بقلم أني جول
ترجمة نوران ابراهيم

تحول دليل إرشادي لمدرسي مادة التدبير المنزلي إلى أشهر كتاب للطهي في مصر خلال القرن العشرين.

تردَّد اسم نظيرة نقولا (1902 – 1992)، والمعروفة باسم أبلة نظيرة، في جنبات البيوت المصرية ابتداءً من النصف الثاني من القرن العشرين؛ حيث اشتُهرت بكتاب الطهي الموسوعي الذي شاركتها تأليفه بهية عثمان، وحاء بعنوان “أصول الطهي: النظري والعملي”، الذي عادةً ما يُشار إليه ببساطة بوصفه “كتاب أبلة نظيرة”.

وقد نشر الكتاب لأول مرة في سنة 1941 في صورة دليل إرشادي لمدرسي مادة التدبير المنزلي المستقبليين، ولكنه حقَّقَ نجاحًا شعبيًّا ساحقًا خلال عقد أو عقديْن من الزمن. وأعيد طبعه عشرات المرات، مع ظهور طبعات وملاحق جديدة له حتى الثمانينيات من القرن الماضي. وسرعان ما أصبح هدية شائعة لأجيال عدة من المصريات حديثات الزواج، حيث قدَّمَ المجلد الذي يمتدّ لألف صفحة تقريبًا أصول المطبخ الأوربي (ناهيكَ عن “البشاميل” وحساء “الكونسوميه”) والأنواع المصرية الأساسية من الكشك الصعيدي إلى الجبن الدمياطي، في لغة عربية بسيطة. وتحمل نسختي التي تعود إلى عام 1953 إهداءً على الغلاف الداخلي من رجل يُدعى “يحيى” يوجهه إلى “رفيقته” وزوجته العزيزة، قائلًا: “إلى شريكة حياتي”.. هكذا كتب “يحيى”، مشيرًا إلى “بيتهما المحبّ الطاهر”.

بحلول السبعينيات من القرن الماضي، كانت كتبها تُكتب “للمرأة العاملة” بصفة خاصة، مؤمنة بإلحاح الحاجة إلى وصفات أبسط وأسرع وأقلّ تفصيلًا من تلك التي تضمنتها كتبها الأقدم.

لم يكن كتاب نظيرة وبهية للطهي، والمبنيّ على خبرات المؤلفتيْن منذ سنوات الدراسة في إنجلترا، هو الأول من نوعه. وحتى دراستهما لم تكن فريدة إلى هذا الحد: إذ عند وصولهما إلى إنجلترا لدراسة التدبير المنزلي في أواخر العشرينيات، كانت السيدات المصريات يدرسن بالفعل المهارات المتقدمة لربات البيوت وتلك الخاصة بالمطبخ في مؤسسات مثل “بيريدج هاوس” في هامبستيد منذ سنوات. وبالرغم من ذلك، وصل كتاب أبلة نظيرة، وأبلة نظيرة نفسها، إلى مستويات غير مسبوقة من الشهرة الشعبية. وبمرور الزمن، أضحت مجازًا وإيفيهًا في الكوميديا المصرية، وأشهر مثال على ذلك هو مسرحية فيصل ندا الكوميدية المتزوجون. غيرَ أن تأثيرها تعدَّى حدود مصر نفسها؛ حيث أخبرتني صديقة سورية من قبلُ أن عمتها لم تزلْ تحتفظ بنسخة من كتب طهي أبلة نظيرة، التي تحمل ذكرى دراستها في مصر الستينيات. وعندما نشرت المجلة النسائية حواء عددًا تذكاريًّا تألَّف من أكثر من 350 صفحة في 2015 احتفالًا بمرور 60 عامًا على تأسيسها، خصَّصت ملحقًا خاصًّا لأبلة نظيرة، ألقى الضوء على إسهاماتها في المجلة وأهميتها التي برزت لا في الطهي المصري فحسب، ولكن أيضًا في الثقافة بشكل عام.

غداء مع الأصدقاء. في اربعينات القرن الماضي

إذن، من كانت أبلة نظيرة بالضبط؟ وكيف أصبحت رمزًا بارزًا على هذا النحو في الثقافة المصرية الحديثة؟

امتهنت نظيرة نقولا التدريس. طَوالَ سنين حياتها، بعد أن تخرجت في “كلية تدريب جلوسترشير للعلوم المنزلية” بإنجلترا في إطار برنامج معدٍّ للمدرسين تحت التدريب، وفي وقت ازداد فيه الطلب على تعليم المرأة، وحيوية تسليحها بمهارات مثل الحياكة والطهي وشئون المنزل العامة، في مصر وإنجلترا على حدٍّ سواء. وكانت “العلوم المنزلية” هي المسمى الذي أطلق على ما نعرفه اليوم بالاقتصاد المنزلي، وغدا محطَّ اهتمام عالمي وإمبريالي بحلول عام 1920. فانطلقت زميلات نظيرة في جلوسترشير ليُدرِّسنَّ، لا في بريطانيا العظمى فحسب، ولكن في المستعمرات البريطانية حول العالم، من جنوب آسيا، إلى غرب إفريقيا، وصولًا إلى أستراليا. وبحلول ذلك الوقت أيضًا، كان المطبخ البريطاني يطمح إلى العالمية التي تمزج بين فنية الطهي الفرنسية والأطعمة الإمبريالية مثل “الكاري” و”الكيدجيري” بشكل متساوٍ. فقد كان الكيدجيري نفسه نسخة من الطبق الهندي “خيتشيدي” الذي هاجر عبر سواحل المحيط الهندي والبحر الأحمر، مرتحلًا إلى البصرة والحجاز وكذلك المناطق الحضرية بمصر حيث تطوَّر إلى الطبق المحبوب الشهير: الكشري. وعندما غادرت نظيرة للدراسة في جلوسترشير، كان الكشري قد أصبح منذ زمن طويل من أشهر الأكلات المصرية. ترى ما الذي جالَ بخاطرها عندما صادفت نسخة منه في أثناء عرض للطهي الإنجليزي إلى جانب “السوفليه” و”الجراتان”؟ لقد وفَّر منهج جلوسترشير لنظيرة نموذجًا ستكرره لاحقًا في كتب الطهي لديها تضمَّنَ: تشكيلة من الأطباق ذات الأصول المتنوعة، المصقولة والمحدثة من خلال التقنية الفرنسية وأحدث تكنولوجيات المطبخ.

وعند عودتها إلى مصر، عملت نظيرة مدرسة، ثم مُدرِّبة للمدرسين بالمعهد العالي للتدبير المنزلي. ولكن دراستها المطبخية استمرَّت هي الأخرى؛ وفي كتاب عمر طاهر “صنايعية مصر: مشاهد من حياة بعض بناة مصر في العصر الحديث”، يُلقِّب عمر طاهر أبلة نظيرة “بصنايعية مطبخ مصر”، ويصف كيف أغرقت نفسها في تعلُّم تفاصيل الأطعمة المصرية وبعض الأطعمة الشرق أوسطية بلا كللٍ؛ بعد أن أمضتْ أوقاتًا طويلة في المخابز والمطاعم المحلية من أجل صقل خبراتها. على نحو ما نلمسه في الوصفات العديدة التي حفلتْ بها كتب الطهي التي وضعتها، وتُعدُّ مرجعًا في البشاميل كما في البقلاوة.

“كتاب أبلة نظيرة” كان هدية أساسية لكل عروس مصرية.

تصوير كريس ب، إهداء من نبيلة عبد الرحمن درويش.

وفي الفترة الممتدَّة ما بين 1941 و1952، كتبت نظيرة أو شاركت في تأليف ما لا يقلُّ عن ستة كتب دراسية، وفي 1958، أصبحت مسئولة عن المواد النسوية في وزارة التعليم. وفي 1973، كرَّمتها الدولة على جهودها في حقل التعليم ومنحتها ميدالية تذكارية بمناسبة مرور مائة عام على تعليم الفتيات في مصر (منذ افتتاح أول مدرسة حكومية للفتيات في 1873).

وظلَّ حجر الأساس لفلسفة نظيرة المطبخية ثابتًا لا يتزحزح على مدار تاريخها الطويل: الطهي هو أهمُّ الفنون المنزلية، وهو مهارة حيوية للمرأة العصرية، ومن أساسيات سعادة الأسرة والأمة. ولكن كان نجاحها وشهرتها على الأرجح نتيجة أيضًا لقدرتها على التأقلم. فأعمالها المكتوبة، مثلًا، تعكس التحولات الاجتماعية والسياسية التي ظهرت في مصر على مرِّ حياتها: إذ بحلول السبعينيات من القرن الماضي، كانت كتبها تُكتب “للمرأة العاملة” بصفة خاصة، مؤمنة بإلحاح الحاجة إلى وصفات أبسط وأسرع وأقلّ تفصيلًا من تلك التي تضمنتها كتبها الأقدم.

لكن، ربما كان العنصر الأكثر إسهامًا في ترسيخ مكانة نظيرة في الثقافة المصرية هو عملها بالإذاعة المصرية بدءًا من الأربعينيات؛ حيث تطوَّرت نظيرة نقولا، المؤلفة والمعلمة القديرة إلى مصدر للخبرة الأكثر ألفة واعتيادًا: المحبوبة أبلة نظيرة (جدير بالذكر أن كلمة” أبلة” هي كلمة تركية، تُستخدم في مصر لقبًا للسيدات الأكبر سنًّا). وترسم إحدى مقالات الأهرام المنشورة في 1965 احتفالًا بمرور خمسة وعشرين عامًا على بداية رحلة نظيرة نقولا، لوحة إنسانية لهذه المرأة الرمز؛ حيث تصف انطباعات الصحفي عن نظيرة، لا في المكتب، ولكن في المنزل، بما أغدقته على ضيوفها من كعك وقهوة. وأشار المقال إليها بوصفها “أبلة نظيرة نقولا”، وهو اسم الشهرة المحبَّب والمناسب لأيقونة وطنية تُعزى شهرتها بالتساوي إلى كلٍّ من كتبها الدراسية وشخصيتها الإذاعية، وللجاتوه الفرنسي وللأطعمة البيتي المصرية، فغدت صوت السلطة وصوت الشعب في آنٍ.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩