بقلم ياسمين الضرغامي
ترجمة محمد عثمان

تدين السينما المصرية بالفضل في نجاحها إلى حد كبير لنخبة من السيدات اللاتي أسهمن في تشكيل وصياغة هذه الصناعة في أيامها الأولى، سواء من خلال إنشاء أولى شركات الإنتاج، أو بناء الاستوديوهات الحديثة، أو رعاية المواهب التي كانت لا تزال براعمًا تتفتح.

عزيزة أمير (١٩٠١-1952) معروفة بأنها مؤسسة السينما المصرية. اسمها الحقيقي مفيدة غنيم، وقد كانت ممثلة مسرح مثل معظم قريناتها. سطع نجمها مع فرقة رمسيس المسرحية ليوسف وهبي لكنها تنحت جانبًا عندما بدأ ظهور منافسين لها، لتنتقل إلى السينما التي طالما كانت طموحها الأعظم. لتحقيق أحلامها، تزوجت الصعيدي الثري أحمد الشريعي الذي نبذته عائلته فورًا لزواجه بممثلة. وقد موّل الشريعي مشاريع زوجته عزيزة وأنشأ الثنائي شركة الإنتاج إيزيس فيلم، وعينا التركي وداد عرفي مديرًا فنيًا. كان مشروعهما الأول فيلم “نداء الله” ١٩٢٦، الذي توقف بسبب خلافات مع عرفي وفي النهاية طُرد واستبدل بستيفان روستي مديرًا وستيليو كياريني مصورًا -رغم تضارب آراء المؤرخين بشأن توزيع الأدوار. أعاد كتابة الفيلم صديقها الصحفي أحمد جلال وأعاد تسميته ليكون اسمه الجديد “ليلى” وظهر للنور في ١٩٢٧ كأول فيلم مصري صامت طويل. وفي الافتتاح الكبير للفيلم بحضور مشاهير مصر، أخبرها طلعت حرب، صاحب المصانع المشهور ومؤسس أستوديو مصر لاحقًا، أنها حققت ما لم يستطع رجل تحقيقه على الإطلاق. ثم أنشأت بعد ذلك شركة إنتاج أخرى، أمير فيلم، مع محمود ذو الفقار، الذي أصبح لاحقًا زوجها الثالث وشريكها المنتظم. استمرت عزيزة أمير في التمثيل وانتاج الأفلام حتى وفاتها المبكرة في عمر ٥١ عامًا.

لقطة لعزيزة امير من فيلم “قسمة ونصيب”، 1950.

تصوير هشام سلامة- اهداء بازيل بهنا

صورة من مجلة الكواكب لبهيجة حافظ وهي متألقة برداء سهرة من التللي.

بهيجة حافظ (١٩٠٨-1983) كانت ممثلة ومخرجة ومنتجة ومؤلفة ومحررة أفلام ومصممة أزياء أيضًا. ولدت في الإسكندرية لأسرة أرستقراطية، وكان شغفها الأول هو الموسيقى، التي درستها في باريس وخططت لتدريسها. بعد عودتها، قابلت الممثل والمخرج محمد كريم الذي اختارها لدور البطولة في فيلمه الصامت زينب (١٩٣٠). نبذتها عائلتها لدرجة أنهم وقفوا يتلقون العزاء فيها. استمرت بهيجة رابطة الجأش في التمثيل وقامت أيضًا بتأليف موسيقى الفيلم. في عام ١٩٣٢، كانت من بين الطاقم الأصلي لأول فيلم مصري ناطق، أولاد الذوات، لكن الخلاف مع البطل الرئيسي، يوسف وهبي، سرعان ما أجبرها على ترك الفيلم ومقاضاة وهبي حسبما ورد. ثم أنشأت شركة الإنتاج الخاصة بها، “فنار فيلم”، مع زوجها محمود حمدي. وأطلقا أول إنتاج لهما فيلم “الضحايا” في عام ١٩٣٢. وبعد ذلك بثلاث سنوات، أعيد صنع الفيلم الصامت مع صوت، لكن دون نجاح تجاري (فُقد هذا الفيلم ثم عُثر عليه في عام ١٩٩٥ وأُذيع في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي). في عام ١٩٣٥، بدأت بهيجة حافظ بتصوير الفيلم التاريخي الملحمي “ليلى بنت الصحراء” الذي تكلف ما يزيد عن ٣٠٠٠٠ جنيه واستغرق العمل فيه أكثر من سنتين. كان الفيلم الذي يصور المنافسة بين الشعب العربي والفارسي، محبطًا لبهيجة حافظ حيث أنه عرض في عام زواج الأميرة المصرية فوزية بشاه إيران ولذلك حجب بعد فترة قصيرة من العرض. ورغم السماح لها بعرضه بعد الطلاق الملكي في عام ١٩٤٤، إلا أنه لم يلق قبولًا إيجابيًا لدى الجمهور. وفي عام ١٩٤٧، قامت بمحاولتها الأخيرة مع فيلم اسمه “زهرة السوق”. ولكن بعد فشله الكبير تجاريًا، قررت بهيجة حافظ إنهاء مسيرتها في الأفلام وتخصيص وقتها للموسيقى وصالوناتها الأدبية والثقافية الشهيرة. وعادت مرة أخرى أخيرة للسينما لتمثيل دور أميرة في فيلم صلاح أبو سيف، “القاهرة ٣٠” الذي عرض في عام ١٩٦٦.

فاطمة رشدي في لقطة من فيلم بنات الريف،1947

من ارشيف حسين بكر

فاطمة رشدي (١٩٠٨-1996) كانت مغنية مصر الأولى. ولدت لأسرة فقيرة في الإسكندرية، وكانت مغنية صغيرة واعدة اكتشفها المؤلف الموسيقي سيد درويش الذي شجع والدتها على الانتقال مع ابنتيها فاطمة وإنصاف إلى القاهرة للتقدم بمسيرتهما المهنية. في القاهرة، أدت رشدي في النهاية أدوارًا مع فرقة نجيب الريحاني المسرحية وانضمت لاحقًا إلى فرقة يوسف وهبي المشهورة. وهناك، تدربت على يد الممثلة الرئيسية للفرقة روز اليوسف وتوددت للمخرج المتمرس للفرقة عزيز عيد الذي كان مرشدًا لها، وفي النهاية وقع في غرامها وتزوجها. أصبحت فاطمة رشدي نجمة فرقة رمسيس وأطلقت عليها الصحافة لقب سارة برنار الشرق. بعد خلاف مع يوسف وهبي، كونت فاطمة رشدي العنيدة فرقتها المسرحية على اسمها. كانت المنافسة حامية بين الفرقتين لدرجة أنهما كانتا تضعان نفس المسرحية بنفس الوقت والاسم. مع هبوط شعبية المسرح، انتقلت فاطمة رشدي إلى مجال الأفلام وبدأت شركة الإنتاج “شركة أفلام النجمة المصرية”، وقامت بالتمثيل والإخراج في “الزواج” عام ١٩٣٣. بالرغم من أن الفيلم كان أول فيلم مصري بإخراج نسائي، إلا أنه لم يكن أفضل اعمالها. كان أفضل دور لها هو دور البطولة في “العزيمة” ١٩٣٩، بإخراج زوجها حينذاك كمال سليم، وكان آخر فيلم لها هو “الجسد” عام ١٩٥٥. عاشت فاطمة رشدي حياة مضطربة بين عدة زيجات فاشلة، ومثل بهيجة حافظ، ماتت وحيدة وفقيرة ومنسية ومهملة.

لقطة من فيلم “اما جنان” مع اسماعيل يس، حسن فايق وفؤاد شفيق ، سنة 1944

من ارشيف وكالة بهنا

آسيا داغر (١٩٠١-1986) اسمها الحقيقي ألماظة لكنها عُرفت دائمًا باسمها المسرحي آسيا، كانت إحدى أكثر منتجي السينما إنتاجًا ونفوذًا في مصر. جاءت من لبنان حيث أنتجت أول فيلم لها “تحت ظلال الأرز” عام ١٩٢٢، ثم انتقلت إلى مصر مع أختها مريم، وابنة أختها ماري (التي عُرفت لاحقًا باسم ماري كويني) وابنتها إلين (التي عُرفت لاحقًا في الأفلام باسم منى). ظهرت أول مرة في دور ثانوي بفيلم عزيزة أمير “ليلى” عام ١٩٢٧ وفي النهاية سطعت نجوميتها وأنتجت أول فيلم لها “غادة الصحراء” في عام ١٩٢٩. وجهت إليها الانتقادات أحيانًا بسبب أدائها المتكلف للتعويض عن ضعف مستوى التمثيل. لم تحقق آسيا داغر الكثير من النجاح كممثلة لكنها أصبحت أسطورة في الإنتاج. حيث أنتجت شركتها، “لوتس فيلم”، العديد من الأفلام الملحمية مثل فيلم “رد قلبي” في عام ١٩٥٧ و”الناصر صلاح الدين” في عام ١٩٦٣، وكلاسيكيات مذهلة مثل “يوميات نائب في الأرياف” عام ١٩٦٩، وغير ذلك. في وقت كانت شركات الإنتاج تعيش فيه لمدة مشروع أو اثنين، أصبحت شركة “لوتس فيلم”، التي تأسست عام ١٩٢٧، أطول شركات الإنتاج الخاصة عمرًا في مصر.

ماري كويني على غلاف مجلة الفن، سنة 1955

ماري كويني (١٩١٦-٢٠٠٣): اسمها الحقيقي ماري يونس، وصلت مصر في عام ١٩٢٢ طفلة مع أمها، وأختها وخالتها آسيا داغر. كان أول دور لها في فيلم خالتها “غادة الصحراء” عام ١٩٢٩ الذي كان أول إنتاج لها. ثم عملت لعدة سنوات كمحررة أفلام قبل الانتقال إلى مجال الإنتاج. في أوائل الأربعينات من القرن العشرين، أنشأت شركة إنتاج مع زوجها أحمد جلال (الصحفي الذي تحول إلى التمثيل وإنتاج الأفلام) وبدأت ببناء “استديو جلال” في حي حدائق القبة. الذي أصبح أحد أكبر خمس استوديوهات في الدولة خلال العصر الذهبي للسينما بمصر. قدم الاستديو أول معمل ألوان في مصر بالإضافة إلى أول نظام صوت حديث. للأسف، توفي أحمد جلال عام ١٩٤٧، قبل الانتهاء من بناء الاستديو. بالرغم من نجاحها في التمثيل أكثر من خالتها، إلا أنه لم يكن نقطة قوتها. اعتزلت ماري كويني التمثيل في أواخر الخمسينات من القرن العشرين وكرست نفسها لاستديو جلال، الذي أُمم عقب عام ١٩٥٢. حققت في النهاية نفس المرتبة الرائدة كمنتجة أفلام مثل خالتها آسيا واستمرت بدعم مسيرة ابنها، نادر جلال الذي أصبح مخرج أفلام ناجح بفضل مواهبه.

امينة محمد في مشهد من فيلم تيتا وونج، 1937

من ارشيف حسين بكر

أمينة محمد (١٩٠٨-1985) قد لا تكون حققت نفس الشهرة والسمعة مثل قريناتها الرائدات، لكنها كانت امرأة فريدة وشجاعة وعصامية. ولدت في طنطا لأسرة متوسطة وانتقلت إلى القاهرة مع ابنة أختها التي تصغرها بفارق عمر صغير أمينة رزق. توجهت المراهقتان إلى تجارب الأداء في الشركات المسرحية لشارع عماد الدين (الذي كان في ذلك الوقت، بمثابة برودواي مصر) وهناك بدأت مسيرتهما. كانت أمينة محمد فنانة متعددة المواهب، حيث عملت كراقصة (قامت بفقرات في مطعم ليدو وكباريه فولي بيرجير في باريس) ومخرجة (عملت مرة كمساعدة لسيسيل ديميل)، وكمنتجة. في عام ١٩٤٦، حققت حلمها في إنتاج فيلم “تيتا وونج”، قصة امرأة مصرية صينية اتُهمت ظلمًا بالقتل. أنشأت أمينة محمد شركة إنتاج أمينة فيلم، مع مكتب في وسط البلد بالقاهرة واستديو مؤقت على سطح المبنى. في الوقت الذي دفعت فيه بهيجة حافظ ما قدر أنه ٣٠٠٠٠ جنيه لتمويل فيلمها، كافحت أمينة محمد لتجميع ١٧ جنيه، كما اقترضت باقي المال مقابل التزامات تمثيل مستقبلية وجهزت معدات مناظر صينية الطابع من محل أثاث بوسط البلد مقابل ذكر اسم المحل في التتر الافتتاحي. وقد تضمن طاقم الفيلم والممثلين شخصيات مشهورة – وكان من بين الذين فشلوا في تجارب الأداء الرئيس المستقبلي أنور السادات -ونجوم مثل حسين صدقي، والسيد حسن جمعة، وسيد بدير، وصفية حلمي، وجمال مدكور، ونجمة إبراهيم، ومحمد القلاوي، وأحمد كامل مرسي وصلاح أبو سيف من بين آخرين. لم يكن فيلم “تيتا وونج” فوزًا فنيًا بأي شكل، لكنه كان انطلاقة للعديد من نجوم السينما المصرية. أنتجت أمينة محمد عددًا قليلًا من الأفلام قبل أن تترك المجال في أربعينات القرن العشرين لتنتقل إلى مهنة في مجال السياحة.

امينة رزق مع يوسف وهبي في فيلم الطريق المستقيم، 1943

من ارشيف محمد بكر

أمينة رزق (١٩١٠-٢٠٠٣) غادرت طنطا إلى القاهرة برفقة خالتها التي تكبرها بفارق عمر بسيط، أمينة محمد، بعد وفاة والدها. وقد ذهبتا إلى تجارب الأداء لفرقة رمسيس المسرحية المشهورة ليوسف وهبي في سن المراهقة. ولولعه بالميلودراما، اختار يوسف وهبي على الفور أمينة رزق الأكثر جدية، بنظرتها العميقة الحزينة، عن خالتها الحيوية الأكثر ميلًا للكوميديا. بالتأكيد، على مدى العقود التالية، أصبح اسم أمينة رزق مترادفًا مع الميلودراما في الثقافة العامة. برعت أمينة في التمثيل مع فرقة رمسيس واختيرت كبديل لبهيجة حافظ في أول فيلم مصري ناطق “اولاد الذوات” في عام ١٩٣٢، محولة مسيرتها من المسرح إلى السينما. ومن بين النساء الاستثنائيات، كانت أمينة رزق هي الوحيدة التي استمرت مسيرتها بعد هذه العقود الأولى المبكرة. حيث كانت أمينة رمزًا عالي الاحترام ومعروفة بأخلاقياتها المهنية الحازمة واحترامها لعملها، استطاعت إدارة حياة مهنية ناجحة على مدار عمرها الطويل. ظهرت في مئات المسرحيات، ومثلت فيما يزيد عن ٢٥٠ فيلمًا ومسلسلًا تلفزيونيًا، وربحت العديد من الجوائز القومية والعالمية، وفي عام ١٩٩١، أصبحت عضوة في مجلس الشورى المصري حتى وفاتها.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٩ ،

الأكثر قراءة

سنوات البوتقة في تاريخ السينما المصرية
(٥٢-١٩٤٥)

شهدت السينما المصرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مرحلة غير مسبوقة من النضج والتطور الفكري على يد جيل من المخرجين الذين سيكون لهم شأن كبير فيما بعد

أرشيف الفيلم المصري
حكاية إهمال.. مثابرة.. وشغف

جولة في أرشيف السينما المصرية، الذي يكاد لا يكون موجوداً، تصحبنا فيها مسؤولة أرشيف "“سيماتك”"؛ مركز الفيلم البديل بوسط القاهرة، ومساحة تحتفي بتنوع وجمال وقوة الأفلام المحلية والعالمية.

رواية لم تكتمل
الأفلام التسجيلية المصرية في الفترة من 1912 إلى 1980

مشروع قومي تأثر بالأجواء والتوجهات السياسية ولم يحظ بالنجاح المطلوب رغم دعم الدولة له.

الرقص والراقصات في السينما المصرية

على الرغم من صعوبة تقبل المجتمع لمهنة الراقصين، ألا ان هذا المجتمع نفسه مولع بالرقص والإستعراض حتى ان الفيلم الذي يخلو منهما غالباً ما يفشل جماهيرياً

آفاق جديدة

تدين السينما المصرية بالكثير لمخرجين طموحين تمردوا على قاعدة "الجمهور عاوز كده"

سينما بديلة، من إنتاج الدولة
في يوم من الأيام..

رغم عدم استمرارها، كانت المؤسسة المصرية العامة للسينما، بما أنتجته من أعمال هامة، مثالاً لأهمية دور الدولة في دعم السينما الغير تجارية.


Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qpixweb4/public_html/rawi-magazine.com/wp-content/themes/qpix/single-articles.php on line 1047