رغم الزخم الذي شهده تاريخ النقد الفني في مصر منذ بدايات القرن العشرين، إلا أن الفن التشكيلي لم يحظ إلى وقتنا هذا بالاهتمام الذي يسمح له بتحقيق قاعدة جماهيرية أو بمواكبة الزيادة في عدد قاعات العرض.

شهد القرن التاسع عشر البدايات الحقيقية لتعرف المجتمع المصري على الفنون التشكيلية الحديثة. وربما كانت كتابات الطهطاوي عن المتاحف في باريس هي أول كتابة عربية في مصر عن هذا المجال، لكن ميلاد الحركة النقدية تواكب مع بزوغ المعارض الفنية في أواخر القرن التاسع عشر، فقد كانت تلك المعارض التي بدأت تقام في القاهرة، منذ العقد الأخير من القرن التاسع عشر، دافعًا لبدء الكتابة النقدية، إذ أقيم أول معرض فني عام 1891 بصالة الأوبرا الخديوية، وكانت هذه المعارض السنوية تنظمها الجماعة الفنية التي عرفت باسم  Cercle artistique وهى أول جماعة فنية في مصر، وقد نظمت صالونات سنوية منذ تأسيسها واستمرت هذه الصالونات حتى العقد الأول من القرن العشرين.

 كانت مجلة “المقتطف” ثم مجلة “الهلال الشهري” من أوائل المطبوعات التي اهتمت بالنقد الفني، فقد نشر سليم أفندي حداد مقالا نقديا حول معرض فن تشكيلي في مارس 1897 بمجلة “المقتطف” في عددها الشهري، تعرض فيه لأعمال عدد من الفنانين الأجانب وأيضاً لأعمال الأمير محمد علي توفيق، والأمير سعيد حليم، ونيكولا فورشيلا، وفرانس زافير كوسلر. كما ألقي الفنانالأرميني يرفاند دمرجيان محاضرة عن الفن عام 1899، تناولتها جريدتي “جورنال دوكير” و”لوبروجريه اجيبسيان”، اللتان كانتا تصدران بالفرنسية.

 ومع مطلع القرن العشرين أخذ الإحساس بالفن يتغلغل في المجتمع، من خلال كتابات بعض المفكرين عن الفنون الغربية؛ فنجد قاسم أمين يكتب عن انبهاره بروائع الفنون في متحف اللوفر، ويكتب أحمد لطفي السيد في الجريدة ناقدًا عزوف المصريين عن الاهتمام بالفنون الجميلة.

وفي مرحلة ما بعد ثورة 1919، دخلت الفنون التشكيلية ونقدها ووصف روائعها في مجال التعبير الأدبي، فقد شارك عدد من رجال الفكر والأدب في تأسيس الكتابة المصرية الأولى في مجال النقد الفني، منهم ابراهيم المازني وعباس العقاد ومحمد حسين هيكل ومي زيادة ومحمود عزمي وسلامة موسى وعبد الرحمن صدقي وغيرهم.

صفحتين متقابلتين من عدد مجلة ايماج يرجع لعام 1929، تغطى فيهما المجلة فعاليات صالون جماعة الخيال التى تأسست بمبادرة من الفنانين روجية بريفال ومحمود مختار. .

حدد المازني في “حصاد الهشيم”، على سبيل المثال، رسالة فن التصوير تحديدًا ماينطوي على نظرة خاصة وفهم، حين كتب تعليقًا على أول معرض للصور، موضحاً: “إن إثبات الصورة ليس عملًا فنيًا، وإنما تصبح كذلك إذا كان الإثبات بحيث يبرز صفة الشيئ، ويؤكد مميزاته وينفث فيه روحًا أو بعبارة أخرى لا يكون الرسم فنيًا إلا إذا ظهر فيه عنصر الجمال والترتيب والتأليف”.

 وتبنى هيكل في نقده الفني الدعوة إلى المصرية في الفن، وناقش هذه القضية في مقال له عام 1927 بمناسبة معرض لجماعة الخيال.

احمد راسم (1895-1958) الكاتب والشاعر والناقد الفنى الأشهر فى مصر. كان يطلق عليه ايضاً “المحافظ الشاعر”، تقلد راسم عدة مناصب حكومية عليا، منها محافظ السويس، ومدير هيئة تنشيط السياحة. نشر راسم العديد من الكتب حول نظرية الفن والنقد، وكتب بغزارة فى اصدارات فرنسية وعربية.

المركز الفرنسى للبحوث السكندرىة

كذلك اهتم العقاد بالفنون الجميلة اهتمامًا كبيرًا في كتاباته، ونظر للعمل الفني منطلقاً من خلفية فلسفية وجمالية محددة، وقدم أمثلة تطبيقية للتدليل على رؤيته، فقد جمع العقاد بين الكتابة النظرية في الفن والنقد التطبيقي للمعارض ولبعض الأعمال الفنية، وظهرت رؤية العقاد النقدية في عديد من مقالاته وكتبه منذ عشرينيات القرن الماضي، لعل أهمها كتابيه “المطالعات” و”مراجعات في الفن والأدب”.

وخلال الفترة نفسها، أي مطلع العشرينيات،أفردت مي زيادة مساحة لنقد المعارض الفنية في عدد من مقالاتها، حاولت أن تؤصل فيها لرؤيتها للفنون الجميلة ودورها في المجتمع.

لكن هناك اثنين من الكتاب الذين تحولوا بشكل أساسي إلى مجال النقد الفني وأثروا فيه وأثروه. الأول هو أحمد راسم الذي بدأ الكتابة في الفلسفة سنة 1921، ثم تحول إلى الأدب، قبل أن يتجه لتقديم مجموعة من الفنانين المصريين الأوائل وبعض الفنانين الأجانب، في كتابه “الظلال”، وأعقبه بمجموعة من المؤلفات عن محمود سعيد وإيمي نمر وجورج صباغ، فضلًا عن كتابه “نحو فن مصري”، كما حاول في كتاباته المتعددة أن يُعّرف بالاتجاهات الفنية الحديثة، فكان بذلك رائدًا مؤسسًا في مجال النقد الفني.

أما الثاني فهو بشر فارس الذي قدم كتاباته في النقد الفني بلغة أدبية مميزة، ولعب دورًا مهمًا في تعريب اصطلاحات الفنون الحديثة، كما اتجه إلى دراسة مدارس التصوير العربي دراسة علمية مدققة، وقد كان بشر فارس مشرفًا على الشعبة القومية للجمعية الدولية لنقاد الفن التي تشتت برحيله.

هذا وقد بدأت صحف “الأهرام” و”المقطم” و”السياسية الأسبوعية” و”البلاغ” و”الشباب” في الاهتمام بمتابعة الحركة الفنية المصرية الحديثة، وفي يوليو عام 1924 صدرت مجلة “الفنون”، وهي مطبوعة نصف شهرية، لكنها توقفت في سبتمبر من العام نفسه، وبدأت الصحافة الأسبوعية في الكتابة عن الفن منذ العدد الأول من مجلة “روزر اليوسف” في أكتوبر 1925.

شهدت هذه المرحلة ايضاً تأسيس صالون القاهرة للفنون الذي أخذت جمعية محبي الفنون الجميلة على عاتقها عبء تنظيمه منذ عام 1924، وكان هذا الصالون السنوي ساحة لتطور حركة النقد التشكيلي في مصر منذ تأسيسه، وقد أختص الحركة الفنية بالدراسة بعض كبار كتاب مصر ومفكريها وصحفييها من خلال متابعتهم لتطور معروضات الصالون، فكان توفيق حبيب، الذي عرف باسم “الصحفي العجوز”، من رواد رجال الصحافة الذين كتبوا عن معارض الفن الأولى وتابعوا تطورها لسنوات، كتب مثلا في مجلة “المقتطف” حول صالون جمعية محبي الفنون الجميلة سنة 1928 ، وكان له من حين لآخر باب يومي في جريدة “الأهرام” بعنوان “علي هامش الهامش”،. وشاركه في الكتابة النقدية الكاتب الصحفي أحمد الصاوي محمد، بمتابعاته في جريدة الأهرام، وكذلك حبيب جاماتي.

جبرائيل بقطر (1910-1970)، صحفى وناقد فنى. كان بقطر محرر مجلة ايماج التى كانت تصدرها دار الهلال باللغة الفرنسية كل اسبوعين. كما انه سبق جورج حنين كمحرر لمجلة “ان ايفور” والتى كانت تصدرها جماعة “الإسييست” (المحاولون).

المركز الفرنسى للبحوث السكندرىة

كما تصدى للنقد الفني نقاد متخصصون من الأجانب المقيمين في مصر، كان من أبرزهم جون موسكاتيللي الذي بدأ سنة 1929 في نشر موضوعات بمجلات “الشرق” و”لاسيمين اجيبسيان” و”لوبروجريه” بالفرنسية، كذلك هو الحال بالنسبة لإتييان ميريل الذي كتب عن صالون القاهرة سنة 1932 في مجلة “لاسيمين” بالفرنسية، وبعد الحرب العالمية الثانية كتب بانتظام في ” لوبروجريه”،. وكتب أيضا روبرت بلوم في “جرنال دي ايجيبت”، وهناك كذلك شارل بوجلان وموريك برين والكونت فيليب دارشوت، وديمتري دياكوميديس، وجوان سينتس، كما شاركهم نقاد مصريون كتبوا بالفرنسية مثل جبرائيل بقطر الذي كان محرراً فنياً في جريدة “لابورص اجيبسيان”، ثم ناقداً فنياً في مجلة “إيماج”.

 وفي الفترة نفسها بدأ الاهتمام بكتابة تاريخ الفن باللغة العربية، وبرز اسم محمود فؤاد مرابط الذي كتب في تاريخ الفن، وكان يطبع كتبه على هيئة ملازم متفرقة لتخفيض نفقات الطبع وثمن البيع، وإليه يرجع الفضل في تدريس تاريخ الفن في معاهد الفنون، كما كان من أوائل من خاضوا تجربة وضع مصطلحات عربية مقابل المصطلحات الأجنبية في مجال الفنون، وربما يكون أول من استخدم مصطلح الفنون التشكيلية بديلًا عن مصطلح الفنون الجميلة.

 كذلك اهتم عدد من أساتذة الفنون والمهتمين بها بالتأريخ للفن وقدموا دراسات عدة، منهم محمد يوسف همام وأحمد أحمد يوسف ومحمد عزت مصطفى، وحامد سعيد الذي بدأ في أوائل الأربعينات كتابة تأملاته في الفن وعلاقته بالتراث.

في أغلب الأحيان كانت الكتابة الفنية تقتصر على وصف المعارض واللوحات بمواضيعها وألوانها، لكن في عشرينيات القرن الماضي وعلى صفحات مجلة “السياسة”، كانت أولى معارك النقد الفني الحقيقية…

  كما حرص بعض الفنانين على نشر مقالات نقدية بهذا الصدد، من بينهم إبراهيم جابر، وشعبان زكي، وأحمد موسي، عبد السلام الشريف، ومحمد محمود عبد الرحمن، وكتب صدقي الجباخنجي بشكل منتظم في مجلة “الهلال” عام 1933 ، وجريدة “الجهاد”، و”كوكب الشرق” و”البلاغ”، بل وأصدر مجلة “صوت الفنان” عام 1950،وهي أول مجلة شهرية متخصصة في الفنون الجميلة ، لكنها توقفت عام 1953.

مجلة صوت الفنان لصاحبها محمد صدقي الجبخانجي، اول مجلة مختصة بالفن الجميل -ذات شهرة- تصدر في مصر – سنة 1950

 وكان للجماعات الفنية دورًا أساسيًا في تطور حركة النقد الفني، بداية من جماعة الخيال، التي أسسها المثال محمود مختار سنة 1927، وضمت نخبة من الأدباء والأصدقاء كالعقاد والمازني وهيكل ومي زيادة.

 ثم تشكلت جماعة “الإسايست” )المحاولون) عام 1933، والتى ارتبط اسمها بمجلة “أن أيفور” (اجتهاد) باللغة الفرنسية، لكن سرعان ما تفرق أعضاؤها مع بدايات الحرب العالمية الثانية. كما كان لجماعة “الفن والحرية” دوراً هاماً في حركة النقد الفني، وذلك من خلال كتابات مؤسسيها: كامل التلمساني، وفؤاد كامل، ورمسيس يونان، وجورج حنين، الذين أصدروا مجلة “التطور” ذات التوجه السيريالي، لتجمع بين الكتابة في الأدب والفنون. أما جماعة “الفن المعاصر”، فقد قامت على أكتاف عدد من النقاد المحترفين منهم فيليب دارشوط، وايميه ازار، وإتييان ميريل.

 وفي العام 1939، أصدر أستاذ الهندسة، الدكتور سيد كريم، مجلة “العمارة”، ونشر بين ضفتيها مقالات في النقد الفني، بل خصص أعداداً عن الفنون الجميلة، حررها رشدي إسكندر ، ومحمد حماد، وأحمد راسم.

ايمى آزار (جالس)، احد اهم نقاد ومؤرخى الفن المصرى الحديث، الف كتاب “الرسم الحديث فى مصر” (القاهرة، 1961) ، مع حسين يوسف امين، الرسام ومعلم الفن الذى اسس جماعة الفن المعاصر فى الأربعينيات.

مجموعة يوسف بك ميشاكا

 وفي أربيعينات القرن المنصرم ، ظهر عدد من النقاد الجدد المنتمين لأجيال مختلفة، الذين احترفوا الكتابة النقدية بشكل منتظم، وقد ارتبط ظهورهم بوجود صفحات فنية متخصصة في عدد من الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية والشهرية، وعلى هذا النحو نشأت أبوابًا ثابتة للنقد التشكيلي، كان من أبرز كتابها كمال الملاخ الذي اشتهر لسنوات طويلة كمسؤول عن الصفحة الأخيرة لجريدة الأهرام اليومية، كذلك أصبح رمسيس يونان كاتبًا رئيسيًا من كتاب الهلال حتى وفاته في منتصف الستينيات. وبزغ أيضا بدر الدين أبو غازي، الذي قدم نفسه من خلال مجلة “الفصول” التي كان يشرف على إصدارها محمد زكي عبد القادر، ثم انتقل في مطلع الخمسينيات للكتابة في “روزاليوسف” و”الأخبار”، ثم في مجلة “الهلال”، وفي مجلة “المجلة” التي كان يرأس تحريرها الكاتب يحيى حقي في الستينيات، ثم انضم إليهم على مدى سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات الفنان حسين بيكار بعد انتقاله للعمل الصحفي، وحسن عثمان الذي أشرف على الصفحة الفنية في جريدة “المساء” لسنوات طويلة، وصبحي الشاروني ومحمد شفيق ومصطفى إبراهيم مصطفى وفاروق بسيوني ونعيم عطية وجمال قطب وكمال الجويلي ومختار العطار وعز الدين نجيب ومحمود بقشيش.

معارك نقدية

 في أغلب الأحيان كانت الكتابة الفنية تقتصر على وصف المعارض واللوحات بمواضيعها وألوانها، لكن في عشرينيات القرن الماضي وعلى صفحات مجلة “السياسة”، كانت أولى معارك النقد الفني التشكيلي الحقيقية، حين صب المازني سهام غضبه  على الفتاة التي تقف إلى جانب أبو الهول بتمثال “نهضة مصر”، ناصحا النحات محمود مختار أن يكتفى بأبي الهول ليرمز إلى النهضة، لأن وقفة الفتاة لا تعجبه.  ورأى المازني أنه كان من الأفضل لو ظل أبو الهول رابضًا كعادته والفتاة حاسرة إلى جواره، فرد عليه مختار، قائلا: إن أبا الهول رمز إلى الماضي الفرعونى المجيد،  ورمز المستقبل القريب هي الفتاة، حين ترفع مصر عنها الستر الكثيف الذى كان يحجبها عن أمم الارض خلال آلاف السنين ،وأصابعها التى وضعتها بخفة على كتف أب الهول، إنما. تدل على تتابع الحلقات وارتباط الحاضر بالماضى،  هذه هي الأمة المصرية بحضارتها المجيدة “. ورغم هذا الجدال، لم تتأثر صداقة  مختار بالمازنى، بل تشاركا معاً بعدها فى أنشطة فنية مختلفة من بينها تكوين جماعة “الخيال” سنة 1927.

 كامل التلمساني دفاعاً عن السريالية فى مصر: “ ليست ذات صبغة محلية فرنسية، بل عالمية التفكير والأداء (...) لذا انتشرت في كل من انجلترا والمكسيك وبلجيكا والولايات المتحدة وهولاندا، إلخ. هل ترى إذاً يا سيدي أنه من العيب أن تتأثر بعض أعمال التصوير المصرية بمثل هذه المدرسة؟! 

كما خاض العقاد مثلما المازني معارك نقدية، منها معركتيه حول تمثال النهضة في نموذجه الأول، وتمثالي سعد زغلول في القاهرة والإسكندرية، كذلك معاركه في مواجهة الاتجاهات الجديدة في الفن والتي استمرت تظهر في كتاباته لسنوات طويلة.

 ومن المعارك النقدية المهمة أيضاً، كان الجدال الذى قام على صفحات مجلة “الرسالة” فى العام 1939 بين أعضاء حركة “الفن والحرية” وأحد معارضيها، حين شن الكاتب نصرى عطا الله سوس الهجوم عليهم قائلاً: «إن الجماعة التي تسمي باسم الفن والحرية لا تفهم الحرية إلا علي أنها فوضى لا ضابط لها ولا قانون، كما إن مسايرة الفن الأوروبي في تخبطاته الأخيرة ليست حرية، بحال من الأحوال بل هي عبودية عمياء». وعلق عطالله سوس أيضا حول بيان جماعة الفن والحرية الذي جاء بعنوان “يحيا الفن المنحط” ( كان ذلك عقب تدمير هتلر للكثير من لوحات الفن المعاصر ووصفه لها بـ”الفن المنحط”)، ووجه سوس كلامه إلى الفنان فؤاد كامل، قائلا: «إنني أؤكد بكل قواي أن رسومه هي بالفعل فن منحط»، مما حث أخوه أنور كامل على الرد مدافعاً.

ثم جاء رد كامل التلمساني، أحد أعضاء جماعة “الفن والحرية” على فكرة “مسايرة الفن الأوروبى” بوصفه “عبودية عمياء” والهجوم على أندريه بريتون، ملهم حركة “الفن والحرية” ومؤسس مذهب السيريالية،  فى العدد ـ321 من مجلة “الرسالة”، مؤكدا: ” السيريالية ليست حركة فرنسية محضة،كما يقول الأستاذ، بل هي حركة أولى مميزاتها أنها عالمية التفكير والأداء، وليست ذات صبغة محلية (…) وعلى هذا، فقد نشأت حركة مماثلة في كل من انجلترا والمكسيك وبلجيكا والولايات المتحدة وهولاندا الخ. هل ترى إذاً يا سيدي أنه من العيب أن تتأثر بعض أعمال التصوير المصرية بمثل هذه المدرسة؟!”

من القضايا النقدية التي أثيرت بقوة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ثلاث قضايا: قضية الفن بين التراث والمعاصرة، وقضية الفن بين التشخيص والتجريد، وقضية الفن ومطالب المجتمع.

بدر الدين ابو غازى (1920-1983) الناقد الفنى ووزير الثقافة فى الفترة 1970-1971 (فى الوسط) مع حسين بيكار (1913-2002) الفنان والصحفى والناقد الفنى (يسار) فى احد المعارض الفنية لبيكار. الصورة ترجع تقريباً لعام 1979 واخذت على الأرجح خلال فترة رئاسة ابو غازى لجماعة محبى الفنون الجميلة فى الفترة 1972-1983.

مجموعة عماد ابو غازى

ورغم عدم وجود قاعدة شعبية كبيرة من قراء النقد الفنى، لعب النقاد دوراً كبيراً فى تشكيل مسار حياة بعض الفنانين. يشير مثلا ياسر منجى فى كتابه عن برنارد رايس إلى الجزء الذي أورده الأخير حول نحميا سعد الذي ينتمي إلى الجيل الثاني من الرواد الذى التحق بمدرسة الفنون الجميلة العليا عام ١٩٢٨ وتخرج منها عام1933. يروي رايس كيف نجح نحميا سعد في إثبات ذاته عندما أرسل إلى معرض باريس عام 1937 وتم اختياره لرسم اللوحات المعلقة على واجهة القسم المصرى هناك (18 لوحة تمتد على أكثر من ثلاثين مترا و تعبر عن الحياة المصرية). نال ناحميا سعد الجائزة الذهبية فى المعرض، بالإضافة إلى إشادة النقاد  الفرنسيين بمستوى الأعمال، بينما تجاهلته الصحف المصرية، مشيدة فقط بمشاركة محمد ناجى في المعرض نفسه، غالباً لمجاملته بصفته مدير مدرسة الفنون الجميله العليا آنذاك. وقد كتب الفنان حسين بيكار وقتها: “لم يكن حرمانه (نحميا) نتيجة خمول أو قصور خيال أو ضعف فى الإنتاج، بل كان  نتيجة  حسد يقاسيه  كل فنان  بارع،   وكان سيء  الحظ، لأن أحد حساده كان يتحكم  فى مصيره،  ولو قلنا إن القضاء على هذا الفنان  كان سياسة مرسومة  لما أعوزنا الدليل..  فكم من مرة  لمعت الأمانى فى عينى  نحميا  فوعد بالسفر فى بعثات إلى باريس وروما ويظل الشهور الطوال  وهو يترقب أوراقه   وهى تنتقل من يد إلى يد  فإذا هى سراب  خادع.” وكان   نتيجة هذا الاضطهاد أن عاش نحميا سعد حياة شديدة الفقر إلى حد الجوع والعوز،  حتى كانت النهاية فى الثامن من ابريل١٩٤٥  فى عنبر متواضع  بمصحة بحلوان كان يعالج فيها من  مرض السل.

رغم تزايد قاعات العرض فى الأعوام الأخيرة وزيادة نشاط الحركة التشكيلية بمصر، فمازال النقد الفنى يفتقد القاعده الشعبية التى تسمح بازدهاره. ويبقى السؤال: لماذا لم يحقق الفن التشكيلى المصرى القاعده الشعبية المناسبة؟ هل يرجع السبب للفنانين أنفسهم؟ أم بسبب النقاد والكتاب والقائمين على الصحف؟

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٨ ، ٢٠١٦