بقلم كلودين بياتون
تصوير وليد منتصر

بطرازها المعمارى الفريد، الذي لن تجد له مثيلًا فى العالم، تُزيّن الفرندات الخشبية العديد من المبانى فى مدينة بورسعيد. غير أن هذا التراث العتيق يواجه خطر الاندثار نتيجة الزيادة المضطردة لسكان المدينة، والمصحوبة بسوء التخطيط العمرانى وغياب الرقابة على المعايير الجمالية للبناء.

مبنى فيرجينيا ارفانتيوبولوس الذى شيد في عام 1891 ، والواقع بين شارعي الجيش واحمد شوقي

إذا زرت يومًا بورسعيد، وتجولت في شوارعها، فلن تتوقف عن الانبهار بروعة تصاميمها المعمارية وتفردها. ومن أكثر ما يميز تلك العمارة كثرة استخدام الأخشاب، فيتميز عددٌ كبيرٌ من المبانى المكونة من ثلاثة أو أربعة طوابق، والتى يرجع تاريخ بناء معظمها الى مطلع القرن الماضى، بوجود الردهات (صالات الاستقبال) والشرفات (الفرندات) الخشبية الطويلة.  وتتفرد بورسعيد بهذا الطراز المعمارى المميز، فلن ترى له مثيلاً فى أى مدينه مصرية أخرى؛ بل ولا حتى فى أي مدينة أخرى حول العالم.

تُعد الفرندة هي الملمح الرئيسى لهذا الطراز، والذى كان يعرف بطراز “العمارة الاستوائية” نظرًا لتصميمه خصيصاً ليلائم الأجواء الحارة، فيعتمد على إحاطة المبنى بالفرندات الخشبية لحماية واجهته من أشعة الشمس المباشرة.  وقد انتشر هذا الطراز المعمارى بكثافة في مطلع القرن الـتاسع عشر فى كافة المستعمرات الأوروبية حول العالم (خاصة المستعمرات الأسبانية والبرتغالية والفرنسية)، كما انتشر أيضًا، بل واكتسب شعبية كبرى فى المنتجعات الفرنسية؛ ففى عام 1860 كان نابليون الثالث، امبراطور فرنسا، يمتلك سبع شاليهات فى منتجع “فيشى” بجنوب فرنسا، كلها ذات فرندات  خشبية مشابهة لتلك الموجودة بمبانى بور سعيد.  علاوة على ذلك، فقد امتلأت شواطىء ومنتجعات “نورمان” و”الباسك” وغيرها من شواطىء البحر الأبيض المتوسط بعدد لا بأس به من المبانى التى استُخدم فيها الخشب المحفور ببراعة لتشييد الفرندات على غرار مبانى بور سعيد.

إن أهم ما يميز عمارة بورسعيد عن غيرها من البنايات المشابهة، هو ارتفاعها (يتكون المبنى الواحد من ثلاث الى اربع طوابق) وحجمها، فالمبانى المشابهة فى “نيو اورليانز” و”سان لويس” والسنغال و”بونديشيرى” بالهند و”غرب الإنديز” – وتمثل جميعاً أكثر النماذج شهرة- لا تتعدى الطابقين، كما أن رواق الفرندة وأعمدتها مصنوعين من الحديد الزهر وليس الخشب.

والجدير بالذكر هنا، أنه وفى بادىء الأمر، قد تميزت البنايات الخشبية التى شُيّدت عند البرزخ الواقع فى مدخل قناة السويس بالارتفاع البسيط (طابق أو طابقين على الأكثر) كما هو موثق فى الأرشيف الضخم لشركة قناة السويس (تُسمى منذ عام 1956بالهيئة العامة لقناة السويس ) والموجود فى “روبيه” فى فرنسا.

 فى عام 1856، أعلنت شركة قناة السويس عن مناقصة لبناء وتجهيز مساكن لعمال وموظفى الشركة على طول القناة المزمع حفرها بالمنطقة، وفاز بالمشروع العرض الذى تقدمت به شركة فيكتور فريرى (فى فيكامب نورماندى)، وهى شركة تخصصت واشتهرت بالإنشاءات الخشبية. قامت الشركة بتوريد معظم التجهيزات لموقع العمل على طول القناة، وعمدت إلى تشييد بنايات أكثر فخامة لكبار الموظفين، حيث قد قامت مثلًا بتشييد خمسة شاليهات على شاطىء بورسعيد لمديرى شركة قناة السويس، ولم يتبقى من تلك الحقبة سوى الشاليه الخاص بـ”فرديناند دليسبس” والموجود فى مدينة الاسماعيلية.

وقد قامت شركة “فريرى” أيضاً بتوريد وتركيب ردهة الأعمدة الرائعة (البواكى) الممتدة على طول واجهة مبنى مكاتب الهيئة العامة لقناة السويس والواقعة على ترعة الاسماعيلية.   

سلم احد المباني بشارع الجيش

وفي تلك المرحلة المبكرة، تتوافر أيضًا الكثير من المعلومات عن توريد الأخشاب المستخدمة فى بناء الورش والمبانى؛ فشركة قناة السويس كانت تشترى الأخشاب من التجار فى الموانىء الكبرى على البحر الأبيض المتوسط؛ فهناك، على سبيل المثال، مراسلات ترجع لعام 1959 وفيها توجيه الدعوة لشركة  “روفيو أى سى” بمرسيليا (فرنسا) لمناقشة افضل عروض الأسعار المقدمة بخصوص توريد الأخشاب اللازمة لإنشاء رصيف ميناء بور سعيد. وقد تم توريد هذه الأخشاب عن طريق ميناء “تريسي” (الذى كان آنذاك جزءً من الإمبراطورية النمساوية المجرية)، خاصةً أخشاب الصنوبر الواردة من وسط أوروبا، والجدير بالذكر أن بعض الأخشاب جائت من “كرمانيا” (تركيا) عام 1874.

مبنى بتروفبتش

جذب نجاح مشروع قناة السويس منذ ثمانينات القرن التاسع عشر، إلى بور سعيد، عددًا من التجار والمقاولين من اليونان وإيطاليا ومالطا ومن بعض المقاطعات بالإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية؛ فاشتروا، بغرض الاستثمار، قطع أراضي مملوكة للدولة المصرية ولشركة قناة السويس، وأخذوا فى تشييد المباني عليها بغرض تأجيرها كمساكن ومكاتب إدارية لشركاتٍ تعمل فى التجارة والشحن، ومزجوا فى الإنشاءات بين البناء التقليدى والخشبى؛ فأقاموا فرندات خشبية في الواجهات على امتداد المبنى التقليدي كله.

وقد أُنشئت بورسعيد على شريطٍ رمليٍ بين ترعة الاسماعيلية وقناة السويس والبحر المتوسط، مما نتج عنه ندرة الأراضي فى المدينة، وتسببت هذه الندرة فى اللجوء إلى الارتفاع بالمباني حتى ثلاثة وأربعة طوابق، بينما لم يزد علو المبانى فى الإسماعيلية (حيث الأرض اقل سعراً) عن طابقٍ واحدٍ.

ولحُسن الحظ، مازالت بعض النماذج الرائعة لتلك المبانى قائمة حتى اليوم، فهناك مثلًا “المبنى السلافى” والذى بناه على رصيف فلسطين المعمارى السويسرى “ألبرتى” فى ثمانينات القرن التاسع عشر، وهناك أيضًا مبنى “كورونى” الكائن فى شارع رمسيس، وكذلك مبنى “فرجينيا أرفانيتوبولوس” (1891) والواقع على تقاطع ناصية شارع الجيش مع شارع أحمد شوقى، بالإضافة إلى مبانٍ أخرى يُزين كل منها سلم  خشبى غاية فى الروعة، مثل المبنى الواقع بتقاطع ناصية شارع الجيش مع شارع محمد مرسي.

بواكي المبنى السلافي بجانب نبنى لهيطة

وضعت الحكومة المصرية في عام 1889 قوانين للتخطيط العمراني تُلزم ببناء بواكى   على طول الشوارع الرئيسية فى بورسعيد وذلك على غرار شارع “ريفولى” بباريس، فى الوقت الذى قيدت فيه من بناء الفرندات الخشبية، فكان لا يُسمح ببنائها إلا فى الشوارع التى يقل عرضها عن 15 متر. وفى عام 1921 تم حظر تشييد الفرندات الخشبية تماماً بأمر من بلدية بورسعيد، والطريف في الأمر أن المنع جاء بحجة عدم ملائمتها، رغم أن ملائمتها للجو الحار كانت هى الدافع في الأساس لإنشائها وانتشارها بتشجيعٍ من الدولة قبل خمسين عاماً من ذلك التاريخ.

ومازالت تلك الفرندات الخشبية تمثل تراثاً ثقافيًا لبورسعيد، وما جمال زُخْرُفِها وجودة صناعتها إلا دليلاً على براعة ذلك الفنان الذى صنعها والذى لا نعرف عنه الكثير.  وقد يكون قرب بورسعيد من مدينة دمياط، والتي اشتُهرت بالنجارين المهرة، عاملاً مساعداً على وجود ذلك التنوع الكبير فى طرز وتصاميم الأشكال الخشبية لأجزاء الفراندة المختلفة، مثل درابزين الفرندة وأعمدتها وزواياها والستائر الزخرفية التى تعلوه، وكلها نماذج فنية مبهرة نراها بوضوح فى بلكونات الحي الأوروبي والحى العربى.

 ولعل حماس “جمعية حماية تراث بورسعيد”، بأعضائها المحبين لمدينتهم، يساهم فى الحفاظ على المباني الفريدة المتبقية والتى، للأسف، هُدم جزءٌ كبيرٌ منها فى السنوات الأخيرة.  فهذه الجمعية قد نجحت بالفعل فى تحديد  505 مبنىً تراثيًا بالمدينة، وهي الآن بصدد دراسة كيفية الحفاظ على هذه المباني وترميمها.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٣ ، ٢٠١١