بقلم مي التلمساني
ترجمة نسمة جبر

رغم عدم استمرارها، كانت المؤسسة المصرية العامة للسينما، بما أنتجته من أعمال هامة، مثالاً لأهمية دور الدولة في دعم السينما الغير تجارية.

أنتج القطاع العام السينمائي في مصر 153 فيلما ما بين أعوام 1963 و1971، مثلت حوالي 30% من إجمالي الإنتاج السينمائي المصري على مدار ثماني سنوات، حين كانت الدولة المصرية تدعم وتساند صناعة السينما من خلال أجهزة القطاع العام، وعلى الرغم من تراجع أداء هذه الأجهزة إلا أن مستوى الأفلام التي انتجتها يظل إلى اليوم شاهدا على نجاح التجربة.

بعد انكسار نظام عبد الناصر عقب هزيمة 1967، انسحبت الدولة رويداً رويداً من رعاية الإنتاج السينمائي، ومع ذلك أصبحت الأفلام التي أنتجتها الدولة في تلك الفترة من علامات وكلاسيكيات السينما المصرية، نذكر منها أفلاما فارقة مثل “المومياء”، الأرض، “شيء من الخوف”، “خان الخليلي”، “قنديل أم هاشم”، “ظلال على الجانب الآخر”، “غروب وشروق”، “سيد درويش”، “الجبل”، “ميرامار”، “البوسطجي”، “القضية 68″، “الحرام” على سبيل المثال لا الحصر. تلك الأفلام الشهيرة التي لا تنسى والتي انتجت ما بين عامي 1960 و1970 تمثل اليوم حوالي ثلث قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية، وقد فاز بعضها بجوائز دولية ومثلت مصر في مهرجانات سينمائية في كان وبرلين وموسكو وفينيسا، أما البعض الآخر فقد سقط في بئر النسيان إلى أن تم إعادة اكتشافه لاحقاً وبعد سنوات عدة من خلال القنوات الفضائية واليوتيوب.

أثارت تجربة القطاع العام في مصر جدلاً كبيراً حول طموحات وسياسات واخفاقات الدولة في الفترة الناصرية. فالنقاد والمؤرخون السينمائيون وصناع السينما والمثقفون وصانعو القرار والمسئولون إما احتفوا بتلك التجربة أو هاجموها، كل حسب معتقده السياسي ووجهة نظره ومدى تأييده أو خلافه مع نظام عبد الناصر ككل.

لقطات من فيلم “ليلة حصاد السنين”، الذي اشتهر باسم “المومياء” (1969)، رائعة المخرج شادي عبد السلام.

لم تحظ هذه التجربة الفكرية بالكثير من النجاح التجاري، لكنها تعتبر من قمم الأعمال السينمائية المصرية. تدور أحداث الفيلم في صعيد مصر عام 1871، حول عائلة تعيش على نهب المقابر القديمة. وعندما يموت أحد الأخوة، يتصاعد الصراع بين أبنائه وأعمامهم إلى أن يُقتل الابن الأكبر. ورداً على ذلك، يقود الابن الأصغر السلطات إلى مخبأ الآثار الخفي. تناول الفيلم موضوعاً غير شائع ويظل مثالاً نادراً على العمل الفني الذي يتناول أزمة الهوية المعقدة لدى المصريين، فهم ممزقون بين ماضٍ فرعوني وحاضر عربي إسلامي وغواية الغرب العلماني.

ارشيف حسين بكر

إن إحياء النقاش اليوم حول دور الدولة في مجال صناعة السينما الذي اقتصر اليوم على الرقابة وتحصيل الضرائب، وبالنظر إلى مستوى الإنتاج السينمائي المصري الراهن والذي يحتاج إلى مساندة وتشجيع سواء من خلال انتاج القطاع العام أو الخاص، يطرح قضية السينما البديلة من جديد للتعبير السينمائي.

من المعروف أن إنتاج السينما البديلة يعد شكلاً من أشكال مقاومة سيطرة الدولة من جانب ومواجهة الروح التجارية السائدة في مجال الإنتاج السينمائي من جانب آخر. إلا أن الحالة المصرية – وهي مفارقة عجيبة – كانت عكس تلك القاعدة. فحتى عام 1960 وبعدها بقليل سادت في مصر – أو “هوليود الشرق” كما كانت تسمى – موجة من الإنتاج السينمائي التجاري الجماهيري مما لم يترك مجالاً لنمو وازدهار أشكال أخرى من التعبير السينمائي.

من المعروف أن إنتاج السينما البديلة يعد شكلاً من أشكال مقاومة سيطرة الدولة… إلا أن الحالة المصرية – وهي مفارقة عجيبة – كانت عكس تلك القاعدة.

في الستينيات، بينما تعاون القطاعان العام والخاص في إنتاج بعضاً من أهم وأشهر الأفلام السينمائية المصرية إلى اليوم، إلا أن تجربة إنتاج القطاع العام السينمائي لمواجهة الأفلام التجارية السائدة تعتبر غير موثقة ولم تلق الاهتمام الكافي، حتى أن البعض قد يدعى أن تدخل الدولة قد أعطى قبلة الحياة لصناعة السينما المريضة في مصر والتي كانت تخضع لضرائب عالية وغالباً ما كانت تعتمد على القروض البنكية.

في يوليو 1957 أنشأ عبد الناصر مؤسسة دعم السينما التي أصبحت من عام 1963 المؤسسة المصرية العامة للسينما، والتي تحولت أهدافها من دعم السينما بشكل غير واضح المعالم إلى إنتاج الأفلام وتوزيعها.

مرت المؤسسة بمراحل متعددة خلال تاريخها القصير الذي أصبح فيه القطاع العام غير كفء إدارياً بسبب العمالة الزائدة وتراكم الديون والارتباك الإداري وغياب التخطيط، وعلاوة على ذلك فإن إنتاج القطاع العام من الأفلام التجارية (التي يطلق عليها الفئة “ب “) لم يرق إلى ما كان يُطمح إليه. وفى نهاية الأمر وبعد مرور ثماني سنوات أصبح القطاع العام المصري في قلب صراع دائر (علناً أو خفية) بين سياسة الكم وسياسة الكيف والجودة ممثلة في وزارة الثقافة (التي ترأسها الدكتور عبد القادر حاتم 1962 – 1966 والدكتور ثروت عكاشة 1958 – 1962 و1966-1971).

لقطة من فيلم “مراتي مدير عام” (1966).

يعد هذا الفيلم، الذي قامت ببطولته شادية مع صلاح ذو الفقار، نموذجاً لأفلام تلك الفترة التي تميزت بالقالب الخفيف والموضوعات المجتمعية التقدمية. وهو يتناول التحيز المتأصل في المجتمع ضد السيدات العاملات، من خلال قصة مهندس حكومي وجد فجأة أن زوجته قد تم تعيينها رئيساً للقسم الذي يعمل به بعد أن حصلت على درجة الماجستير. وبعد أن اتفق الزوجان على ألا يعرف أحد في العمل العلاقة بينهما، تجد بطلتنا شادية نفسها محور العديد من المواقف الكوميدية بينما تكافح من أجل إقناع مرؤوسيها بأن المرأة يمكن أن تكون مديرة كفؤة. غير أن الموقف الغريب يؤول إلى ذروته عندما تجد نفسها مجبرة على توبيخ زوجها أمام زملائه بعد أن عارض نفوذ سلطتها. وبغية إنقاذ زواجهما، تطلب نقلها إلى مكان آخر على الرغم من نجاحها في العمل. ولكن تماشياً مع الإيقاع الخفيف المرح للفيلم، تكون النهاية السعيدة الإيجابية، حيث يدرك ذو الفقار قيمة العمل الذي تقوم به زوجته ويعلن بفخر أمام الجميع أنها زوجته.

ارشيف حسين بكر

وعلى الرغم من تلك المشاكل وغيرها كانت أفلام القطاع الخاص قادرة على التغلب على معضلة الرغبة في تحقيق أرباح من ناحية والرغبة في عدم خسارة الجمهور العريض بسبب تقديم أعمال درامية جادة من ناحية أخرى، فجاء إنتاج عدد كبير من الأفلام ناجحاً اقتصادياً وجمالياً وجماهيرياً في نفس الوقت، وتناولت تلك الأفلام موضوعات كان معظم المنتجين بالقطاع الخاص قد حكموا عليها بأنها صعبة أو جادة أو خاصة بالمثقفين، بعض تلك الأفلام كان خفيفاً ولكن شديد التقدمية مثل فيلم مراتي مدير عام، والبعض الآخر تجريبياً لا يستهدف جذب الجمهور العريض مثل فيلم “المومياء”، وفيما بينهما أفلام عديدة ساهمت في تشكيل شخصية الطبقة المتوسطة والذاكرة الجمعية للمصريين عموماً.

كذلك أيضاً تحققت الولاية الفكرية والتربوية للقطاع العام من خلال أشكال أخرى من الثقافة الراقية، فمثلاً تم الاعتماد بشكل واسع على الأعمال الأدبية كمصدر لقصص الأفلام التي ينتجها القطاع العام، فهناك 68 فيلما من إنتاج القطاع العام اقتبست أعمالاً أدبية لأدباء كبار مثل نجيب محفوظ، يحيى حقي، احسان عبد القدوس، يوسف أدري، فتحي غانم، صلاح حافظ، على سالم، ولطفي الخولى (أنظر: على أبو شادي – مجلة “فن” – 1992).

تجدر الإشارة هنا إلى أن هناك جيلين من المخرجين تعاونا مع القطاع العام هما جيل الأربعينيات والخمسينيات الذي بدأ العمل السينمائي قبل تأسيس القطاع، وجيل الستينيات الذي تربى في حضن المؤسسة وتحت رعايتها. يمثل الجيل الأول صلاح أبو سيف، وهنري بركات، وتوفيق صالح، وكمال الشيخ، وفطين عبد الوهاب، ويوسف شاهين وغيرهم. أما الجيل الثاني فيمثله حسين كمال، وعاطف سالم، وشادي عبدالسلام … وقد وضع الجيلان أنفسهما في مواجهة مع السينما التجارية ونظروا إلى الانتاج السينمائي للقطاع العام كفرصة للتغلب على المعايير المادية التي تفرضها عليهم شركات الإنتاج الخاصة، وتناولوا عدداً من القضايا الاجتماعية الهامة التي تندرج في سياق مقاومة الظلم والقمع من خلال رفض الفساد والبيروقراطية والدعوة لإعطاء المرأة حقوقها وانتقاد وسيطرة القوى الاستعمارية قبل ثورة 1952 (كما نرى في أفلام مثل الأرض – غروب وشروق – القاهرة 30 – يوميات نائب في الأرياف – الزوجة الثانية …) وكذلك في عصر ما بعد ثورة 1952 (كما نرى في أفلام المتمردون، “ميرامار”، شيء من الخوف…). وفى سياق تعزيز فكرة المقاومة احتل الريف مكانة بارزة من إنتاج أفلام القطاع العام بعد أن تم تجاهله إلى حد كبير من قبل القطاع الخاص أو تناوله من منطلق فلكلوري سطحي من قبل مخرجي الثلاثينيات والأربعينيات المنتمين للطبقة البورجوازية أمثال محمد كريم.

لقطات من فيلم “شيء من الخوف” (1969).

بقي الريف المصري، حتى ستينيات القرن العشرين، محل تجاهل من صناعة السينما في القطاع الخاص أو تم تصويره على خلفية رومانسية فلكلورية من قبل صانعي الأفلام البورجوازيين في الثلاثينيات والأربعينيات. واختار المخرج حسين كمال، أبرز مخرجي الستينيات، أن يكون الريف مسرحاً لفيلمين من أهم أفلامه: “البوسطجي” (1968) و”شيء من الخوف”، الذي تعمد انتقاد الهيمنة الذكورية والعنف ضد المرأة.

اهداء محمد صادق

كان حسين كمال، وهو من أبرز مخرجي الستينيات، قد أختار الريف كموضوع لاثنين من أهم أفلامه: ““البوسطجي”” (1968)، و”شيء من الخوف” (1969) والذي ينتقد من خلالهما العنف ضد المرأة والهيمنة الذكورية. وثمة أفلاماً عظيمة مثل “الأرض”،”الحرام”، “يوميات نائب في الأرياف”، “الزوجة الثانية”، دارت أحداثها في الريف، حيث تم تسليط الضوء على الصراع بين ملاك الأرض والفلاحين، واستنكار وشجب الفقر والجهل والمرض والظلم والخرافات.

بينما تناولت أعمال سينمائية عديدة أخرى بعد هزيمة 1967 موضوعات عن الطبقة المثقفة المصرية وتفاعلاتها والحياة في المدينة.

فقد ركزت أفلام أخرى من وجهة نظر تجريبية على دور المثقف والهواجس والأفكار المسبقة المرتبطة بالعلاقة بين الرجل والمرأة مثل أفلام: ““المومياء”” (شادي عبد السلام 1975) – و”زوجتى والكلب” (سعيد مرزوق 1971) – “التلاقي” (صبحي شفيق 1977).

والبعض الآخر مثل: “المتمردون” (توفيق صالح، 1968)، ““ميرامار”” (كمال الشيخ، 1969) ربط بين الفساد في الدولة متمثلا في شباب متعلمين منتمين للطبقة الوسطى، وبين القهر الاجتماعي والجنسي للمرأة في الحضر، واستهدفت أيضاً نماذجاً من المثقفين والمسئولين الفشلة المحبطين وسخر منهم العديد من صناع السينما كشكل من أشكال مقاومة الخطاب الرسمي للدولة عن التحديث والتقدم. فذلك المدرس الجبان في فيلم الأرض (يوسف شاهين 1970)، والقاضي المعدوم الضمير في “يوميات نائب في الأرياف” (توفيق صالح، 1969)، والمحامي الذي يتسبب في فشل قضية الناس في “القضية 68” (صلاح أبو سيف، 1968) ما هي إلا نماذج لانحطاط الطبقة المتوسطة ودليل على ارتفاع الوعي السياسي والاجتماعي عند صناع السينما رغم الرقابة الصارمة على الأفلام.

ولعل النقد الموجه إلى اخفاقات حقبة الستينيات لم يكن نقدا حادا، إلا أنه بالتأكيد كان ملحوظا ومكررا.. فنحن لم نزال نشير لتلك الحقبة بوصفها حقبة (الستينيات المجيدة) نظرا لعظمة الإنتاج الثقافي من جهة وتخفيف الرقابة عليه من جهة أخرى بحيث سمحت لبعض الكتاب وصناع السينما والإعلاميين بالتنفيس عن غضبهم بدلاً من إسكات كل صوت معارض.

هذا التقرير الموجز عن أفلام القطاع العام العظيمة ما هو إلا دعوة للتفكير في تاريخ السنيما الذي شهد إنتاج الأفلام ودعمها والترويج لها من قبل دولة تقدمية كشكل من أشكال السينما البديلة، وربما تاهت الأفلام المتميزة في خضم بحر من الأفلام التجارية والسطحية من إنتاج بعض الشركات الخاصة التي لم تمنح الإنتاج المستقل إلا دعماً محدوداً

صحيح أن الأعمال السينمائية التجارية اجتاحت ليس فقط السوق المصرية وإنما الاسواق العربية بشكل عام، وصحيح أيضاً أن الدولة على مدى الـ 40 عاماً الماضية قد قررت أن يقتصر دورها في تلك الصناعة على الرقابة وتحصيل المزيد من الضرائب. لكن سنوات الستينيات المجيدة – على الرغم من أوجه القصور فيها – من شأنها أن توفر خارطة طريق مثيرة للاهتمام في المستقبل.. هذا في حال ما إذا أصبح القرار في يد عشاق السينما وصناعها وليس في يد حفنة من الموظفين والرقباء وأصحاب الياقات البيضاء.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٩ ،

الأكثر قراءة

سنوات البوتقة في تاريخ السينما المصرية
(٥٢-١٩٤٥)

شهدت السينما المصرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مرحلة غير مسبوقة من النضج والتطور الفكري على يد جيل من المخرجين الذين سيكون لهم شأن كبير فيما بعد

أرشيف الفيلم المصري
حكاية إهمال.. مثابرة.. وشغف

جولة في أرشيف السينما المصرية، الذي يكاد لا يكون موجوداً، تصحبنا فيها مسؤولة أرشيف "“سيماتك”"؛ مركز الفيلم البديل بوسط القاهرة، ومساحة تحتفي بتنوع وجمال وقوة الأفلام المحلية والعالمية.

رواية لم تكتمل
الأفلام التسجيلية المصرية في الفترة من 1912 إلى 1980

مشروع قومي تأثر بالأجواء والتوجهات السياسية ولم يحظ بالنجاح المطلوب رغم دعم الدولة له.

الرقص والراقصات في السينما المصرية

على الرغم من صعوبة تقبل المجتمع لمهنة الراقصين، ألا ان هذا المجتمع نفسه مولع بالرقص والإستعراض حتى ان الفيلم الذي يخلو منهما غالباً ما يفشل جماهيرياً

آفاق جديدة

تدين السينما المصرية بالكثير لمخرجين طموحين تمردوا على قاعدة "الجمهور عاوز كده"


Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qpixweb4/public_html/rawi-magazine.com/wp-content/themes/qpix/single-articles.php on line 1015