تحظى مؤسسة الأهرام الصحفية بواحدة من أهم المجموعات الفنية التي تؤرخ للحركة التشكيلية في مصر. لوحات وقطع نحتية وجداريات تروي الكثير عن الواقع المعاصر، دون إطناب أو ثرثرة، خارج إطار المتاحف العامة.

“الجغرافيا تاريخ متحرك، والتاريخ جغرافيا ساكنة”، هكذا كان يؤكد دوما العالم المصري الفذ جمال حمدان، صاحب كتاب “شخصية مصر”. ومن هذا المنطلق يمكننا النظر للزمن والمكان كوعاء واحد يحوي الأحداث ويحميها في متون الذاكرة الموثقة، فللحدث دوما أبطاله، وفي مصر الحديثة صار أيضا للتوثيق أبطاله الذين يجارون الحدث بالتسجيل والتوثيق، و من بين هؤلاء جريدة الأهرام التي أخذت على عاتقها مسؤولية تسجيل الأحداث المختلفة التي مرت على البلاد بطرق ووسائل عدة، مكتوبة أو مرئية.

و إيمانا منها بأهمية الذاكرة البصرية و بأن التوثيق يجب أن يتعدى الحدث السياسي ليشمل جميع مناحي الحياة، حرصت مؤسسة الأهرام الصحفية على حماية الإبداع المطلق و أقتنت على مر السنوات مجموعة من اللوحات و أعمال الفن التشكيلي التي أصبحت من أهم المجموعات غير المتحفية التي تؤرخ للفن المصري الحديث.

بدأت مؤسسة الأهرام في اقتناء الأعمال الفنية المتنوعة لرواد الفن المصري الحديث منذ ستينيات القرن الماضي،ففي أعقاب نكسة 1967 اهتم المصريون بمحو آثار الهزيمة من خلال الفن، ما أثرى الحياة الثقافية بشكل أو بآخر. و في ظل هذا المناخ حرصت الأهرام على اقتناء أعمال الفنانين التشكيليين المتميزين، بل و كلفت بعضا منهم بعمل جداريات في أماكن مفتوحة داخل مبنى الصحيفة الجديد وقتها، و هو ذات المقر الحالي بشارع الجلاء، بوسط القاهرة. تبني هذا المشروع رئيس مجلس الإدارة آنذاك الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل وسانده الكاتب المرموق  توفيق الحكيم الذي تولي الاتصال بالفنانين و النقاد، و بمرور الزمن تكونت مجموعة الأهرام الحالية التي تضم أكثر من ٨٥٠ قطعة فنية لكبار التشكيليين أمثال محمود سعيد وراغب عياد وسيف و أدهم وانلي وكامل مصطفي ورمسيس يونان وإنجى أفلاطون وجاذبية سرى وجمال السجينى و تحية حليم و أحمد عبدالوهاب وآدم حنين وصبرى راغب وصلاح طاهر وعمر النجدى وجورج بهجورى ومصطفي الرزاز وحلمي التوني، وغيرهم. كما ضمت هذه المجموعة أعمالا لرسامين اشتغلوا  في المؤسسة نفسها، مثل  صلاح جاهين وناجى كامل ومكرم حنين، و اتسعت لكل أنواع الفن التشكيلي و تفريعاته من النحت إلى الجداريات مرورا بالتصوير. وفي مطلع التسعينيات، مع افتتاح ملحق لمبنى الأهرام، تحديدا سنة 1992، قررت إدارة المؤسسة تدعيمه بالأعمال الفنية أسوة بموجات الاقتناء السابقة، فتم شراء مجموعة أخرى من الأعمال، ثم تكرر الشيء نفسه عام 2004 مع افتتاح المبنى الثالث، الملحق بالمبنيين السابقين.

لم يرتبط اقتناء الأعمال وتوثيقها فقط بالتوسع المعماري والإنشائي للمؤسسة، ولكن ارتبط بظروف عدة كان لتوافر السيولة المادية فيها دورا محوريا. و في السنوات الأخيرة قررت إدارة الأهرام إعادة تكريس الصورة الذهنية لدورها الثقافي، فأولت مجموعاتها الفنية أهمية كبيرة و نوعت العمل داخل قسم المقتنيات بها، ليشمل أعمال الترميم و التوثيق و التخزين، تحت إشراف نخبة من أبرز المرممين و المتخصصين. كذلك تم تقديم مشروع لإعادة الاقتناء ولزيادة عدد الأعمال الفنية القيمة التي يجب أن تكون في حوزة مؤسسة عريقة كالأهرام. و ثالث نقطة حرص عليها قسم المقتنيات كانت مشروع متحف مفتوح للعامة، وجاري العمل حاليا على اختيار أنسب الأماكن لإقامته. و في انتظار عرض الأعمال الفنية متحفيا، تم تأسيس قاعة لعرض اللوحات، داخل مقر الأهرام، تحديدا بالمبنى الحديث، بغرض استضافة أنشطة فنية و تشكيلية متنوعة، سواء مصرية أو عربية أو دولية. وكانت باكورة هذه الأنشطة المرتقبة هو معرض “ذاكرة الأهرام التشكيلية” الذي أقيم فى شهر أبريل  الماضي، وستتوالى بعدها المعارض بالشكل الذي يليق بقيمة الأعمال الفنية وقيمة المؤسسة. 

محمود سعيد ، ذات العيون العسلية، 1943، زيت على خشب، 87 × 57 سم
تعتبر هذه اللوحة هي الأهم ضمن مجموعة الأهرام. عالج محمود سعيد هذا العمل بطريقته الخاصة حيث جمع ما بين طبقات المجتمع فنرى هنا هذه الفتاة (بنت بلد) تجلس كما تجلس سيدات المجتمع الراقي، وجمع أيضاً ما بين شمال مصر وجنوبها فإذا تأملنا وجه السيدة القادمة من الجنوب سنرى مزج ببعض ملامح سيدات بحري (الشمال). فهي معبرة عن جغرافيا البلاد والمجتمع بطبقاته.

حامد عبد الله، تكوين تجريدي،1969، أكريليك على كرتون، 86 سم × 66 سم
إمتزج أسلوبه الفني ما بين الحرفية والفطرة والرسوم البدائية المستلهمة من جداريات النوبة ورسوم الأطفال واهتم بتصوير ملامس الأسطح الإيهامية التي تشبه المعادن المؤكسدة، وقد إبتكر لنفسه مجموعة لونية شديدة الخصوصية. في هذه اللوحة إستخدم عبد الله بإختزال شديد صورة شخصان بضربات فرشاة عريضة مشبعة بالعديد من درجات اللون مستخدماً تقنية تؤدي إلى هذه التشققات.

جورج صباغ، مقياس النيل،1941، فحم على ورق، 124 × 104 سم
يعتبر هذا العمل هو الأقدم من بين مجموعة المؤسسة، صور صباغ في هذا العمل العمال المصريين في أثناء العمل في مقياس النيل وهذا العمل موثق بختم مرسم صباغ.

إنجي أفلاطون، جمع المحصول،1968، زيت على خشب، 71 × 51 سم
شاركت أفلاطون بقوة في الحركة الثقافية والسياسية والفنية منذ أوائل الأربعينيات وكان لها بعض المواقف السياسية والتي قضت بسببها فترة في السجن وإهتمت بتسجيل حياة المرأة المصرية وكفاحها من أجل الحياة بداية من سجن النساء وحتى مشاهد الفلاحات المصريات.

سيف وانلي، عشاء في المرسم، 1965، زيت على خشب، 88 x 77 سم
في هذا العمل دعى وانلي أصدقائه الفنانين بعد إنتهاء بينالي الإسكندرية إلى مرسمه لإعلان زواجه على إحسان مختار ونرى على سيف وانلي فى المنتصف حاملاّ زجاجة، وحوله مجموعة من الأصدقاء بينهم جمال السجيني وبدر الدين أبو غازي الناقد الشهير ووزير الثقافة، وكامل مصطفى عميد كلية الفنون الجميلة بالإسكندرية وصلاح طاهر وحامد عويس وعبد الله جوهر وكمال الملاخ ويوسف كامل مصطفى. تقف احسان مختار فى اقصى يمين اللوحة.

صلاح طاهر، تكوين تجريدي، 1972، زيت على توال، 120 × 90 سم
تخرج من المدرسة العليا للفنون عام 1934، تدرج في الوظائف حتى أصبح مديراً للفنون الجميلة والمتاحف 1961 ومديراً لدار الأوبرا 1962 ومستشاراً فنياً لمؤسسة الأهرام وحاز على جائزة الدولة التقديرية ومبارك للفنون. لصلاح طاهر تطور واضح فى الأسلوب من الأكاديمي إلى التشخيصي ثم التجريدي الخالص. وله أكثر من 70 عمل بمجموعة مؤسسة الأهرام ويطلق على هذه اللوحة أحياناً اسم الحج لأن بها فرق من الناس تطوف حول بؤرة.

تحية حليم، النور، زيت وورق ذهب على توال، 150 سم
تتلمذت على يد العديد من الفنانين أهمهم زوجها حامد عبد الله ولحليم مراحل متعددة في مشوارها الفني إهتمت بموضوعات كالأمومة والمناظر الطبيعية والطبيعة الصامتة ونلاحظ إيحاءات النوبة والفن القبطي واضحة.

نحميا سعد، العودة من الحقل، زيت على توال، 123 × 84 سم

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٨ ، ٢٠١٦