بقلم د. عمرو طلعت

تمثل الأميرة نازلى فاضل نموذجاً نسائياً فريداً فى تاريخ مصر المعاصر، بل فى تاريخ الشرق بأسره. فلم تعرف أقطار المشرق امرأة تمكنت من اجتياز الحواجز الاجتماعية والسياسية والثقافية التى فرضتها معطيات ذلك العصر عليها كامرأة وكأميرة، على نحو ما استطاعت نازلى.

أشار إليها وهو يقول لى، “الحاجة أم رشاد، عارفة كل التاريخ، هى تحكيلك كل حاجة، دول بيجولها من بلاد بره علشان يسألوها”. وكأنما تناولت الحاجة الميكرفون، وجدتها انبرت فى صوت أقرب إلى صافرة الإسعاف “ده قبر الملكة نازلى، الملك فاروق بنفسه كان موجود يوم دفنها وقعد هنا يبكى طول الليل يا كبدى، وإحنا نطبطب على كتفه ونقول له كفاية حرام عليك نفسك.. ده أمر الله”! ومضت تسرد تفاصيل هذا الكلام الفارغ وهى تقودنى إلى تركيبة الأميرة نازلى فاضل. لم أجد فائدة ترجى من المجادلة أو حتى التعليق، فأخذت أتأمل شاهد التركيبة وما كتب عليه، وثرثرة الست أم رشاد فى الخلفية!

لغاية سنوات قليلة مضت، كانت فكرة الناس عن الأميرات أنهن سيدات يتميزن بسطحية بالغة، ولا هم لهن غير الأزياء الغالية والحفلات الباذخة، حياة مختزلة فى مظاهر ترف وإسراف. صورة ساهم فى صنعها سنين طويلة، بدأ فيها الأمر كحملة دعائية بعد انقضاء العصر، ثم تحول مع الوقت إلى شخصيات نمطية يُستسهل تكرارها فى المقالات والروايات والأعمال الدرامية دون أن يعبأ أحد بمراجعتها أو تحقيقها.  مؤخراً فقط لمع اسم الأميرة فاطمة إسماعيل بمناسبة العيد المئوى لإنشاء جامعة القاهرة، وعرف الناس أن وراء خروج هذا الصرح العتيد إلى النور تبرعات أميرة، وأدركوا أن بين الأميرات من آمن ببلدهن وضحين من أجلها، وأن الصورة التى اعتدنا رؤيتها منذ 1952 لهؤلاء الأميرات شابها تعميم متعمد ظلمَهُن وبخس حَقَهُن.

تركيبة مستقيمة الخطوط، رخامها رمادى عابس جاد، بسيطة الزخارف بمقاييس زمانها أو حتى مقارنة بأخريات حولها. المهم أنها تسترعى انتباهك لأنها مختلفة عن كل مثيلاتها، متفردة عن كل ما جاء فى زمنها، تماما كصاحبتها!

جمالٌ… وغموض!

صورة باستديو للأميرة نازلي فاضل و(في الأغلب) احد وصيفاتها

حسنها أخاذ؛ قد ممشوق وثغر مرسوم وعينان ساحرتان ويدان مرمريتان. مجلسها ممتع؛ حديث طلى ومواضيع متنوعة وخطاب منمق. تتحدث بست لغات وتعقد صداقات قوية وعلاقات واسعة مع أعلام عصرها فتحادثهم باقتدار أتاحته تجاربها وصقلته معارفها. أقامت أول صالون ثقافى فى مصر، وربما فى الشرق بأسره، ومع ذلك لا يكاد يعرفها أحد!

بالفعل، تمثل الأميرة نازلى فاضل أنموذجاً نسائياً فريداً فى تاريخ مصر المعاصر، بل فى تاريخ الشرق بأسره. فلم تعرف أقطار المشرق امرأة تمكنت من اجتياز الحواجز الاجتماعية والسياسية والثقافية التى فرضتها معطيات ذلك العصر عليها كامرأة وكأميرة، على نحو ما استطاعت نازلى. الأهم من هذا أن ثقل هذه الأميرة ومكانتها لم يتأسسا على ما استطاعت تحصيله من علم واسع وثقافة غزيرة فحسب، بل الأهم هو ما أسهمت به من صحوة نابهة فى مسيرة الثقافة والتنوير فى مطلع القرن العشرين وما كان لها من بصمة وضاءة على فكر ووجدان الكثير من أعلام الشرق فى زمانها.

ولا يضاهى هذا التفرد فى شخصية نازلى فاضل إلا ما يحيط بسيرتها من غموض وتناقض. فمن ناحية، تمثل قلة المراجع التى تذكر نازلى صعوبة شديدة للباحث فى سيرتها، يضاعفها التناقض الشديد بين ما أوردته تلك المراجع على قلتها. فبينما ترسم بعضها كمذكرات سعد زغلول باشا مثلاً صورة نازلى كامرأة مثقفة لها دور نشط فى الحياة الثقافية لبلادها، تغار على بلادها وتدافع عنها ضد أى هجوم، تصورها مراجع أخرى كمذكرات محمد فريد بك كأميرة مدللة تحتقر المصريين وتزدرى رجالهم!

سيرة تزخر بغموض مثير وتناقض عجيب، صالونها يستقبل أقطاب رجال الاحتلال مثل كرومر وكتشنر وستورز وفى ذات الوقت يضم رواد الوطنية كالأفغانى ومحمد عبده وسعد زغلول وقاسم أمين. تقرأ أنها تساند عرابى فى معركة التل الكبير وتتبرع له بالمال والهدايا وتهدد قضاة الوردانى قاتل بطرس باشا غالى بالفتك بهم إذا أغلظوا العقوبة له على الاغتيال الذى اعتبره المصريون عملاً وطنياً، ثم تقلب صفحات كتاب آخر فتجدها تصف الشباب المصريين بأنهم لا يستحقون ثمن حبل يشنقهم!!

غموض وتناقض يثيران شهية الباحث؛ أكانت نازلى فاضل بالفعل سيدة سبقت عصرها بما تمكنت من تحصيله من علم وما اعتنقته من مبادئ وأثرت به من نهضة، أم أنها لا تزيد عن سيدة داهية رأت فى عقد علاقات وثيقة مع رجال الاحتلال و الترويج لهم مآرب شخصية؟

الزوجة 11!

يجدر بنا أن نبدأ حكاية أميرتنا بحكاية أبيها التى كان لها تأثير قوى على شخصيتها ومسار حياتها. أبو نازلى هو الأمير مصطفى بهجت فاضل ابن إبراهيم باشا ابن محمد على باشا الكبير مؤسس الأسرة العلوية. ولد مصطفى فاضل فى 22 فبراير سنة 1830، بعد ولادة أخيه غير الشقيق إسماعيل بأربعين يوم. وقد ورث الأخوان العداوة لبعضهما البعض من أميهما زوجتى إبراهيم، وساعد على تأججها فوز إسماعيل بالعرش بفارق الأيام الأربعين ثم تغييره نظام وراثة العرش ليتولى ولاية العهد ابنه محمد توفيق بدلاً من أخيه مصطفى فاضل الذى انتقل إلى الإقامة الدائمة فى الخارج ما بين أوروبا والآستانة.

ولدت نازلى سنة 1853، واسمها الرسمى نازلى زينب؛ فالأسماء المزدوجة للبنات كانت عادة شائعة لدى الأسرة العلوية فى القرن التاسع عشر. لها من الأخوة خمسة عشر، عشرة أخوة وخمس أخوات هى أكبرهن، لكنها كانت الابنة الوحيدة لأمها دل آزاد هانم، إحدى زوجات الأمير مصطفى فاضل.

وربما كان عدد نساء الأب واحداً من بواعث اهتمام الابنة بقضايا المرأة المسلمة ونهضتها، فالأوراق تحدثنا بأن تعدد الزوجات الذى اتسم به ذلك العصر، كان من الطبائع المشتركة بين الأخوين العدوين؛ فبينما كان لإسماعيل ثلاثة عشر زوجة ومستولدة، كان لأخيه إحدى عشرة، ثلاث زوجات وثمانى مستولدات!

والمستولدة هى جارية يتخذها سيدها، ويتساوى أولاده منها مع أولاده من الزوجة فى كافة الحقوق بما فيها حق وراثة العرش. أى أن وضع نازلى كابنة لزوجة، لم يعطها أية مزايا على إخوتها من مستولدات. وقبل أن نترك دل آزاد هانم نذكر أنها ولدت فى الآستانة فى 2 يناير سنة 1837 وبذلك تكون قد أنجبت نازلى وهى فى السادسة عشر من عمرها، ولا يُعْرَف سبب عدم إنجابها ثانية حتى توفيت فى 24 ديسمبر سنة 1885 عن ثمانية وأربعين عاماً!

نعود للصراع بين إسماعيل ومصطفى فاضل الذى يمثل صفحة مثيرة فى التاريخ ربما أفردنا لها دراسة مستقلة فى عدد لاحق، على أن ما يعنينا منها الآن هو تأثيرها على نازلى. صاحبت نازلى والدها فى الإقامة فى الخارج وهى فى الثالثة عشر من عمرها ولم تعد إلى مصر حتى توفى أبوها سنة 1875 وهى فى الثانية والعشرين. هكذا قضت الأميرة السنوات التى يتشكل فيها الفكر والوجدان ما بين أوروبا والآستانة، فنشأت تحمل مزيجاً من العادات الشرقية، اكتسبتها من الآستانة ومن الثقافة الغربية التى نهلت منها فى تلك المرحلة ثم تشبعت بها حين عادت للإقامة فى باريس مع زوجها كما سنرى.

جاء زواج نازلى الأول سنة 1873 من خليل باشا شريف وكان يكبرها بحوالى ثلاثين عاماً! خليل باشا، كان رجلاً مثقفاً تلقى علومه فى فرنسا ضمن بعثات محمد على ثم التحق بالعمل الديبلوماسى والسياسى فى الدولة العلية وهو ابن محمد شريف باشا والى الشام فى عهد محمد على، وبالمناسبة هو غير محمد شريف باشا رئيس الوزراء الوطنى المشهور.

وقبل وفاة الأمير مصطفى بشهرين يقرر الخديو إسماعيل تعيين مخصصات مالية له ولأسرته، مما يدل على أن حالة الأمير المادية كانت قد بلغت عسراً شديداً. على أى حال، كان نصيب نازلى منها خمسين كيس فى الشهر!

الحصوة … وباريس!

الأب: مصطفى فاضل (1830-1875) كان من المفترض أن يتولى الحكم بعد الخديوي إسماعيل ولكن لم يحدث بسبب تغيير قوانين الوراثة لتمر من الأب للإبن

“حيث إنه عند حضور فامليت وأنجال المرحوم مصطفى فاضل باشا من الآستانة قد اقتضى الحال لاستعداد سراى الحصوة لإقامتهم وبمعرفة دايرتنا الخاصة جرى ما لزم للسراى المذكورة من عمارات وترميمات وفروشات ومشتروات ونحوه من ساير احتياجات”، ذلك هو منطوق الأمر الكريم الذى أصدره الخديو إسماعيل لناظر المالية سنة 1875 بمناسبة عودة الأميرة نازلى مع أسرتها من الخارج للإقامة بمصر عقب وفاة والدها. وسراى الحصوة هذه هى سراى العباسية؛ فقد غير الخديو عباس اسم صحراء الحصوة لتسمى باسمه حين أمر بتعميرها سنة 1849.

حصوة كانت أم عباسية، فلم تطل إقامة نازلى بها، فما لبث زوجها خليل باشا أن عين وزيراً للحقانية فى الدولة العثمانية سنة 1876 ثم عين سفيراً فى باريس سنة 1877، فسافرت معه لتبدأ مرحلة هامة فى حياتها، تبلورت فيها مداركها الثقافية وصقلت معارفها فى مختلف الشئون.

فى عاصمة النور تفاعلت نازلى مع الحياة الثقافية سواء بالقراءة والاطلاع أو بالتواصل والانفتاح، وقد شاعت فى باريس آنذاك فكرة الصالونات الأدبية، وغدت المدينة تزخر بتلك الصالونات التى تضم المفكرين والساسة والأدباء وتطرح فيها موضوعات شتى تتصل بالثقافة والفن والسياسة. وكان وراء كل صالون، سيدة تستضيفه فى قصرها بصفة دورية وتحرص على دعوة الصفوة إليه. وقد احتكت الأميرة بهذه الصالونات عن قرب، فتأثرت بها وأدركت دورها فى تفعيل الحركة الثقافية وبث الروح فى المجتمع.

اختلفت المراجع فى أى الأجلين هو الذى انهى زواج نازلى، البعض أورد أنها بقيت مع خليل باشا حتى وفاته فى يناير 1879، بينما تؤكد مراجع أخرى أنهما انفصلا قبل ذلك. هذا أو ذاك، ففى غضون ذلك الوقت عادت نازلى فاضل إلى القاهرة مرة ثانية، ولكن فى شكل مختلف!

كلهم… عند هنرى!

عادت الأميرة من باريس سيدة مثقفة ثقافة واسعة تتحدث العربية والتركية والإنجليزية والفرنسية بطلاقة كأحد أبنائها، وتلم بالألمانية والإيطالية إلى حد كبير. تحاور الرجال فى ندية، تتحدث فى مختلف المواضيع وتتحاور فى شتى مناحى المعرفة، مهتمة بقضايا بلادها ومطلعة على شئون بلاد بعيدة كاليابان والصين.

وكان طبيعياً أن تنقل سيدة على هذا القدر الرفيع من تنور الفكر وقوة الشخصية ورفعة المقام ما رأته فى باريس، فأقامت الأميرة نازلى فاضل أول صالون ثقافى فى تاريخ مصر المعاصر فى قصرها.

اتخذت نازلى لإقامتها قصراً وراء قصر عابدين له حديقة واسعة أسمته “فيلا هنرى” فى شارع كان يسمى شارع “لاكامبانى” (أى الشركة)، أثثته بأفخر الأثاث والرياش خصوصاً من طراز لويس الخامس عشر الذى كانت تفضله، لكن الأهم أنها حرصت على أن يكون أغلبه صناعة مصرية.

السير هنري لايارد، عالم الآثار والسياسي، كان بمثابة معلم خاص لنازلي ساعدها في سعيها للحصول على المعرفة

لا أعرف مصيراً لهذا الشارع الآن، ولا القصر طبعا! ويرجح أنه هدم فى عشرينيات القرن العشرين. أما سبب تسمية القصر “فيلا هنرى” فيعود إلى سير “هنرى لايارد” الرحالة وعالم الآثار الذى عمل بعد ذلك فى السياسة وأصبح سفير إنجلترا لدى الباب العالى. تعرفت نازلى به فى اسطنبول أثناء إقامتها بها فأعجب بها لذكائها وحبها للثقافة والاطلاع، وأسبغ عليها رعاية أبوية حميمة وساعدها فى اكتساب المزيد من المعارف.

فى ذلك القصر اجتذبت نازلى صفوة المفكرين والأعلام المصريين ودارت أحاديث ومناقشات على مستوى رفيع يليق بأسماء رواد الصالون وكان من أشهرهم الشيخ جمال الدين الأفغانى والشيخ محمد عبده وسعد زغلول باشا وقاسم أمين والمويلحى وأديب اسحق وغيرهم كثيرين. كذلك ضم صالون الأميرة أصدقائها من الإنجليز ومنهم لورد كرومر المندوب السامى وكبار رجال الإنجليز وقتئذ مثل كتشنر وبوند وستورز.

الجميع يأتون باستمرار إعجاباً بثقافة الأميرة ولباقة حديثها وذكائها المتوقد وكرمها الفياض، فضلاً عن جمالها الساحر!

حلالٌ … حلال!

لم يقتصر دور نازلى على إقامة الصالون والاشتراك فيه، بل الجدير بالإعجاب هو تأثيرها الإيجابى على التطور الفكرى لرواده مع ما لهم من ثقل ثقافى وثراء ذهنى واسع. وندلل على ذلك بدور الأميرة فى حياة ثلاثة من أشهر أصدقائها ورواد صالونها. أول هؤلاء كان الإمام الشيخ محمد عبده الذى بدأت علاقته بها بعد عودته من المنفى عام 1888. وربما عرف الشيخ من أستاذه الشيخ جمال الدين الأفغانى إعجابه بالأميرة لمناصرتها حركة العروة الوثقى وقت إقامتها بباريس فأقبل على صداقتها.

أدركت الأميرة بعينها النقادة تفوق عقل الشيخ وتنور منهاجه فدعته إلى حضور صالونها وتوثقت العلاقة بينهما، فكان يروم مجلسها ويجد فى ذكائها وحسنها ما يسرى عنه ويبعث فيه بهجة، وقد ظلت علاقتهما وثيقة حتى وفاته، حتى أنه حين زار تونس سنة 1903 أقام فى قصرها.

ويرجح المؤرخون أن الأميرة هى التى حثته على تعلم الفرنسية ودراسة الأدب الفرنسى دراسة متعمقة. أما الشيخ مصطفى عبد الرازق الذى كان شيخاً للجامع الأزهر وكان والده صديقاً للشيخ محمد عبده، فقد سجل فى بحث له عن أثر المرأة فى حياة الشيخ محمد عبده أن الأميرة أثرت على أسلوب الشيخ فى الكتابة فاصطبغ بخفة ودعابة، والأهم أنها فتحت معه آفاق لم يكن قد خبرها من قبل؛ كالرسم والنحت وغيرها من الفنون، فانكب يدرسها ويعى قيمتها الثقافية حتى أفتى بحِلِّها، قبل مائة عام من أناس يحرمونها علينا الآن!

صورتها!

قدم الشيخ محمد عبده للأميرة اثنين من تلاميذه، فكان لها أثراً عميقاً فى حياة كل منهما كذلك، وقد صار أحدهما زعيماً للأمة بينما قاد الثانى تحرر بناتها. بدأت علاقة سعد زغلول باشا بنازلى مهنية؛ حين وكلته عنها كمحامى. ومرة أخرى نتذكر أن لنازلى عين خبيرة بمعادن الرجال، فأدركت جوانب القوة فى شخصية سعد وحرصت على أن تدفعه إلى الأمام، فتوثقت الصلة بينهما وأمسى واحداً من رواد صالونها، وتقرأ عن مناقشات كثيرة بينهما فى قضايا ذلك العصر وأحواله. ويروى محمد فريد بك فى مذكراته أنها كانت وراء إقناع كرومر بتعيين سعد الذى كان محامياً، مستشاراً بمحكمة الاستئناف، كما أقنعته بضرورة تعلم اللغة الفرنسية.

كذلك حاولت الأميرة الإصلاح بين سعد وقاسم أمين حين اختلفا وقد عز عليها ذلك وكلاهما صديق لها.  وقد شاع اعتقاد آنذاك أنها هى التى رشحت سعد زوجاً لصفية هانم ابنة مصطفى باشا فهمى رئيس الوزراء، لكن الأستاذ العقاد فى كتابه عن الزعيم ينقل عنه قوله أن الذى تمم الزيجة هو قاسم أمين.

الأغرب والأهم، أن العقاد يضيف أن الأميرة لم تكن لترتاح لهذا الزواج ولم تساعد فى إتمامه، لكنه أبداً لم يعطنا سبباً لذلك! ويتضح من مذكرات سعد باشا أن صداقته بالأميرة قد استمرت حتى وفاتها. والعجيب أن سعد باشا قد انقطع عن كتابة مذكراته التى كان يدونها بانتظام لسنوات طويلة مدة ستة أشهر كاملة غداة وفاة الأميرة، ولكنه لا يذكر أن وفاتها سبباً لذلك، بل لا يذكر أنها توفيت أصلاً!

وحين تزور منزل سعد باشا الذى يعرف ببيت الأمة إلى اليوم، تجد صورة الأميرة معلقة فى غرفة الجلوس!

… ثم أقنعته!

قد يعجب القارئ إذا عرف أن أول مقالات كتبها قاسم أمين، الذى يعد من رواد دعاة تحرير المرأة فى تاريخنا المعاصر، جاءت هجوماً قاسياً على المرأة المصرية! عاد أمين من دراسته بباريس ليقارن ما خبره بها مع ما لاقاه عند رجوعه فى مختلف مناحى الحياة، مركزاً على الأحوال الاجتماعية فى مصر ولاسيما وضع المرأة بها. ويبدأ قاسم عقب عودته فى نشر عدة مقالات فى جريدة “المؤيد” حمل فيه بعنف على المرأة المصرية وقارنها بالأوروبية فحط من شأنها ودعى إلى ضرورة إلزامها بيتها ومنعها من أى مشاركة فى الحياة العامة!

غضبت نازلى من تلك المقالات وطلبت من الشيخ محمد عبده أن يدعو أمين إلى دارها لتحاوره فيما كتب. ويجد قاسم نفسه أمام صورة رائعة للمرأة المسلمة المستنيرة، تعرض آرائها بثقة وتثبتها بأسانيد المنطق، تتفاعل مع ضيوف صالونها فى حوارات رفيعة تديرها بعدة لغات تتحدثها بطلاقة واقتدار. باختصار، انبهر قاسم أمين بنازلى كأنموذج راقى لما يمكن أن تصل إليه المرأة المصرية إذا أتيحت لها الفرصة، واقتنع أن تخلف المرأة الشرقية ترتب على قيود اجتماعية فرضت عليها، وليس لنقص طبيعى فيها.

هكذا اعتنق قاسم أمين مبدأ ضرورة تحطيم أغلالها لتلحق بما فاتها، فجاءا كتاباه “تحرير المرأة” و”المرأة الجديدة” دعوة لذلك، فكان للأميرة نازلى فاضل وللشيخ محمد عبده دوراً كبيراً فى تغيير فكريات وآراء قاسم أمين لتغدو بالشكل الليبرالى الذى يحفظه التاريخ له إلى اليوم.

لم يكن الصالون منبراً ثقافياً فحسب يتدارس فيه رواده القضايا السياسية والثقافية وأحوال البلاد، بل اتسع ليكون بمثابة جبهة فكرية تفند مزاعم المستشرقين الذين دأبوا فى ذلك العصر على نشر كتب تنال من مصر وتهاجم شعبها وتصوره فى صورة مجتمع جاهل متخلف لا يزال فى القرون الوسطى.

من أهم الكتب التى تصدى لها صالون الأميرة نازلى كان كتاب “سر تأخر المصريين” الذى كتبه دوق “داركور” الفرنسى سنة 1893 بعد أن زار مصر ثلاث مرات، فاستحثت نازلى قاسم أمين على الرد عليه بالأسلوب العصرى الذى اكتسبته فى الغرب والذى يقوم على المنطق والحجج لا العبارات الإنشائية المنبعثة من الانفعال العاطفى. وفى سنة 1894، وعلى نفقة الأميرة نازلى، نشر قاسم أمين بالفعل كتابه “المصريون، الرد على الدوق داركور” الذى برهن فيه على قدرة مصر على القيام من رقدتها ونفض غبار التخلف عنها.

جواهر… ولكن!

استمر الأمير مصطفى فاضل منشغلاً بالعمل السياسى بعد خروجه من مصر فعين فى عدة مناصب رفيعة فى الآستانة وتولى وزارة المالية، ثم اختلف مع السلطان عبد العزيز وسافر إلى أوروبا، ومن هناك فى سنة 1866 وجه له مذكرة طويلة شديدة اللهجة بعنوان ” من أمير إلى سلطان”.

وتقرأ المذكرة فتتعجب كيف يمكن أن توجه إلى الكثير من حكام زماننا هذا! فى بدايتها يخاطب الأمير السلطان بقوله ” ما أصعب وصول كلمة الحق إلى حظيرة الملوك والأمراء، البطانة تحجبها وتخفيها، والملوك سكارى بخمرة الملك منصرفون عن الصواب بلذة السلطان”، ويختم الأمير بقوله للسلطان “ارجع إلى ضميرك قبل غيره ينبئك بما وجب عليك فى هذا الزمان”.  طالب الأمير السلطان بإجراء إصلاحات سياسية واسعة والاهتمام بالتعليم وإنشاء نظام ديموقراطى وحكومة دستورية فى الدولة العثمانية على غرار الأنظمة الأوروبية آنذاك.

ولم تكن نازلى بأقل من أبيها صلابة وشجاعة فى مواجهة السلطان عبد الحميد، فقد بلغها أنه ناقم عليها لحضورها مؤتمر تركا الفتاة فى باريس، وقد دس الوشاة لديه بقولهم أنه لا يليق بالسيدات المسلمات أن يذهبن إلى بلاد النصارى ويخالطن أعداء السلطان بها!

لم تخف الأميرة من الموقف أو تتراجع، بل تراها وجهت إلى السلطان فى 22 أكتوبر 1896 خطاباً ذكرته فيه أنه قال لزوجها أنه مغرم بكلمة الحق، وانتقدت فى قسوة أحوال الأتراك من فقر وظلم ومذابح، وتمضى فى تحديه قائلة أن البعض أوصاها أن تعتذر للسلطان عن هفواتها، لكنها تأبى لأنها لا تعترف بأنها أخطأت فى حقه!

استشاط السلطان غضباً عند تلقيه هذا الكتاب، لكن المصادر تجمع على أنه رغم ذلك سدر يتودد للأميرة حتى تقبل زيارة الآستانة. وبالفعل سافرت إليها حوالى سنة 1898، وتتفق المصادر كذلك على أن السلطان أكرم وفادتها رغبة منه فى تغيير موقفها منه. أما الاختلاف فعلى رد فعلها؛ فنجد أحد أصدقائها قلينى باشا فهمى يروى أنه لاحظ بعد عودتها من اسطنبول أن لهجتها نحو السلطان انقلبت نحو المدح والإطراء، فلما استفسر منها عن سر ذلك، فتحت له صندوقاً من الجواهر نفحه لها السلطان!

على الجانب الآخر، يؤكد ولى الدين يكن، وهو أيضا من أصدقائها، أنها بقيت على هجومها عليه وانتقادها للسلطان بعد عودتها. والأرجح عندنا القول الثانى، لأن الثابت أن الأميرة طلبت من فتحى زغلول باشا أن يترجم كتاب أبيها الذى يهاجم فيه نظام الحكم فى الآستانة إلى العربية ونشر بالفعل سنة 1913، مما ينفى انقلابها إلى ملاينة السلطان. ومن ثم نميل إلى ما ذكر ولى الدين يكن من أن العلاقة استمرت بينهما سيئة وظل السلطان عبد الحميد يحمل لها كراهية مريرة، حتى أن رجاله كانوا يخشون ذكر اسمها فى القصر!

في زيارة إلى تونس، اعجبت نازلي بخليل بوحاجب الذي كان يصغرها بعشرين عاماً وتزوجا في 5 أبريل 1900.

قاسم… تونسياً!

بدأ تردد الأميرة نازلى على تونس حوالى سنة 1896 لزيارة أختها الأميرة رقية التى تزوجت من أحد القُوّاد التونسيين اسمه طاهر بن عياد، وكانت نازلى قد نسجت علاقات كثيرة بأهل تونس حال إقامتها فى فرنسا، فاهتم بها صفوة المثقفين التونسيين منذ حطت قدمها فى المدينة، وكتبت الصحف تغطى زياراتها للمتاحف والأضرحة وتبرعاتها السخية للخير، وعينت رئيسة شرفية للجمعية الخلدونية التى كانت تستهدف النهوض بالمرأة المسلمة فى تونس بتعليمها وتثقيفها.  

فى تونس التقت نازلى بالشيخ سالم بوحاجب وكان قاضيًا ومصلحًا تونسيًا ومفتى المالكية فأعجبت بنشاطه وأفكاره، وكذلك أعجبت بابنه السيد خليل بوحاجب فاقترنت به فى 5 أبريل سنة 1900، وقت كانت تبلغ سبعة وأربعين عاماً وكان يصغرها بعشر سنوات!

وكانت نازلى قد رفضت الاقتران بأحد الوزراء البارزين فى مصر كما رفضت أيضا أميراً من عائلتها، قبل أن تقترن ببو حاجب الذى كان رئيس قسم التحقيق الجنائى ثم عين وكيل نيابة، وبعد وفاة الأميرة عين محافظاً فوزيراً فرئيساً للوزراء فى تونس حوالى سنة 1926 ثم توفى سنة 1939.

حين اقترنت الأميرة بزوجها أقاما فترة فى قصر أبيه ثم اتخذا لهما قصراً، بل عدة قصور فى منطقتى المرسى  و”حمام الأنف”. ولم يمض وقت حتى أصبح قصرها الفخم بالمرسى يحاكى قصرها فى عابدين؛ وصار مركزاً جاذباً لدعاة الإصلاح السياسى والاجتماعى.

ولم يقتصر نشاط نازلى فى تونس على التبرعات وأعمال البر، بل الأهم من هذا بصمتها العميقة على مكانة المرأة ونهضتها. فى ذلك الوقت كان تعليم المرأة مقصوراً على المدارس الأجنبية، ومن ثم كانت فكرة تعليمها وتحررها مقترنة اجتماعياً بالتفرنج والبعد عن الإسلام، فجاءت نازلى لتضرب مثلاً رائعاً لسيدة مثقفة مستنيرة فى جانب ومتدينة حريصة على تعاليم دينها غيورة على نهضة بناته فى الجانب الآخر.

لم تأل نازلى جهداً لتثبيت هذه الصورة وتدعيمها، فبادرت بالاتصال بالبشير صفر أحد زعماء النهضة التونسية يومئذ، ومابرحت تتواصل معه فى شئون نهضة المرأة حتى دعته للسفر معها هى وزوجها إلى مصر فى أواخر سنة 1907 حيث التقى بالمثقفين وزار المدارس فعاد مقتنعاً بوجوب العمل على تحرير المرأة التونسية، تماماً كما فعلت مع قاسم أمين فى مصر! وما لبث البشير أن أسس بتشجيع منها أول مدرسة للبنات المسلمات فى تونس تكرس مبدأ تعليم السيدات مع محافظتهن على تعاليم الدين الحنيف وآدابه.

قالتها…ولكن!

نأتى لأكثر ما يحير فى تاريخ الأميرة نازلى؛ ذلك التناقض الغريب فيما وصل إلينا من سيرتها. مصادر تسهب فى انشغالها بقضايا وطنها وعلاقاتها برجاله الوطنيين، ومصادر تسجل أنها لا تحمل للمصريين إلا مشاعر البغضاء والاحتقار! من هؤلاء جرفيل الذى يقول فى كتابه إنها وصفت له شباب مصر فى مطلع القرن العشرين بأنهم لا يساوون ثمن حبل يلتف حول أعناقهم!

 كيف تفكر نازلى هكذا، ثم تغضب من هجوم قاسم أمين على المرأة المصرية وتسعى فى تغيير آرائه؟ كيف يقبل رجال هم مضرب الأمثال فى الوطنية وحب مصر مثل سعد زغلول ومحمد عبده أن يكون لهم صداقة بسيدة لا تحترم المصريين؟ وإذا كانت نازلى ترى المصريين هكذا، فكيف اعتبرت سعد زغلول، المصرى الفلاح، كفؤاً للزواج من ابنة مصطفى باشا فهمى رئيس الوزراء ذى الأصول التركية؟ ولو كانت نازلى بالفعل عميلة للاحتلال، فلماذا تسعى لتخفيف العقوبة على الوردانى الذى قتل بطرس غالى باشا لتحالفه مع الإنجليز؟

للإجابة على هذا النقطة المهمة فى حياة تلك السيدة، لابد أن نلقى ضوءاً ولو يسيراً، على المسرح السياسى المصرى خلال الحقبة التى شهدت أوج نشاط نازلى الثقافى (1885-1913). وقتئذ، شحبت الحركة الوطنية التحررية من جراء ما عانته البلاد من إجراءات قمع وتكبيل اقترفها الإنجليز لإحكام قبضتهم على مصر وتثبيت نفوذهم مع بداية الاحتلال. وانحسر المد القومى منذ هزيمة عرابى ونفيه فلم تشهد مصر مطالبات جادة بالاستقلال والحرية. ولم يظهر استثناء لهذه الظاهرة سوى حركة مصطفى كامل باشا، غير أن اعتقاد نازلى بأنه يستغل القضية الوطنية لجمع الأموال والتبرعات حال دون حدوث أى تقارب بينهما، فهاجمته ووصمته، حتى أن محمد فريد الذى كان صديقاً لها قاطعها لذلك.

 أثّر هذا على نازلى وقد ساءها أن ترقد البلاد تحت نير الاحتلال ووطأة التخلف دون أن يهب شبابها للدفاع عنها والمطالبة بحريتها، فجاءت تصريحاتها ضد هؤلاء الشباب بمثابة نقد ذاتى تستحث به الجيل الجديد على أن يهب لخلاص بلاده. وحديثها المشهور لجرفيل يثبت هذا، فتراها تصم الشباب من طبقة الأثرياء بأنه خامل تنقصه الشجاعة والإقدام والوطنية، قبل أن تختم بجملتها المشهورة “أنهم لا يساوون ثمن حبل يشنقون به”!

ولكن للعبارة بقية فى منتهى الأهمية تعيدها إلى سياقها وترفع عن الأميرة تهمة ازدراء المصريين أو كراهيتهم، فتراها تستطرد لتنتقد الشباب الأثرياء فتتهمهم بأنهم لا يفكرون إلا فى ألوان ملابسهم وأشكال أحذيتهم وملذاتهم الحرام، فتضيع صحتهم وطاقاتهم فيما لا يجدى. وهو هجوم يشبه ما تجرى به ألسنة المصريين كل يوم فى مجالسهم ومنتدياتهم من نقد لاذع لما يسوءهم من أحوال بلادهم أو سلوكيات شبابها. ورغم قسوة الأوصاف التى ربما يستخدمها بعضنا فى التعبير عن سخطه وانتقاده لبعض جوانب حياتنا، إلا أن أبعد ما يكون عن الإنصاف هو أن نَصِمُ هؤلاء بانعدام الوطنية.    

ومن ثم فالرأى عندنا أن تصريحات نازلى لجرفيل هى تحليل ذاتى، أساء هو استخدامه ليصور المصريين كأقلية من المثقفين الأثرياء تحتقر السواد الأعظم من أبناء هذا الشعب وتنكر حقهم فى حياة مستقلة. فالسيدة التى تتبرأ من مصريتها أو تحتقر أبناء شعبها، لا تنفق على كتب للدفاع عنهم ولا تتصدى لهجوم غير منصف عليهم. ولو عرف أصدقاؤها مثل محمد عبده أو سعد زغلول غير ذلك، لكانوا أول من هاجموها فيما كتبوا من مذكرات ومقالات، بل ولقطعوا علاقتهم بها.

غير أن تحليلنا هذا لا ينفى أن نازلى كانت تعتقد بأن الإنجليز صنعوا الكثير من الخير لمصر، وأنها ما كانت لتنال الدستور وينتظم العمل الحكومى بها لولا دعم إنجلترا لها. كما كانت تعترف فى مجالسها أن لكرومر فضل كبير على مصر وتطورها وتصفه بأنه رجل عظيم. وبالفعل يروى الشيخ مصطفى عبد الرازق أن هجوم الشيخ محمد عبده على الإنجليز فى الصحف خفت وطأته بعد أن تعرف على كرومر فى صالون الأميرة!

ومربط الفرس أن نازلى كانت ترى فائدة لوجود الإنجليز فى مصر، ومن ثم فهى لا ترى غضاضة فى إقامة علاقات وثيقة برجال الاحتلال والمجاهرة بتلك العلاقات. بيد أن ذلك لا ينفى بحال أنها تتصرف كسيدة مسلمة راسخة العقيدة ومصرية خالصة الانتماء، عاشت منشغلة بقضايا دينها ووطنها، جادة فى سعيها لرفعة شأنهما.

وأغمضت عينيها!

ويلف الغموض ذرية الأميرة، فتجد بعض المصادر تؤكد أنها لم تنجب، لكن سجلات القصر الرسمية تؤكد أنها رزقت بنتاً واحدة من زوجها الأول خليل باشا شريف أسمتها “حواء هانم”، على أن السجلات لم تذكر تاريخى الميلاد والوفاة، مما حدا بنا للاعتقاد أنها ماتت فى المهد. غير أن مطالعة تغطية الصحف التونسية لزيارة الأميرة سنة 1896 تخبرنا أن ابنتها قد صاحبتها فى زياراتها الثقافية كما ورثت عنها التحدث بلغات متعددة، مما يدل على أنها كانت قد تخطت الطفولة المبكرة آنذاك، وهو منطقى، فلو أن حواء ولدت ما بين 1874، أى بعد زواجها من خليل باشا بعام و1879 تاريخ وفاته، لبلغت حوالى عشرين عاماً يوم رافقت والدتها إلى تونس. وقد تزوجت حواء هانم من محمد الماردينى باشا أحد رجال الحكومة العثمانية ووالى سوريا. العجيب أن صحيفة الأهرام ذكرت غداة وفاة الأميرة أنها لم تعقب!

ظلت الأميرة نازلى فاضل تتناوب الإقامة بين مصر وتونس، قائمة على نشاطها التنويرى فى قصريها بعابدين والمرسى، ويروى السلطان حسين أنه زارها يوم 28 ديسمبر 1913 حتى الساعة السابعة والنصف، فألفاها بصحة جيدة وإن لاحظ تدهور معنوياتها؛ وقد أخذت تتحدث فى أنها تعرف أن النهاية ستواتيها خلال شهر ديسمبر الذى شهد وفاة والدتها من قبل. وعند الفجر داهمتها أزمة قلبية فقضت نحبها، وقيل أنها أغمضت عينيها بيديها قبل أن ينفذ أمر الله!

وخلف مندوب عن الخديو عباس، وإن لم يكن بينهما ود، سارت الجنازة فى اليوم التالى حتى مدفن الأميرة الخاص فى الإمام الشافعى، على نغمات موسيقى حزينة بين جند منكسى السلاح.

هذه نازلى فاضل، التى لا يعرفها إلا قلة نادرة من المثقفين والمتخصصين فى التاريخ، فمتى نرى اسم هذه الأميرة المَنْسية ضمن رائدات النهضة النسائية من أمثال الأميرة فاطمة إسماعيل وصفية زغلول وهدى شعراوى ونبوية موسى وسيزا نبراوى وغيرهن.

أميرة رفضت أغلال الحريم وثارت على ظلمه الجائر… ضربت أروع الأمثلة لما يمكن أن تبلغه المرأة الشرقية من عقلية ثرية وإدراك واسع… لم يكن كفاحها ضد مستعمر أو ديكتاتور… كان ضد مجتمع بأسره… كفاح ضد أعراف فاسدة وتقاليد بالية… كفاح ضد دعاة الانغلاق وعتاة التقلص… كفاح ضد فكر معتم وأفق ضيق… هَلاَّ نحتاج فى زمننا هذا إلى نازلى فاضل جديدة؟! *

____________________________________________________

مراجع البحث:

 

  • أبوالقاسم محمد كرو: الأميرة نازلى فاضل، رائدة النهضة فى مصر وتونس.
  • إلياس زخورة: مرآة العصر فى تاريخ ورسوم أكابر مصر.
  • إلياس الأيوبى: تاريخ مصر فى عهد الخديوإسماعيل باشا.
  • أمين سامى باشا : تقويم النيل.
  • ديوان جلالة الملك: الأسرة المحمدية العلوية الجليلة.
  • رجاء النقاش: الشيخ والصالون.
  • رجاء النقاش: باريس فى عابدين.
  • سعد زغلول باشا: مذكرات سعد زغلول.
  • عباس حلمى الثانى، الخديو: عهدى.
  1. عباس محمود العقاد: سعد زغلول- سيرة وتحية.
  2. عمر طوسون، الأمير: البعثات العلمية فى عهد محمد على.
  3. قاسم أمين: المصريون.
  4. قلينى فهمى باشا: أعمال الملوك.
  5. محمد فريد بك: أوراق محمد فريد، مذكراتى بعد الهجرة (1904-1919)،
  6. مصطفى بهجت فاضل، الأمير: من أمير إلى سلطان.
  7. مصطفى عبد الرازق باشا، الشيخ: أثر المرأة فى حياة الشيخ محمد عبده.
  8. ولى الدين يكن: المعلوم والمجهول.
  9. Guerrville, A.B. de: New Egypt, London, 1905.
  10. Ronals Storrs, Sir: Orientations, London, 1973.
نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٣ ، ٢٠١١

الأكثر قراءة

قصر الزعفران بين الضرائر والسفراء!

من قصر الحصوة، الى قصر الزعفران ثم مقر لأحد اكبر جامعت مصر... نظرة الى تاريخ احد اقدم قصور القاهرة

أفراح الأنجال

عندما كانوا الجدود يريدون ابداء اعجابهم الشديد بإحتفال مبهر، او عرس فخم، كانوا يوصفوه بأنه "ولا أفراح الأنجال"! ولكن من هم هؤلاء الأنجال؟ ومتى أقيمت أفراحهم؟ ولما يضرب بها المثل؟ وايضاً..لماذا سمي شارع في حي المنيرة بـ"افراح الأنجال"؟

صيدناوية مصر
رواية الصعود والأفول

اخوان من روم كاثوليك مدينة صيدنايا السورية يأتيان الى مصر فى عصر الخديو اسماعيل، ويؤسسان امبراطرية تجارية بقى اسمها حتى يوم فى مختلف انحاء القطر المصرى.

مزمزيل جاردن سيتي

تمشى فى شارع مبانيه كما وصفت لك وتقرأ "شارع الطلمبات”، مع أنه لا أثر به لمكان يمكن أن يحوى طلمبات، وتحار أين هى "السراى الكبرى” ولماذا بنوا "ورشة التمباك” فى حى سكنى راقى وما علاقة "معمل السكر" بهذه المبانى الأصيلة؟ وسكتشف ان قراءة تاريخ حديقة القصر العالى هى التى ستحل لك طلاسم أسماء شوارع جاردن سيتى.

المجمع.. وأخواته

بعد حرق المجمع العلمى الذى لم يسمع عنه معظم المصريين من قبل، كان لزاماً علينا ان نلقى الضوء على تاريخه واهميته، وعلى بعض من المعاهد العلمية الأخرى المنسية فى مصر.