ساهم معرض الفن القبطى الذى اقيم من شهر ديسمبر 2010 حتى ابريل من العام التالى، فى التعريف بالثقافة القبطية من خلال عرض قطع نادرة من اثار وفنون تلك الحقبة. توافد رواد المعرض على قصر الأمير طاز بالقاهرة، حيث اقيم.

احتضن قصر الأمير طاز بحي الخليفة بالقاهرة معرضًا هامًا للفن القبطى تحت عنوان “كشف الستار عن الفن القبطي” في الفترة من ١ ديسمبر إلى ٣٠ ابريل 2011 في إطار الإحتفال بمئوية المتحف القبطي، عُرضت فيه مجموعة نادرة من المقتنيات تعرض للجمهور للمرة الأولى والتي ألقت الضوء على الكثير من مظاهر الثقافة القبطية التى تشكل جزءًا هامًا من الثقافة المصرية، وقد أثار المعرض اعجاب الجمهور ونظرا للإقبال تم مد فترة المعرض رغم الأحداث الجسام التي عصفت بالبلاد آنذاك.                                                                                       

ويعد المعرض مُكملًا لمجموعة العرض الدائمة للمتحف القبطي حيث يستعرض مراحل تطور الفن القبطي بداية من تأثره بالفن المصري القديم حتى نضوجه كفنًا مستقًلا معبرًا عن الديانة التوحيدية الجديدة، ويضم المعرض ضمن قاعاته رحلة العائلة المقدسة الي مصر والسنوات الأولى المسيحية والممارسات والطقوس اليومية القبطية ومخطوطات نادرة من مكتبة نجع حمّادي ومن مجموعات متحفية غير معروضة أخرى.

التعريف بالفن القبطى:

كانت الحقبة القبطية (284م-0642م) مرحلة هامة في التاريخ المصري تميزت بالرقي فى مجالات الفن والعمارة والمخطوطات والتجليد والحرف اليدوية، كما شهدت تلك الحقبة نشأة نظام الرهبنة فى مصر الذى ربما شكل أبرز إسهامات الأقباط المصريين للديانة المسيحية عموماً.

ولإلقاء الضوء على ذلك التراث العظيم وإبراز المكانة الهامة التي تشغلها الحقبة القبطية فى التاريخ المصرى الطويل والمتنوع، وفي إطار الاحتفال بمرور 100 عام علي إنشاء/افتتاح المتحف القبطي استضاف قصر الأمير طاز هذا المعرض الفني الذي يعد بحق الأول من نوعه.

بدأ الأمر بفكرة متواضعة لعرض خمسين قطعة فنية ظلت قابعة ومحجوبة منذ سنوات فى مخازن المتحف القبطى، ثم تطورت الفكرة إلى الرغبة فى تنظيم معرض متكامل، فجاء معرض الفن القبطى ليضم أكثر من مائتي قطعة لا تقدر بثمن اختيرت بعناية من مقتنيات عدد من المتاحف المنتشرة فى ربوع مصر لتعبر عن التراث القبطى المصرى من خلال رؤية جديدة.

تفصايل لحفر على الخشب تمثل الملاك ميخائيل وهو يحمل سيفاً

تصوير: ساندرو فانيني

إعادة اكتشاف كنوز المتحف القبطى:

يمكن القول انه لولا مرقص باشا سميكة (1863-1944) لما كان هذا المعرض. ومرقص باشا سميكة هو مؤسس المتحف القبطى بحى مصر القديمة عام 1910.

وقد عكف سميكة باشا طوال حياته على إنقاذ الآثار والفنون القبطية من الاندثار.. وبفضل جهوده المخلصة فى هذا الاتجاه تضاعفت مقتنيات المتحف القبطى لتصل إلى 16,000 قطعة نادرة لا تقدر بثمن، وتشكل تلك المقتنيات عصب المجموعة المعروضة اليوم والتي ظلت محفوظة لعقود في مخازن المتحف القبطى وتعرض الآن ليشاهدها الجمهور للمرة الأولى فى قصر الأمير طاز.

لقد استمتع الحاضرون بمشاهدة الأيقونات الملونة والمنسوجات القبطية، والمخطوطات النادرة التى تم عرضها تحت اضاءة اخاذة إلى جانب بعض المقتنيات من مكتبة نجع حمادى الشهيرة وعدد من الفريسكات الخشبية والحجرية المزدانة بتصميمات ونقوش معقدة تم العثور عليها فى الأديرة القبطية القديمة بالإضافة إلى قطع فخارية وأخرى معدنية وأدوات كانت تستخدم في الحياة اليومية آنذاك.

شمل المعرض ايضاً عدد من القطع النادرة التي تم اقتراضها من مجموعات متحفية من الإسكندرية وبنى سويف والعريش ومتحف الفن الإسلامي ومتحف الحضارة المصرية بالفسطاط وعرضت معاً للمرة الأولى بغرض إلقاء الضوء على جوانب هامة من الثقافة القبطية وعرضها فى سياقها التاريخى العام.

لوحة ليوحنا العمراني تبيين العذراء مريم فى هيئة ملكة السماء – من القرن الثامن عشر

تصوير: ساندرو فانيني

العائلة المقدسة فى مصر:

تم تخصيص القسم الأول من المعرض لرحلة العائلة المقدسة إلى مصر التى يعرفنا بها القديس مرقس الرسول الذي حمل معه بشارة الإنجيل إلى الإسكندرية حيث حملت السيدة العذراء طفلها السيد المسيح ومعهم يوسف النجار إلى مصر هرباً من بطش الملك “هيرودوس” فى فلسطين.

والى يومنا هذا، يحيى الأقباط ذكرى رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، ومايزالوا يقصدون المدن التى بوركت بإقامة مريم العذراء ويسوع الطفل للتبرك.

وبمقدور زائرى المعرض تتبع مسار رحلة العائلة المقدسة من خلال خريطة توضح كل تلك المدن.

آثار الماضى القديم:

اما القسم الثاني من المعرض فيمثل “استمرار الأديان القديمة” وهو يبرز تداخل الأشكال الفرعونية القديمة مع الإغريقية والرومانية لتُعبّر مجتمعة عن معتقدات الديانة الجديدة، غير ان الديانة الجديدة تطلبت فيما بعد لغة مرئية أخرى تعبرعن التوحيد الذي يميزها عن الديانات التعددية القديمة.

كانت مصر خلال الحقبة القبطية مركزًا رئيسيًا للتجارة على البحر الأبيض المتوسط مما سمح للفن القبطى بالاختلاط والتأثر بالثقافات المتعددة الأخرى التي سادت فى المنطقة وعلى الرغم من ذلك استمر الطابع المصرى والتقاليد المحلية وان اختلفت شكلاً وتكويناً.

السنوات الأولى للمسيحية:

ثم يركز المعرض على القديس مرقص الرسول الذى بشر بالمسيحية فى الأسكندرية، وعلى الدور الهام للشهداء الأقباط رجالاً ونساءً الذين تم إعدامهم على يد الرومان لرفضهم التخلي عن عقيدتهم.

وحتى يومنا هذا توصف الكنيسة القبطية بكنيسة الشهداء ويؤمن الأقباط ان هؤلاء الشهداء والقديسين يحرسون الكنيسة والمؤمنين المخلصين.

يُعرّف المعرض ايضاً بالناسكين/النسّاك الأوائل الذين توجهوا إلى الصحراء ليكرسوا حياتهم للعبادة والعيش فى زهد وعزلة وهم رجال الحكمة الروحية الذين اطلق عليهم (آباء الصحراء) الذين أنشأوا أول أديرة فى صحراء مصر، ومنها دير القديس انطونيوس المعروف بأب جميع الرهبان وهو من أنشأ فى مصر أول دير فى التاريخ فى مطلع القرن الرابع الميلادى واقترن اسمه بقيام وتأسيس حركة الرهبنة فى العالم المسيحى، والقديس شنودة أبرز الكتاب الأقباط فى القرن الخامس الميلادى، ويضم هذا القسم ايضا احدى المقتطفات من مكتبة نجع حمادى الشهيرة وهو نص غير كنسى يرجع تاريخه للقرن الرابع الميلادى ويعطى فكرة لزائري المعرض عن مذاق المناخ المشحون بفعل التنافس بين الحركات الدينية المختلفة فى مصر قبل نشأة الكنيسة المصرية بشكل مؤسسي، ونرى فى ذلك القسم ايضاً واحدّا من أقدم أغلفة الكتب الجلدية يؤكد على براعة الأقباط فى تجليد الكتب.

رسم من كتاب يرجع تاريخه للقرت الـسابع عشر، يبين كاهن يعمد طفل

تصوير ساندرو فانيني

مراكز الفن القبطى

اما القسم التالى فى المعرض فكان مخصصاً لفن وعمارة الأديرة والتي كانت تعد مراكز هامة للانتاج الفنى ايضاّ.

تمثل هذا فى جداريات رائعة وفريسكات خشبية عُثر عليها فى أديرة قديمة مثل دير الأنبا ارميا فى سقارة ودير القديس أبوللو فى باويط والذى ازدهر فى القرن السابع الميلادى. ويضم هذا القسم ايضاُ مخطوطات ومنسوجات نادرة من المكتبات القبطية عُثر عليها فى جدران الأديرة الكبرى ونسخها الرهبان الحكماء على مر العصور المختلفة لإنتاج المخطوطات وكلها تشهد بالمهارة الفائقة للنساخ الأقباط والخطاطين التنويريين.

ومن الروائع التي ضمها هذا القسم تمثالين خشبيين للملاكين جبريل وميخائيل تم الكشف عنها مؤخراً فى باويط، وهو ما يؤكد انه مازال هناك الكثير والكثير لم يكشف بعد من آثار الحقبة القبطية فى مصر، كما شمل هذا القسم ايضاً جدارية مدهشة من كنيسة عبد الله نركى فى النوبة مما يؤكد وصول الفن والثقافة القبطية حتى النوبة.

الطقوس والممارسات اليومية:

تزين العديد من المخطوطات الثمينة فى أرشيف المتحف القبطى قصص شهيرة من الكتاب المقدس (بعهديه القديم والجديد) مثل قصة تضحية إبراهيم واحياء العازر، تم ابراز تلك القصص للتعبير عن امل البشرية فى الخلاص ولتقوية ايمان المسيحيين بعقيدتهم.

ويُعرف قسم الطقوس القبطية الزائرين بالطقوس المختلفة التى تقوم بها الكنيسة القبطية مثل الإستخدام الكثيف للبخور وقراءة الإنجيل والتراتيل فى المناسبات الدينية.

اما اول المخطوطات التى عثر عليها وتجمع بين اللغتين العربية والقبطية معاً فيرجع تاريخها إلى القرن الـ11 الميلادي، والى اليوم تستخدم اللغة القبطية فى الطقوس الكنسية والتراتيل التي يتم ترنيمها موسيقياً بمصاحبة آلتين فقط هما المثلث و الصنج. وبإمكان زائرو المعرض فى هذا القسم الإستماع إلى بعض الترانيم القبطية. اما قسم الأدوات المستعملة في الحياة اليومية فقد ضم منسوجات ذات تصميمات والوان جميلة ومصابيح زيتية وحلى مصنوعة من الذهب والفضة وأخرى من خامات ارخص مثل البرونز والخشب إلى جانب خطابات شخصية مكتوبة على ورق بردى ورقع وخامات أخرى متوفرة مثل رقائق الحجر الجيرى وكسر الفخار وكلها اشياء تعرف الزائرين ببعض جوانب الحياة اليومية للأقباط.

شاهد قبر اكتشف بمركز البداري بأسيوط، مزين بالرمز المصري القديم الـ”عنخ”، الذي حوله الأقباط الى صليب. ويحيط به صليبلن يونانيان ثالثهما داخل حلقة رمز الـ”عنخ”

تصوير كلاوديا واينز

تصميم المعرض والمعلومات المرفقة بالمعروضات:

تجدر الإشارة إلى ان كل قسم من أقسام المعرض حمل طابعاً خاصاً وقد أعدته شركة space4 التي عنيت ايضاً بإبراز تفرد بعض القطع بوضعها فى فتارين/خزائن عرض منفصلة. اما تركيبات وتجهيزات المعرض فقد قامت بها مصانع نديم.

وقد تم عرض السياق الجغرافي للتاريخ المصرى القديم على خرائط موزعة على أقسام المعرض المختلفة مما سمح للزائرين بتحديد موقع المراكز الدينية والتجارية الهامة فى مصر والشرق المتوسط، كما سمحت لهم بمعرفة اماكن المدن والأديرة القبطية وتم ربط هذا كله بخط زمني شمل الأحداث الأساسية التي ساهمت فى نشوء وتكوين الحقبة القبطية فى تاريخ مصر.

جاء كتالوج المعرض فى 240 صفحة وشارك فى وضعه باحثون من مصر والمانيا وامريكا وانجلترا وفرنسا مما يعكس الاهتمام الدولي بالثقافة القبطية كموضوع دراسى وبحثى ، وقد وفر المعرض ايضاً جولات بصحبة مرشدين باللغات العربية والإنجليزية والألمانية، كما تم إعداد ندوات وورش عمل دراسية للشباب والأطفال لتدعيم استفادتهم من المعرض

يمكنك اكتشاف المزيد والتعرف أكثر علي الفن القبطي منذ بداياته وحتى القرن العشرين عبر مجموعة مميزة تعرض الفنون القبطية من المنسوجات والاعمال الخشبية والفخار والأيقونات بالإضافة للعاديات المستخدمة في الحياة اليومية وبعض أجزاء من منازل الأقباط وكنوز كنسية أخرى خلال زيارة المتحف القبطي في ٣ ش مار جرجس- مصر القديمة (داخل حصن بابليون) يوميًا من ٩ صباحًا الى ٤ مساءً

اسعار التذاكر: 50 جنيها للمصريين , 25 جنيهًا للطلبة و100 جنيهًا للأجانب.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٢ ، ٢٠١١

الأكثر قراءة

جاليري الصور

بعض المختارات من لوحاتنا المفضلة

فن يحمل ذاكرة وطن
مجموعة مؤسسة الأهرام الفنية

تحظى مؤسسة الأهرام الصحفية بواحدة من أهم المجموعات الفنية التي تؤرخ للحركة التشكيلية في مصر. لوحات وقطع نحتية وجداريات تروي الكثير عن الواقع المعاصر، دون إطناب أو ثرثرة، خارج إطار المتاحف العامة.

الإستثمار فى الفن المصري

في السنوات الأخيرة ازداد الإقبال على الإستثمار من خلال اقتناء اللوحات والقطع الفنية المصرية. سوق واعدة، يجدر الاهتمام بها

بيت في روما

الأكاديمية المصرية للفنون الجميلة فى روما كانت في البداية مجرد حلم راود الرسام راغب عياد في
عشرينيات القرن الماضي،وسرعان ما تحول إلى واقع يطالعنا حتى الآن في حدائق فيلا بورجيزي.

في حضرة الرسامين

جولة في عشرة متاحف للفن المصري الحديث، بعضها كان مقراً ً أو مرسما ُ للفنانين ثم ضمت أعمالهم لتخلد حياة كاملة من الإبداع.

النقد والصحافة الفنية
حتى بداية السبعينات

رغم الزخم الذي شهده تاريخ النقد الفني في مصر منذ بدايات القرن العشرين، إلا أن الفن التشكيلي لم يحظ إلى وقتنا هذا بالاهتمام الذي يسمح له بتحقيق قاعدة جماهيرية أو بمواكبة الزيادة في عدد قاعات العرض.