بقلم سليمة إكرام
ترجمة نوران ابراهيم

من الأطعمة الشهية الي النبيذ المتدفق، كانت المأدب المصرية مشهداً حقاً.

الطعام: لا غنى عنه في الحياة اليومية، ولكنه أيضًا أحد عناصر تعريف الثقافة، ويعد واحدًا من العوامل الرئيسية لأي احتفال، سواء كان دينيًا أو دنيويًا. كانت الولائم في مصر القديمة تقام للاحتفال بالمناسبات، كالميلاد والزواج والطقوس الانتقالية والترقي والعودة للديار والمغادرة والموت، وأيضًا في الأعياد الدينية، مع قوائم من الأطعمة الأكثر بذخًا وفي بعض الأحيان تخصصًا لتلك الأعياد. كما استخدم الملك الولائم لجمع أفراد الحاشية والدبلوماسيين، ولخطب ود الجماهير عن طريق إطعام الآلاف. على الرغم من عدم وجود كلمة باللغة المصرية القديمة تترجم بوضوح إلى كلمة “وليمة” (الكلمة الأقرب في اللغة المصرية هي “حِبي”، وتعني إقامة وليمة أو احتفالية، حيث تترجم “حِب” إلى احتفال أو وليمة)، فكثيرًا ما صُورت الولائم على جدران المقابر، كما وُضحت قواعد الضيافة للضيف (وللمضيف) في نصوص تسمى بأدب الحكمة.

في مشاهد الولائم، يظهر الضيوف الكرام في أزيائهم الفاخرة تزينهم الشعور المستعارة والمجوهرات، حيث يرحب بهم المضيف ومن ثم يجلسون. يأتي الخدم لصب الماء المعطر للضيوف لغسل أيديهم، ويهدونهم العطور وقراطيس البخور المعطرة ليرتدونها على رؤوسهم حتى تطيب رائحتهم (أو لإبعاد الحشرات، وفقًا لنوع العطر بداخل القرطاس). وقد يكللون أعناق الضيوف أو يهدونهم أزهار اللوتس زكية الرائحة.

كان الناس يمسكون بزهرة اللوتس/ الزنبقة الزرقاء (Nymphaea caerulea) أو يرتدونها، أو يستخدمونها لتزيين الجرار والطاولات، حيث كانت تتفتح بالنهار، وتنغلق عند غروب الشمس، ومن ثم أضحت رمزًا للميلاد الثاني والبعث المرتبطين بالشمس. إذا ما كانت هذه الأزهار متفتحة فعلًا أثناء الوليمة، فلابد وأن تكون الاحتفالات قد بدأت أثناء منتصف النهار، واستمرت من وقتئذ. أما إذا كانت الاحتفالات دينية، فأحيانًا ما كانت تستمر لأيام!

كانت المأدب تشمل وجبات غنية من المعجنات، والفواكه واللحوم والدواجن والخضروات والمشروبات.

قائمة طعام: جزء من جدارية في قبر نيبامون تمثل "قرابين جنائزية" الدولة الحديثة، الأسرة 18، حوالي 1352-1390 ق.م.

 بعد جلوس الضيوف، يبدأ الطعام في الظهور. كان أهم الحضور يجلسون على المقاعد، وفي مواجهتهم الطاولات التي يتكدس عليها الطعام. كلما قلت مكانة الضيف، انعكس الأمر على نوع مقعده والطاولة وكمية المواد الغذائية وتنوعها، بحيث يجلس أقل الضيوف أهمية على الحُصُر.

ولكن بالنسبة للجميع، كان الطعام وافرًا: كانت الثيران تُحمر بأكملها، إلى جانب البط والإوز والحمام وطيور أخرى متنوعة (لم تعرف مصر القديمة الدجاج). أحيانًا ما كان السمك يُقدم أيضًا في الولائم، مشويًا أو مسلوقًا أو محمرًا، ولكن نادرًا ما كان يحدث ذلك الأمر، لأن السمك كان يعتبر طعامًا يوميًا عاديًا لا يليق بالطبيعة الخاصة للولائم. وعلى الرغم من أن الخنازير كانت تؤكل بالفعل، إلا أنها كانت تعتبر أقل مكانة من اللحم، ولم تظهر في الولائم. كانت يخنة اللحم والخضراوات تطهى بالإضافة إلى خبز أنواع مختلفة من الخبز، مصحوبة بوفير الثمر من الخضراوات والفواكه الطازجة. كما كان يجري تقديم الكعك والحلويات التي تستخدم فيها التمور والعسل للتحلية. اكتُشف نقش لوصفة نوع خاص من الكعك/ الخبز على جدار مقبرة الوزير رخمير في الأقصر؛ تتكون بشكل أساسي من دقيق حب العزيز. وبالنسبة للأعياد الدينية، فكان يتم خبز الكعك والخبز بأشكال خاصة على هيئة مثلثات أو دوائر أو شبه منحرف، ربما باستخدام مكونات معينة، بنفس الطريقة التي يصنع بها الكحك والحلويات الأخرى اليوم في الأعياد والمواسم الخاصة. حتى أن المصريين شكلوا بعض أنواع الخبز والبسكويت على هيئة حيوانات أو بشر.

كما كانت الولائم تزخر بالمشروبات الكحولية، وبالتحديد في المناسبات الملكية المصممة لكسب الدعم الشعبي. كانت أصناف النبيذ الأحمر والأبيض المصنوع من العنب أو التمر (مثل نبيذ التمر التاريخي الخاص بواحة سيوة) والجعة أو الشده (شراب الرمان المخمر)، تقدم في أوانٍ فخارية تزين الكثير منها براعم اللوتس. كما كان يتم طحن ثمار شجر الدوم، ومن ثم تُغلى وتُحلى بالعسل وتقدم في صورة مشروب، كما هو الحال اليوم. وعلى الرغم من أن أدب الحكمة قد نهى عن الإسراف، تظهر المشاهد المنقوشة على جدران المقابر بوضوح رجالًا ونساءً في حالة من الغثيان أو حتى الإغماء، مما يستدعي حملهم إلى الخارج بعد إفراطهم في تناول الشراب!

كان مرتادو الحفلات يستمتعون بمخالطة بعضهم البعض، وأيضًا بمشاهدة المؤدين الذين كانوا يحيون الولائم. كانت الموسيقى نوعًا شائعًا من أنواع الترفيه، مصحوبة بغناء الموسيقيين والموسيقيات وعزفهم على آلات القيثار والعود والطبلة والرق والصاجات. كانت الأغاني في معظمها تتسم بالابتهاج والمرح، وربما كان بعضها يبتهل للربة حتحور إلهة الحب والسعادة والكحول والثمالة والموسيقى والرقص، ذات الصلة الوثيقة بالاحتفالات. كانت بعض الأغاني أكثر جدية، مذكرة الضيوف بطبيعة الحياة الزائلة، ولكن في الوقت ذاته تحثهم على اغتنام اليوم وعيشه لآخر مدى. ومما لا شك فيه أن رسالة الاستمتاع بالحياة كانت تبرز عن طريق التمتع بالعروض الراقصة، التي تؤديها الراقصات على الأغلب، بحيث يقدمن من خلالها توليفات أكروباتية منمقة للتسرية عن الضيوف. ومن هنا تتجلى دراية المصريين القدماء التامة بكيفية إقامة الحفلات الجميلة والاستمتاع بالحياة.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩