يتم تصوير الفراعنة دائماً كقادة عظام ومحاربين لا يهابون الموت، ودائمى التعبد للألهة ، لكن الحقيقة قد تكون ابعد كثيراً عما عرفه الناس واعتقدوه. الباحث جارى شو يبحر بنا فى الجانب الإنسانى لفرعون مصر،ويرسم لنا صورة ليوم عادى فى حياة احد فراعنة الدولة الحديثة

كان المصريون القدماء يخافون من النوم لأنهم اعتقدوا ان الإنسان ينتقل اثناء النوم الى عالم اللا وعى بما يحويه من احياء واموات والهة تراقبه احياناً وتتصارع مع بعضها احيانا اخرى. وفى نفس الوقت، يكون جسد الإنسان النائم فى حالة استسلام تام تجعله عرضة لقوى الشرالتى تحاول دخول غرفة النوم لتهاجمه .وفرعون- رغم كونه يجسد السلطة الإلهية على الأرض- لم يكن مستثنى من الشعور بذلك الذعر الليلى الذى يستلزم عدة اجرائات حمائية. فأمنحتب الثالث مثلاً كان يفتح عينيه كل صباح على الإلهة “نخبت” الحارسة والمرسومة على سقف حجرة نومه واذا ما حرك رأسه المستقر فوق مسند الرأس -المحفور علية صورة الإله “بس” اله صد قوى الشر- وفتح عينيه فإنه يرى على جدران الحجرة المزيد من صور الإله “بس” تعلوها رسوم لمفتاح الحياة “عنخ “وعقد “تيت” الحمائية. اما خارج حجرة نومه فكان حارسه الخاص يظل واقفاً متيقظاً طوال الليل لحمايته من اى محاولة اغتيال.  ولأن قوى الشر لا تستطيع اختراق هذا الحيز القوى من الحماية، فإن فرعون كان يطمئن بأنه سيهنأ بنوم هادئ.

سرير خشبي من مقبرة توت عنخ امون

تصوير ساندرو فانيني

وفى الصباح كان امنحتب الثالث يبدأ انشطته اليومية فى قصره بملقطة فى البر الغربى بالأقصر.بالانتقال اولاً من حجرة نومه الى حجرة الملابس الخاصة به حيث يقوم رئيس اسرار قصر الصباح الملكى بالإشراف على طقوس استحمامه وارتدائه ملابسه طبقاً للأعراف السائدة وبمعاونة فريق مختص من المعاونين منهم “حامل المناشف” و حامل رداء الكتان الملكى” و”حامل التيجان وأردية الرأس”.

اذا لم يكن برنامج الفرعون يضم مناسبة رسمية أوطقوس خاصة، فإن الثوب الذى يرتديه لم يكن يختلف كثيراً عن ثياب كبار افراد الحاشية، والمكون من قميص بسيط من الكتان تزينه احياناً بعض الزخارف المنسوجة ووشاح حول الخصر وحذاء مفتوح (صندل). اما فى المناسبات الرسمية والطقوس، فإنه يرتدى ثوباً منسوجاً بشكل اكثر اتقاناً تزينه رسوم لحيونات مقدسة او نباتات او خراطيش. اما التيجان الكبيرة التى كان يلبسها فى المناسبات فإنه يستبدلها فى الأيام العادية بإكليل بسيط من الذهب او الفضة تزينه عند مقدمة الرأس حية الكوبرا.

عندما ينتهى الفرعون من الإستحمام وارتداء ملابسه، يبدأ معاونوه فى تكحيل ورسم عينيه وتدليك جلده بالزيوت العطرية، وبعدها يتوجه لتناول افطاره فى جزء من القصر يسمى “قصر الحياة”.

مرأة من الفضة بيد مصنوعة من الخشب المغلف بورق الذهب، بها رمز الإلهه حتحور. من مقبرة زوجات الملك
تحتمس الثالث.

من مقتنيات متحف المتروبوليتان بنيو يورك.

على الرغم من ان القصر الملكى كان يضم مخابز ومطابخ، إلا ان الطعام الخاص بالملك –وكان يطلق عليه “عنخ نسوت”- كان يتم اعداده فى معبد قريب من القصر، طبقاً لنفس الطقوس التى يتم بها اعداد الطعام المقدم كقرابين للألهة وكان يتولى بعض الخدم -يلقبون بـ “طاهرى الأيدى”- تقديم الطعام والشراب للملك.

وبينما كان فرعون يستعد لبدءمهامه اليومية، كان كبار رجال الحاشية يتوافدون على القصر، فيمرون اولاً عبر البوابة الخارجية، الى الجزء المخصص للشؤون الإدارية والدعم ( بير-نسو) والشبيه بمنطقة القصر الخارجى بقصور العصور الوسطى فى اوروبا. كان هذا الجزء به مكاتب الوزير وكبار موظفى الدولة والأرشيف والمحفوظات، ثم يليه جزء يسمى البيت الكبير واخيراً الجزء السكنى .

داخل البيت الكبير تقع منطقه الصمت التي ما ان يدخلها اى موظف فى البلاط الملكى، حتى يقابله “رائد القصر”، وهو الشخص الذى يتولى الإشراف على البروتوكول والإتيتكيت، والذى يقوم بتنظيم الموظفين فى صفين وفقاً للرتبة، وعندما تحين لحظة الدخول يدعوهم للتقدم بنظام وبالترتيب داخل غرفة العرش، بينما يقومون بالإنحناء بكل احترام لفاتحى الأبواب اثناء مرورهم بها. 

كان مشهد غرفة العرش مهيباً، فى اخرها الأجانب ساجدين، والأعداء مكبلين، يحدقون فى الجميع فى صمت، والعرش موضوع على منصة يتم الوصول اليها عن طريق مجموعتين متقابلتين من السلالم الجانبية، بجوار كل منها عدد من الأسود المدربة التى يتم التحكم فيها حينا وتركها حينا اخر لتنشب انيابها الحادة فى رأس الضحايا من الأعداء الذين لا حول لهم ولا قوة.  كان العرش عبارة عن كشك مذّهب كبير رسمت عليه خراطيش تحمل اسم الملك والقابهو تعلوها عدة صفوف من حيّات الكوبرا.  وداخل الكشك المذّهب كرسى العرش المخصص لجلوس فرعون مصر ابن الإله رع.

عندما يكتمل المشهد بدخول موظفى البلاط وتجمع الحاشية فى غرفة العرش، يدخل فرعون من الجزء الخلفى للقصر –الجزء السكنى- ويمر بهدوء بين الأسود المدربة ويصعد درجات المنصة ليجلس على كرسى العرش فى خطوات وطقوس ترمز لشروق الشمس عند الفجر. و بمجرد جلوس فرعون، يلقى افراد الحاشية بأنفسهم على الأرض ساجدين ورافعين اذرعهم تعبداً واحتراماً له، ثم يعتدلوا فى جلستهم ليبدأ اللقاء الذى يتم فيه اطلاع فرعون على المسائل المهمة والملحة فى شؤون الحكم،فيأخذ كل موظف دوره فى الحديث حسب رتبته بينما ينصت الآخرون فى صمت واحترام، وهو تقليد انتقل تاريخياً الي جميع بلدان العالم فيما بعد.

من الصعب ان نعرف ما كان يتم مناقشته فى تلك اللقاءات اليومية، ولكن النصوص الملكية المصرية تشير الى ان فرعون كان يضع كل القوانين ويقوم افراد حاشيته فقط بتنفيذها.

هناك فقط عدد محدود من المراسيم يحمل توقيع شخصى لفرعون مما يدل انه كان كثيراً مايكتفى بختمها فقط بخاتم مطاطى يحمل اسمه.

كان من حق اى فرد من افراد الشعب التقدم بإلتماس للفرعون يحمل شكوى او مناشدة. إلا ان الوزير كان هو من يتعامل مع الشعب ويفصل فى المنازعات.

كان فرعون لا يحضر المحاكمات على رغم علمه بما يدور فى المحاكم من منازعات، وكان ضرورياً استئذانه قبل توقيع عقوبة الإعدام. خلال اللقاء اليومى ايضاً، كان فرعون يناقش مسألة تعيين الموظفين، وكان يتولى بنفسة تعيين كبار رجال الدولة، وكان يختارهم من النبلاء واحياناً من اصدقاء طفولته.

بعد ارتداء ملابسه، يتوجه الملك الى غرفة الطعام، حيث يقدم له “طاهري الأيدي” الطعام

من مقتنيات المتحف البريطاني

 بعد جلسة العمل الصباحية، يتوجه فرعون الى معبد قريب لأداء بعض الطقوس الدينية (معبد بتاح مثلاً اذا كان يقيم  فى ممفيس او معبد امون فى الكرنك اذا كنا نتحدث عن الأقصر)، ومن الصعب معرفة كيف كان فرعون يزور كل تلك المعابد، فالمشاهد الجدارية تشير الا انه كان يقوم بالطقوس الدينية بنفسه فى كل المعابد فى وقت واحد، وهو الأمر المستحيل بالطبع، فالمعروف ان الكهنة المحليين كانوا ينوبون عنه فى هذه الأمور، وغالباً كان فرعون يؤدى طقوساً تعبدية للإله الخاص بكل مدينة يزورها ومن الجائز قيامه بزيارة عدة معابد اقليمية خلال تنقله فى انحاء البلاد لتقديم القرابين الى الآلهة المحلية.

كان فرعون يشارك فى المهرجانات المرتبطة بالملكية، خاصة مهرجان “اوبت” فى الأقصر الذى كان يقام لتجديد الـ “كا” وتعنى القوة الإلهية للملكية، ومهرجان “سد” الذى يقام بعد مرور 30 عام على جلوس الفرعون على عرش مصر لتأكيد حقه فى الإستمرار فى الحكم.  هذا غير مهرجان “سوكار” وكان من ابرز المناسبات الرسمية التى يحضرها الفرعون.

الزوجة الملكية الأولى كانت تلعب ايضاً دوراً هاماً فى الطقوس، يعادل احياناً دور الملك، وكانت ترافقه فى زياراته للمعابد وتصحبه فى زياراته وتعيش معه بصفة دائمة، عكس زوجاته الأخريات الأقل شأناً، وكن يعشن مع الخدم والوصيفات فى قصور الحريم المنتشرة فى انحاء البلاد، وكن يتحركن فقط فى نطاق تلك القصور والمناطق القريبة منها.

على عكس رعاياه، كان بإستطاعة فرعون ان يتزوج اى عدد يروق له من النساء، حتى اخواته غير الشقيقات، وكان هذا لضمان كثرة الذرية، واستمرار السلالة الحاكمة. فمعدل وفيات الرضع فى جميع انحاء العالم القديم، ومنها مصر، كان مرتفعاً.. ولهذا كان انجاب المزيد من الأبناء يعنى ارتفاع فرصة بقاء احدهم على قيد الحياة حتى سن البلوغ ليجلس على العرش ويرتدى التاج المزدوج لعرش مصر.وكان فرعون كثيراً ما يتزوج من بنات الملوك الأجانب لتوطيد العلاقات الدبلوماسية مع بلادهم.

لم تكن الحياة كلها سياسة وطقوس تعبدية، فالترفية ايضاً كان يمثل جزءا هاماً في حياة فرعون الذى كان يستمتع بممارسة الأنشطة الرياضية كالرماية، حتى ان احد فراعنة الأسرة 18 قد تباهى بمهارته فى اطلاق السهام بقوة جعلته يخترق هدفا من النحاس سمكه ثلاث اصابع. كما تحدى امنحتب الثانى افراد قواته فى مسابقة للرماية، وهى المرة الوحيدة التى سجل فيها لفرعون مثل ذلك التحدى.

شقفة من اكتشاف هوارد كارتر بوادي الملوك، مصور عليها

فرعون من عصر الرعامسة وهو “يصطاد” احد اعداء مصر في هيئة اسد

من مقتنيات متحف المتروبوليتان بنيو يورك.

حظى الصيد ايضاً بشعبية واسعة فى جميع الحقب، فتحتمس الأول والتالث اصطادا الأفيال فى سوريا  اثناء حملتهما العسكرية هناك..الا ان بعض الفراعنة فضلوا قضاء اوقات الترفية والتسلية فى جو اكثر هدوءا، فرمسيس الثالث مثلاً كان يمضى الوقت فى برجه العالى فى مدينة هابو فى لعب الـ “سينيت”، -الشبيهه بالشطرنج- مع حريمه.

البلاط الملكى كان يستعين ايضاً بالأطباء لتوفير الرعاية الصحية للفرعون، ففى عصر الدولة القديمة كان هناك فريق اطباء للقصر يعتنون بصحة الفرعون وموظفى القصر جميعاً. وبحلول عصر الدولة الحديثة اصبح للفرعون فريقه  الطبى الخاص به وحده، طبيب يعتنى بعينيه  وأخر بأسنانه ، وهكذا فى كل التخصصات الأخرى. وكان الأطباء قديماُ يخلطون ما بين العلاجات التقليدية والسحر لمداواة مرضاهم خاصة عندما يشتبهون فى ان الأرواح الشريرة قد تكون هى المتسببة فى المرض.

وعندما نتفحص المومياءت الملكية المنتمية للدولة الحديثة، نرى ان اطباء القصر قد قاموا بعملهم جيداً. ففراعنة تلك الحقبة قليلاً ما عانوا من الأمراض الخطيرة فى زمانهم، ونلاحظ ايضاً عدم وجود ما يسمى بخطوط “هاريس” (خطوط عرضية تظهر فى العظام دليلاً على توقف نموها بسبب سوء التعذية او لمرض فى سن النمو). ومن الحالات المثيرة للإهتمام مومياء احمس الأول الذى كان فيما يبدو ضعيف البنية، وربما لهذا لم يكن مختوناّ، اما مومياء امنحتب الثانى، فتدل على انه كان يعانى التهاباً فى الفقرات جعله يعانى من تيبس فى العمود الفقرى، اما امنحتب الثالث، فكان بديناً، وكان يعانى من خراريج الأسنان، وتوت عنخ امون كان يعانى من الملاريا ،وربما كان رمسيس الخامس هو اقل الفراعنة حظاً من الصحة، فقد عانى من الجدرى ومن فتق اربى، وربما ايضاً من الطاعون الدملي.

كرسى يستخدم للإحتفالات – من مجموهة الملك توت عنخ امون بالمتحف

المصرى

تصوير ساندرو فانيني

عندما يأتى المساء يكون فرعون قد اتم مهامة السياسية والدينية، فكان يقضى امسياته، ربما فى الجلوس مع الملكة، او فى لقاء طبيبه الخاص لفحص حالته الصحية، او ربما كان يمارس بعض الرياضات والألعاب المسلية.

فى المآدب الملكية التى كان يحضرها الفرعون، كان يحيط به كبار الضيوف وافراد العائلة المالكة، وكان المدعوون من الرجال والنساء الغير متزوجين يجلسون منفصلين، اما الأزواج فكانوا يجلسون جنباً الى جنب معاً. ويقوم الخدم على تقديم النبيذو الأطعمة  الشهية التي يتم تشكيلها  احياناً فى قوالب على شكل حيوانات او حلزونات لتسلية الضيوف واثارة اعجابهم. اثناء الطعام،  تقوم  مجموعة من الموسيقيين والراقصين بالترفية عن الضيوف، واحياناً يقوم احد الرواة بسرد سيّر الملوك الراحلين.

وكما هو الحال فى الصباح، كان فرعون فى المآدب يتناول فقط الطعام الذى يتم اعداده له فى المعبد، وكان اذا ما اراد الإحتفاء بأحد الضيوف المهمين  قدم اليه بعض ذلك الطعام الخاص به والملئ بالبركات.

بإنتهاء الحفل، يغادر فرعون ضيوفه عائداً الى غرفة نومه بالجزء الخلفى من القصر، امناً ومطمئناً بأن حراسته الخاصة والسحر سيقومان بحمايته من القوى الشريرة والحاقدة عندما يستسلم للنوم.

وعند استيقاظة، يبدأ الفرعون يومه مرة اخرى كالشمس التى تشرق كل صباح.

 

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٥ ، ٢٠١٣