بقلم هالة بركات
ترجمة نوران ابراهيم

لآلاف السنين، كان الخبز ولم يزل أهم أنواع الطعام في مصر، والاسم الدارج له حتى اليوم هو "العيش"، أي الحياة.

ترجع معرفتنا بصنع الخبز في مصر إلى حوالي 5800 عامٍ، مستندين في ذلك إلى ما نجده على المواقع الأثرية لعصور ما قبل الأسرات من شواهد. كان الخبز وقتها يُصنع من الإيمر، وهو فصيلة قديمة من القمح منخفض الغلوتين؛ مما صعَّب من تشكيل الأرغفة بشكل متجانس؛ نظرًا إلى ما يمنحه الغلوتين من مرونة لعجينة الخبز. وكانت الحبوب تُطحن يدويًّا بعد جهد كبير، والدقيق ُيمزج بالماء ويُترك ليتخمَّر، وجرى التعرُّف على جزيئات بكتيريا حمض اللبنيك والخميرة الطبيعية في عينات الخبز القديم. وقد ربط الخبراء هذا الخبز القديم بالخبز الشمسي المعاصر (الذي تُخمِّره الشمس)؛ حيث تُستخدم الخميرة الطبيعية لكي تصير الأرغفة ذات لبابة هشَّة ورائحة مميَّزة وشهيَّة. كما ربطوا بين هذا الخبز القديم وخبز العجين المخمَّر الذي نعرفه ونلمسه اليوم، وعثر على خبز مصنوع من دقيق الشعير أو الحمص. غير أن التحليل العلمي كشف عن بعض المكونات المهمة الأخرى أيضًا مثل: حشوات من معجون التين للخبز الشبيه بالكعك، وبذور الكزبرة المضافة إلى الأرغفة المكتشفة في مقبرة الملك توت عنخ آمون، علاوة على خبز مصنوع من النبق. 

سلة مسطحة ومستديرة من جريد النخل المجدول، عليها رغيفان من الخبز غير المتخمِّر. إحدى قطع الخبز عليها آثار يد مطبوعة على ناحيتي الرغيف، تعودعلى الأرجح إلى لخباز. عثر عليها في أحد مواقع الدولة الحديثة في طيبة.

أمناء المتحف البريطاني.

وتُقدِّم لنا الرسوم والنقوش في المقابر والمعابد دلائل عديدة على إنتاج الخبز، على نحو ما نجده، مثلًا، في مشاهد مقبرة “تي” التي تنتمي إلى الدولة القديمة بسقارة. وكيف كان القمح يُطحن ليتحوَّل إلى دقيق خشن، ثم يُخلط العجين في قوالب ذات أشكال متعددة، ويُترك ليرتفع، ومن ثَمَّ يُوضع على صَوانٍ ليُخبز في أفران من الطوب الطيني. كما كانت طقوس المقابر تحفل بصورٍ عديدة لقرابين الخبز من مختلف الأشكال والأحجام.

وتتراوح البقايا الأثرية المتعلِّقة بالخبز في مصر القديمة بين هون ورحى وقوالب للخبز وأفران وقواعد للحجر (وهي هياكل مبنية تُشبه الكتل ترفع الرحى من على الأرض لتُتيحَ وضعًا أكثر راحة للشخص المنحني فوقها ليُحوِّل الحبوب إلى دقيق). فقد كانت هذه الهياكل والأدوات الأثرية دليلًا لا غنى عنه على إعادة عملية البناء التجريبية لعملية الخبز؛ لسدِّ الفجوات التي تركها السجل الفني. مستكملين ذلك بمراقبة ممارسات الخبز الحديثة في القرى المصرية؛ مما ساعد على فهم بعض الخطوات التي لم تزل مستخدمة إلى يومنا هذا.

توجهات متطورة

تُظهر الدلائل المتوفِّرة على المواقع والمقابر اليونانية الرومانية والرومانية أنه بحلول القرن الأول الميلادي، كانت الأقماح القاسية (القمح الطري والقمح القاسي) تُزرع بدلًا من قمح الإيمر. وتخبرنا أوراق البردي المكتوبة باللغة اليونانية عن تشكيلة متنوعة من أنواع الدقيق المعروفة والمستخدمة، شاملة الدقيق الأبيض البسيط (آليورون)، والد

قيق شديد النقاء (سيميداليس)، والدقيق الناعم (جايرس)، وغيرها. وبحلول ذلك الوقت، لم يعد الخبز أحد عناصر القرابين الباقية في المقابر؛ لذا لا يتوفر لدينا الكثير عنه لنتعرَّفَ على أنواعه السائدة في تلك الفترة. ولكن، على الرغم من ذلك، لدينا العديد من قوائم الحصص الغذائية أو مبادلات الحبوب والدقيق وأرغفة الخبز.

ذكرت النصوص حوالي أربعة عشر نوعًا من الخبز والكعك في الدولة القديمة وأربعين نوعًا في المملكة الحديثة. ولكن خواصَّها المميزة، مثل المكونات والأشكال والملمس غير موضَّحة. ومن ضمن الشواهد الأثرية المتبقية التي توفر مادة أكثر مباشرة أرغفة الخبز نفسها، التي استُخرج معظمها من مقابر كانت تقدَّم بداخلها قرابين للمتوفَّى، ولكن بعضها أيضًا عثر عليه عند التنقيب في المستوطنات. وتبقت المئات من تلك الأرغفة وتستكمل التمثيلات الفنية توضيح أشكال هذه الأرغفة التي كانت وقتئذ. متعددة، تشمل الأقراص الأسطوانية والكتل المستطيلة والمخروطات والمثلثات والأشكال الحيوانية والبشرية. كما أن الأرغفة المتبقية لا تقدر بقيمة فيما يتعلق بإظهارها كيفية الخبز؛ حيث إن بعضها توجد به آثار حرق تدل على مكانها في الفرن سواء كانت أقرب إلى النار أو موضوعة على رفٍّ بداخله.

رغيف خبز، الدولة الحديثة، ح. 1492 – 1473 ق.م. من طيبة، شيخ عبد القرنة، مقبرة حات-نفر ورعموس. متحف المتروبوليتان.

غير أنه مع ظهور كتب الطهي، بدأنا في الاطلاع على المزيد من الأدلة على استهلاك الطعام في أثناء الحكم العربي. ولكن، حتى وقتئذ، لا يوجد سوى القليل من الإشارات إلى أنواع الخبز العادية ووصفاتها. ويسرد كتاب الطهي المعروف باسم “كنز الفوائد في تنويع الموائد” الذي ينتمي إلى القرن الرابع عشر، أنواعًا عدة من المخبوزات في الفصل المكرَّس لعجن الخبز وخبزه، ولكنه يذكر نوعيْن فحسب من الخبز: الخبز المطيَّب بالحليب، وخبز الأبازير (وهو خبز مصنوع من بذور السمسم والفستق واللوز). ولكن في مقدمة النسخة الإنجليزية، تُلاحظ المترجمة نوال نصر الله أن المفردات الدالة على أنواع الدقيق المختلفة التي استُخدمت لصنع الخبز في مصر في أثناء القرن الرابع عشر تعكس تنوُّع البلاد، وتتضمن دقيق السميد من المنطقة الشرقية والسميد من المنطقة الغربية.

(الأعلى) رجل يطحن الحبوب باستخدام مِدق، بينما يعمل رجل آخر كتل العجين. ويمكن رؤية رجل ثالث يصبُّ العجين المتخمِّر في جرار مستديرة تغطى بسدادات طينية سوداء.  (الأسفل) طحانتان تطحنان الحبوب المجروشة إلى دقيق. ويمكن رؤية رجل يشكِّل العجين (لاحظ أن يديْه يغطيهما الدقيق!)، بينما يراقب رجل آخر فرنًا أسود وفي يده مسعار.  بالإضافة إلى مشاهد المقابر، وفَّرت لنا السياقات الجنائزية أيضًا تماثيلَ صغيرة ونماذج تظهر الأنشطة المتصلة بالخبز. ووضعت تماثيل الخدم الخشبية في الدولة القديمة في المقابر لتوفِّر للمتوفَّى الرفاهيات الدنيوية في الحياة الأخرى، وعادةً ما تمثِّل الخبازين وهم يمزجون العجين أو يطحنون الحبوب أو يجلسون أمام النار في انتظار اكتمال خبز الأرغفة. وقد طُوِّرت النماذج فيما بعد لتتضمن أكثر من شكل واحد في أثناء العمل. حيث تُظهر النماذج شديدة التنميق التي تعود إلى الدولة الوسطى (ح. 2030 – 1660 ق.م.)، من مقبرة مكت رع في الدير البحري على الضفة الغربية للأقصر مخبزًا ومخمرة معًا بكثير من التفصيل. ويُعدُّ هذا التمثيل شائقًا بصفة خاصة؛ حيث إنه يوضِّح الصلة الوثيقة بين إنتاج كلٍّ من الخبز والجعة؛ نظرًا إلى أن الخبز كان يستخدم عادةً في صنع الجعة.

نموذج خشبي لمخبز ومَخْمَرَة من مقبرة رئيس الخدم الملكيين مكت رع، الضفة الغربية لطيبة، الأسرة 12، الدولة الوسطى (ح. 1981 – 1975 ق.م.). متحف المتروبوليتان.

الأسواق والميكنة

وفي كتاب “الخبز في مصر العثمانية”، يرى مؤلِّفه الباحث جمال محمود أن الخبز في مصر خلال القرنيْن الخامس عشر والسادس عشر كان يعتمد بشكل أساسي على النظام الزراعي؛ ومن ثَمَّ كان مرتبطًا باحتكار الدولة لزراعة الحبوب وحصدها ونقلها وتخزين الغلال. كما فرضت الدولة والجيش سيطرتهما الكاملة على كل ما يتعلَّق بالخبز من حجم ووزن وجودة؛ فقد كان تموين الخبز أحد المشاغل الرئيسية للحكام وأولوية للشعب. وفي أثناء الكوارث، كان سعر القمح هو أول ما يرتفع؛ مما يؤدي إلى أزمات الخبز والجوع والسرقة والفوضى والعصيان. وأدى تدخل الدولة من أجل الإبقاء على أسعار الخبز تحت السيطرة في أثناء المجاعات والأزمات إلى وضع تسعيرة للخبز. وكان ذلك، على الأغلب، أول صورة من صور دعم الخبز، وهي ممارسة مازالت مستمرَّة في مصر إلى يومنا هذا.

وكانت الحبوب التي تصل بالقوارب إلى شاطئ النيل تُخزَّن في شُوَن ضخمة في بولاق والقاهرة القديمة؛ ومن ثَمَّ تنقل إلى أسواق الغلال الأقرب إلى القاهرة. وكان الموظفون الذين لُقِّبوا بالأغوات مسئولين عن تنظيم الشُّوَن وتأمين تموين مناسب من الخبز للفقراء. وفي أزمنة الوفرة، كثيرًا ما كان القمح المصري يُصدَّر، في معظمه للأسِتانة، وكذلك إلى مكة والمدينة وحتى للقدس.

غير أن الطحن اليدوي للحبوب تطوَّرَ من استخدام الهون والمدق إلى الرحاية، بينما أضحت الأَرْحِيَةُ الأكبر والطواحين المميكنة جزءًا من العزب والقصور في المدن وعلى أطراف البلدات.

وشهدت الحقبة العثمانية بدايات انحسار عملية الخبز المنزلي مع انتشار أسواق الخبز والمخابز التجارية التي كانت تحت رقابة محكمة من مفتشي الحكومة لضمان النظافة. وكان العجين يُمزج أولًا، ومن ثَمَّ يعجنه ويُشكِّله العجَّان قبل أن يُحمل إلى الأفران. وبدءًا من القرن السادس عشر، كانت للخبازين طائفتهم الخاصة وزقاقهم الخاص. وعادة ما كانت المخابز العامة تُوجد في مبانٍ مزخرفة. ويذكر “أوليا شلبي”، وهو رحَّالة تركي زار مصر في القرن السابع عشر، 70 مخبزًا في القاهرة، ولم يكن ذلك العدد ليكفي لإمداد كل قاطني القاهرة بالخبز؛ مما يعني أن صنع الخبز كان يُمارس في كثير من البيوت وقتئذ. وكانت هناك طريقتان أساسيتان معروفتان للخبز من الحقبة العثمانية هما: الطابون والصاج. الطابون هو الفرن البيتي التقليدي الذي يشتعل بالحطب أو بأقراص الجلة. أما الصاج، فهو القرص المعدني الذي يُوضع على الأحجار ويُسخَّن من الأسفل بحيث يُنتج الخبز المُفَلْطَح الذي لم يزل معروفًا إلى اليوم. كما يُضيف شلبي عدة أنواع من الخبز، معظمها مصنوع من دقيق القمح – فقد كان خبز الشعير معروفًا، ولكن كان يُنظر إليه بوصفه ذا جودة أقل – وبعضها مزيج من القمح والشعير.  ذاكرًا أيضًا الشُّريك والبوريك والغُريبة والشعرية والعيش أبو عجوة، وكذا عيش جاقل الذي كان يخبز على الحجارة المتقدة، والبقسماط.

ومع دخول الذرة إلى البلاد قادمة من أمريكا الوسطى في وقت ما من القرن السابع عشر أو قبل ذلك بقليل، ابتُكرت أنواع لا حصر لها من الخبز. فكانت الذرة تُخلط بالقمح، وأدى انتشارها – في نهاية المطاف- إلى تصنيفها كثاني أهم غلة بمصر في القرن التاسع عشر.

القرن العشرون

استمرَّ صنع الخبز في المنازل حتى القرن العشرين في المدن، ولم يزل شديد الأهمية في القرى. وتُعدّ ممارسة شراء الخبز من المخابز الخاصة أو التي تُديرها الدولة تطورًا حديثًا وتتصل بشكل رئيسٍي بسكان الحضر الذين لم يمكنهم صنع الخبز في المنزل؛ نظرًا إلى القيود المتعلقة بالمساحة والمرافق. كما أصبح الأمر اتجاهًا عامًّا مع انتشار منظومة دعم الخبز، والتي بموجبها تبيع المخابز الحكومية الخبز البلدي كامل الحبة (استخلاص 72%) بأسعار مدعمة. وأدى ذلك إلى الزوال التدريجي للخبز المنزلي حتى في القرى، وأيضًا إلى انحسار أنواع الخبز المستهلكة لتصل إلى نوع واحد تقريبًا في العديد من المدن والبلدات وحتى القرى، باستثناء المخابز الإفرنجية التي تقدِّم أنواع الخبز على الطريقة الغربية (الفينو) والمصنوعة من دقيق القمح الأبيض.

واليوم لا تُوجد سوى بضع دراسات تقدم توثيقًا جادًّا لأنواع الخبز في مصر. وعلى الرغم من أن أطلس المأثورات الشعبية المصرية الذي نشرته وزارة الثقافة يُعدِّد ما يزيد على الستين نوعًا مختلفًا من الخبز، فإن من الممكن أن يكون أكثر إفادة لو تمت دراسة عملية صنع الخبز في كل مِنطقة على حدة، وجرى التركيز على التوثيق المفصَّل للمكونات والعمليات والأسماء والاستخدامات، بالإضافة إلى التوثيق البصري المفصَّل والمحدَّد للأنواع التي يتهددها، مع الأسف، خطر الاندثار والضياع للأبد.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩