترزح تحت وطأة الاحتلال الانجليزي، وكان رئيس مصلحة الدمغة رجلا إنجليزيا. وقد حدد القانون عيارات الذهب والفضة المسموح بتداولها في الأسواق المصرية آنذاك كالآتي:

عيارات الذهب: 23.5، 21، 18، 15، 12 قيراط (خمسة عيارات)، وعيارات الفضة:  90 ،  80 ، 60 ، 45 سهماً (أربعة عيارات).

أما القانون الثالث فصدر في عهد السلطان حسين كامل (1914-1917) ومنع أي تعامل بالبيع أوالشراء في المعادن النفيسة دون دمغها بواسطة مصلحة الدمغة المصرية. وبعد فترة، أُلغى عيار 45 سهماً للفضة وأصبح عيار 60 سهماً هو أقل العيارات المستعملة فيها، وكذلك أُلغى عيار 15 قيراطاً للذهب.

لائحة اختام ذهب من من اوائل القرن العشرين مصدرة من مصلحة الدمغة المصرية

 الدمغة… شارات وعلامات

كان دمغ المعادن النفيسة يتم بواسطة قلم رفيع من الصلب عليه العلامة أو الشارة المطلوب وضعها، ويقوم القلم بدق العلامة على القطعة لتحديد نوع المعدن أو العيار أو سنة الصنع أو مكان الإنتاج، أي أربع علامات جميعها كانت على شكل مربع لا تتعدى مساحته 2 ملليمتر. وكانت تلك الأقلام الدقيقة أثناء الاحتلال الإنجليزي لمصر تصنع في إنجلترا ثم تورد إلى القاهرة.

منذ عام 1916 وحتى 1939، إستُعملت الحروف الإنجليزية في تحديد سنة الصنع. وكان قلم الدمغة يتغير كل سنة. ولكن بحلول عام 1940، إستُعملت الحروف العربية بدلا من الإنجليزية. واستمر تغيير الأقلام كل عام لتحديد سنة الصنع بدقة حتى عام 1951، ثم بدأ ضم السنين إلى بعضها وتباعدت المسافات سنة بعد سنة. ومازالت الأقلام تصنع حتى يومنا هذا في إنجلترا ويتم استيرادها لمصلحة الدمغة والموازين، وإن تغيرت الحروف عليها إلى العربية.

ومع انتشار صناعة الحليّ في جميع أنحاء مصر، أصبح الحضور من المدن البعيدة – وخصوصاً الصعيد – إلى القاهرة لدمغ منتجاتهم أمراً بالغ الصعوبة. فتم فتح فروع جديدة لمصلحة الدمغة في عدد من المدن المصرية للتيسير على الصيّاغ. وأُعطى لكل محافظة شارة أو حرف تُدَق على الحلية التحديد مكان الصنع: (غ) لمحافظة الغربية، و(ب س) لمحافظة بني سويف، و(ش) لمحافظة الشرقية، و(ط) لمحافظة أسيوط، وأخيراً (م) لمحافظة الدقهلية، وهو الحرف الأول من عاصمتها المنصورة.

وبمرور السنين ومع زيادة الإنتاج من الحليّ والمصوغات المختلفة الأشكال والأنواع، أنشأت مصلحة الدمغة قسماً فنياً لتسجيل تلك الأشكال المختلفة وتحديد مكان دمغ ودق الشارة (الدمغة) على كل نوع منها. حيث أن قطع الحليّ في أغلب الأحيان ليست مكونة من قطعة واحدة. فالخاتم مثلا يتكون من قطعة واحدة، بينما تتكون الحلقان والقلادات والعقود والكرادين والدلايات من أكثر من قطعة تُجمع مع بعض من خلال تكنيك معين، لذا يلزم وضع شارة وحرف على كل قطعة منفردة لضمان أصالة المنتج كله والرقابة على أي عمليات غش يمكن أن تحدث.

 

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٧ ، ٢٠١٥

الأكثر قراءة

جرجس لطفي
أيقونات الناس العادية

يستحضر “جرجس لطفي” شخوص عالمه من أيقونات الكنائس القبطية في القرنين الخامس والسادس الميلادي، ويخلق أيقونات جديدة أبطالها الناس العاديون والمشاهد اليومية، ليوثق مصر التى يعاصرها اليوم.

صيدناوية مصر
رواية الصعود والأفول

اخوان من روم كاثوليك مدينة صيدنايا السورية يأتيان الى مصر فى عصر الخديو اسماعيل، ويؤسسان امبراطرية تجارية بقى اسمها حتى يوم فى مختلف انحاء القطر المصرى.

بلاد الذهب
الحلي النوبية، اشكال ومعاني

من الصعب العثور على حلي نوبية في النوبة اليوم. فقد يجوب المرء أسواق أسوان وكوم أمبو، أوحتي دراو ) حيث يوجد سوق الحلي والمصوغات الرئيسي( حتى يجد بالكاد قطعتين أو ثالث قطع من الحلى النوبية التقليدية.

جرح... اجمل من كل الجروح

على مر السنين، تجلى دق الوشم عند المصريين في أشكال كثيرة ومتنوعة: من أشكال هندسية تُدق بغرض الزينة أوالتداوي، إلى أشكال رمزية ذات مدلول ديني، وأخرى لوحوش أو شخوص رجالية أو نسائية. تلك الأشكال - باختلاف أنواعها والغرض من دقها - لافتة للنظر وجديرة بالتحليل.