بقلم روبرتا دورتي
ترجمة محمد عثمان

على الرغم من صعوبة تقبل المجتمع لمهنة الراقصين، ألا ان هذا المجتمع نفسه مولع بالرقص والإستعراض حتى ان الفيلم الذي يخلو منهما غالباً ما يفشل جماهيرياً

يعرف هواة السينما المصرية أن أفلامها كانت قائمة خلال عصرها الذهبي، في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، على حسن تقديم المشاهد الاستعراضية التي تجمع بين مغنٍ وراقصة، بحيث تتخلل أحداث الفيلم التي تسرد حبكة بسيطة لا تتكلف التعقيد. تكاد تكون تلك هي الصورة النمطية عن أغلب أفلام “الأبيض والأسود” المصرية. ومن الصور النمطية الأخرى التي ترسخت عن الراقصة الاستعراضية في الأفلام المصرية أنها تجسيد لغواية الرغبات الجنسية، أو دلالة على ما يعتري المجتمع من فساد. على أن النظرة المتعمقة لعنصر الراقصة في السينما المصرية تشي عن دور رئيسي أشد تعقيداً وتركيباً مما يبدو عليه. ففي حين يعكس العديد من الأفلام صوراً وأفكاراً ودلالات سلبية، يقدم بعضها الآخر الصورة إيجابية. وربما تشكل ذلك القالب السينمائي الكلاسيكي في تلك الحقبة بتأثير من أفلام هوليوود الاستعراضية التي كانت تعرض بوفرة في دور السينما المصرية وتحظى بإقبال وإعجاب عموم الجمهور. وربما يكون هناك فضل كبير لمنتجي الأفلام، وحسن اختيارهم لأطقم عمل الأفلام من النجمات والنجوم، في تقديم صورة جذابة للراقصة المحترفة التي يمكنها تأدية دور البطولة السينمائية والتمثيل، سواءً كان الدور يتعلق براقصة أو بشخصية خلاف ذلك.

افيش فيلم “ملكة المسارح”، 1939 لبديعة مصابني (1892-1974).

رغم زواجها يوماً ما من نجيب الريحاني، لم تكن ابداً ممثلة سينمائية او مسرحية، وانما ظلت دائماً راقصة استعراضية، وصانعة اجيال من راقصات مصر الشهيرات.على الرغم من امتلاكها لكازينو بديعة الشهير، الا انها ادركت ان المستقبل للسينما، فأنتجت فيلم “ملكة المسارح” تمجد فيه مشوارها الفني الإستعراضي.

اهداء احمد حامد

وخلال العقود الثلاثة الأولى من صناعة السينما المصرية، كانت تسند أدوار الراقصات في الأفلام إلى سيدات هن في الأصل راقصات محترفات؛ ولكن تغيراً طرأ على هذا التقليد منذ حقبة الستينيات؛ حيث صارت نجمات التمثيل يقمن بذلك الدور في الغالب (إلا في استثناءات محدودة). وأدى هذا التطور إلى صرف الانتباه عن جوانب الإبهار والاستعراض في شخصية الراقصة، والتمهيد للسرد الميلودرامي لحبكة الفيلم.

ولكن هناك العديد من المفاهيم الخاطئة حول كيفية تقديم الأفلام المصرية لشخصية الراقصة. فعلى سبيل المثال، لا يجب أن ينتهي الخط الدرامي لقصة الفيلم بأن تدفع الراقصة ثمن انخراطها في هذه المهنة. كما لا يصح القول بأنه كان هناك تدهور في الصورة الانطباعية عن شخصية الراقصة في الفيلم السينمائي منذ بدايات صناعة السينما المصرية وحتى الآن. فمن المؤكد أن نجمات الرقص الشرقي لعبن، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، أدوار الراقصات اللائي لا هم لهن سوى “خراب البيوت” واقتناص المال والذهب من الأثرياء ومرافقة رجال العصابات. ولكن هناك أفلام قدمت أيضاً شخصية الراقصة البنت المحبوبة من أسرتها، والزوجة المخلصة، والأم الصالحة، والفنانة الناجحة التي لها إسهام إيجابي في التنمية الثقافية في مصر. كما شهدنا النهايات السعيدة لشخصية الراقصة في الأفلام الموسيقية الاستعراضية المصرية، أو ما يُعرف باسم “حبكة الزواج السعيدة”.

أنتجت أغلب الأفلام المصرية التي تتناول شخصية الراقصة في القالب الاستعراضي، في محاكاة لقالب هوليوود الكلاسيكي خلال تلك الحقبة. وتمحورت قصة الفيلم حول ما تصادفه الفرقة الاستعراضية من مشكلات وعقبات حتى تتمكن من تقديم فنها للجمهور. كما أن قصة الفيلم تحكي في الغالب حكاية صعود الراقصة من البدايات وإلى أن تصير نجمة استعراضية شهيرة. وأتاحت حبكة من هذا القبيل لمخرجي الأفلام إدراج مشاهد الأغاني والرقص الشرقي والاستعراضي، والتي كانت تمثل إما تطويراً لأحداث الفيلم، أو هي تقدم موازية لمجريات الأحداث فحسب. وقدمت الفقرات الراقصة على خشبة المسرح، على خلفية من الديكورات التي تحاكي المسرح الاستعراضي؛ يبدأ المشهد برفع الستار، وينتهي بنجمات ونجوم الفقرة وهم يؤدون التحية للجمهور الذي ينخرط في فاصل من التصفيق الحاد وصيحات الإعجاب المبتهجة. ولا يقتصر السياق على تقديم الأداء في المسارح والنوادي الليلية، ولكنه قدم فقرات استعراضية بثتها الإذاعة.

سامية جمال تدربت على يد بديعة مصابني، وساهمت في اظهار الرقص كمهنة محترمة في العديد من افلامها، وكانت تحظى بإعجاب واحترام على مستوى العالم

ولأنها تتعلق بعالم الترفيه، فإن الأفلام الغنائية التي تدور في كواليس الفن “backstage musicals” تقدم شخصياتها الرئيسية؛ سواء كانت راقصات أو مغنيات ومغنيين، من منظور إيجابي، حتى ولو كانت الشخصية تعاني بسبب رفض أسرتها للمهنة التي اختارتها لحياتها. ومن أوائل الأفلام التي تناولت إشكالية احترام المجتمع لـ “المشخصاتي” (كما كان يسمى الممثل أو المؤدي الاستعراضي آنذاك) فيلم “الوردة البيضاء” (1934)، حيث تقف العائلة أمام الطموحات الموسيقية لبطل الفيلم، الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب. ولكن تحقيق البطل لنجاحات طاغية في المجال الذي أصر على أن ينخرط فيه يدفع الجميع إلى الاعتراف بنجاحه: وبالتالي أثبت الفنان جدارة ما يقوم به، وكذلك – وكما هو الحال في أغلب الأفلام الغنائية الاستعراضية – أظهر للجميع أنه نوع من النجاح الذي يكفل لصاحبه الثراء والعيشة الرغدة.

ولطالما كانت نظرة المجتمع المصري للممثلين والمؤدين الاستعراضيين نظرة سلبية تملأها الشكوك. وكان أول تغيير ملحوظ في المشهد الفني النسائي في مصر عام 1915، حينما ظهرت منيرة المهدية، التي لقبت “سلطانة الطرب”، وأضحت نجمة ذاع صيتها. وقبل ذلك التاريخ، لم يشهد المسرح المصري سوى الفنانات الأجنبيات. وبالرغم مما حققته منيرة المهدية، إلا إنها كانت وحيدة في وسط تهيمن عليه الأجنبيات وغير المسلمات، اللائي كن يشكلن الشريحة الغالبة في الفرق الاستعراضية والمسرحية خلال العقود الأولى من القرن العشرين. ومن المعلوم أن نجوم ونجمات تلك الفترة كانوا ينتمون إلى طيف متنوع من الأعراق والأديان.

تحية كاريوكا اختارت اسمها الفني في سنة 1933 من فقرة راقصة في احد افلام فريد استير. تدربت تحية كاريوكا هي الأخرى على يد بديعة مصابني، وكانت نجمة فرقتها. وقد قدمت نموذج الراقصة اللعوب في معظم افلامها. تحية كاريوكا تفوقت ايضاً في التمثيل، ولها عدة اعمال على قوائم افضل افلام السينما المصرية.

وتبعاً للسياق، كثيراً ما تساوي الأفلام في قصصها ذاتها بين الفنانات ومن يمتهن الدعارة. ففي تلك الحقبة المبكرة، كان تصوير الفنانات المحترفات يميز بين المرأة المستقلة التي “تحافظ على نفسها” في هذا الوسط الفني، والفنانة التي تستفيد من المعجبين الذكور لتعيش حياة ساقطة ملأها الجريمة والخداع. ونجد في أدبيات المستشرقين تصويراً لشخصية “العالمة” سيئة السمعة، التي تسلي الرجال بالغناء والرقص في حفلات عربدة صاخبة في منزلها، وهي الشخصية التي أجادت الثلاثية السينمائية الرائعة التي أخرجها حسن الإمام تجسيدها وتقديمها للمتلقي، استنادا إلى ثلاثية نجيب محفوظ الروائية التي كان يطلق عليها “ثلاثية القاهرة”: بين القصرين، (1964)، قصر الشوق (1967)، والسكرية (1973). ففي أول فيلمين من الثلاثية، نشاهد الأب الصارم، الذي يحكم عائلته بيد من حديد ويرفض السماح لزوجته بمغادرة منزلها مهما كانت الأسباب؛ حتى لزيارة ضريح الحسين، وهو يسهر ويعربد في زيارات مختلسة إلى بيوت راقصات مومسات يقطن عوامات على ضفاف النيل.

وكان لذلك التصوير لحياة الليل التي تزخر بـ “نساء يعشن بعيداً عن عصمة الرجال” أثره في تقديم شخصية الراقصة الاستعراضية في أفلام الفترات اللاحقة. ولكن السينما المصرية بقيت بعيدة عن التطرق إلى نمط حياة الراقصات الاستعراضيات (وكان معظمهن يعيش في شارع محمد علي وليس في العوامات النيلية)، اللائي اعتمدن في كسب الرزق على الغناء والرقص الشرقي، وليس امتهان الدعارة، إلا فيما ندر.

وعلى سبيل المثال، هجرت بطلة فيلم “بحبك يا حسن” (1958) (التي لعبت دورها الراقصة الاستعراضية الفذة نعيمة عاكف) منزل أسرتها في الريف للعمل في المدينة الكبيرة وسط فناني فرق شارع محمد علي. ونجحت في التغلب على رفض الرجال لوجودها بينهم، وظلت مخلصة لطموحاتها المهنية، إلى أن تحقق لها النجاح وفق معايير شارع محمد علي (أي من خلال العمل الجاد، وإثبات نفسها كفنانة). ولا ننسى مثالاً آخر، وهو الفيلم فائق الشهرة “خلّي بالك من زوزو” (1973)، على الرغم من أنه يقدم نمط حياة شارع محمد علي باعتباره من بقايا العصر الرجعي الذي يجب أن يرفضه التقدم الحديث.

نعيمة عاكف ومحسن سرحان على غلاف مجلة الكواكب 1951

على أن هناك ندرة في التحليل الجاد لدور الرقص في الفيلم السينمائي المصري، ولا سيما تصوير شخصية الراقصة ودورها في الفيلم. ويضع بعض النقاد الفيلم الاستعراضي الراقص بشكل مباشر ضمن إطار تطور الفيلم الكوميدي المصري، على الرغم من أن العديد من الأعمال الكوميدية لا تتعلق بالترفيه والاستعراض بأي شكل من الأشكال. كما تنتمي بعض الأفلام التي تعرض شخصيات الراقصة إلى نوعية الميلودراما. أما الأفلام التي تدور حول راقصات فغالباً ما تقوم ببطولتها نجمات تمثيل لا يجدن الرقص الشرقي بمستوى الراقصات المحترفات. وقد يكون من الصعب فهم سحر وجاذبية فنانة استعراضية من الماضي بينما يتم تصويرها سينمائياً بهذا الشكل غير اللائق.

ويندرج في هذه الفئة معظم أفلام السيرة الذاتية عن راقصات مشهورات والتي قدمها المخرج حسن الإمام في الستينيات والسبعينيات، ومنها “شفيقة القبطية” (1963). واختيرت الممثلة التي قامت بدور الراقصة شفيقة (هند رستم) ليس من منطلق موهبة في الرقص (فهي لم تكن تمتلكها في الواقع) ولكن لأنها اشتهرت بالقيام بأدوار الإغراء، وأنها النسخة المصرية من “مارلين مونرو”. فلم يكن هناك من هي أبرع منها في تجسيد شخصية راقصة القرن التاسع عشر الشهيرة التي خلبت لب المجتمع الأرستقراطي في مصر ببراعتها في أداء رقصة الشمعدان. أما فيلم “بمبة كشر” (1974)، عن راقصة العشرينيات الشهيرة، فيحتوي على عدد مبالغ فيه من مشاهد الأغاني والرقص الشرقي التي أدتها النجمة نادية الجندي، التي لم تكن تجيد الرقص الشرقي، برغم كونها ممثلة لها جمهورها وتخصصت في الأدوار الجريئة العنيفة التي تجسد الجانب القوي من المرأة.

كما أن العكس صحيح أيضاً: فهناك أفلام أدت بطولتها نجمات حققن الشهرة بالأساس في عالم الرقص الشرقي ولكنها لم تكن تتناول قصة حياة راقصة. وقدمت سامية جمال، الممثلة الاستعراضية والراقصة الرائعة، أفلاماً من هذا النوع في مختلف مراحل نجوميتها. فكان فيلم “أحمر شفايف” (1946) من بين أفلامها الأولى، وقامت فيه بدور السنيد للبطل نجيب الريحاني في قصة مشابهة لقصة فيلم “الملاك الأزرق” الشهير للنجمة مارلين ديتريش (1930)، حيث تحاول امرأة شريرة بلا قلب أن تدمر حياة رجل محترم. وترقص سامية، التي برعت في أداء الشخصية الخبيثة، مرتين في الفيلم، ولكن في سياق الرقص الشرقي الذي يمكن لأي فتاة أن تؤديه ببساطة من دون أن تكون راقصة محترفة؛ مشهد راقص خلال حفلة عائلية، وآخر في حفل خطوبتها، وكانت في كلتا المرتين ترتدي فستاناً عادياً. أما الفيلم الآخر فهو فيلم “سكر هانم” (1960)، وهو النسخة المصرية من “خالة تشارلي” الذي ينتمي إلى نوعية الفارس الفيكتوري.

اعلان فيلم “شفيقة القبطية”، 1936، من اخراج حسن الإمام. الفيلم عن حياة اشهر راقصة مصرية في القرن التاسع عشر، وقصته درامية بالأساس، فقامت ببطولته ممثلة، وليس راقصة محترفة.

روتانا

وعندما تجسد الممثلة غير الراقصة شخصية راقصة محترفة، فإن الغالب هو أن تقدم قصة الفيلم صورة سلبية عن هذه المهنة. وربما يعود ذلك إلى ابتعاد الراقصات المحترفات عن اختيار تلك الأدوار؛ والحقيقة هي أن نجاحهن في عالم الاستعراضات الشرقية هو الذي كان يموّل نجاحهن السينمائي. ولكننا لا نعدم الأمثلة اللافتة في هذا الصدد؛ فتحضرنا النجمة تحية كاريوكا، التي كانت راقصة ممتازة ومحبوبة، وأجادت لعب الأدوار السينمائية التي لم تكن إيجابية دوماً؛ سواءً دور راقصة أو غيره.

لم يكن حضور الراقصات في تاريخ السينما المصرية قوياً إلى ذاك الحد. وربما يعود السبب إلى أن المشاهد الاستعراضية التي خلدتها الأفلام والأدوار التي وافقت الراقصات والنجمات المصريات على أدائها، على الرغم من افتقارهن للكفاءة المأمولة، خلقت مجموعة من المواقف تجاه مهنة الراقصة لم يكن من رد عليها من النجمات الراقصات، ولكنها مثلت بدائل رغبن في تقديمها.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٩ ،

الأكثر قراءة

سنوات البوتقة في تاريخ السينما المصرية
(٥٢-١٩٤٥)

شهدت السينما المصرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مرحلة غير مسبوقة من النضج والتطور الفكري على يد جيل من المخرجين الذين سيكون لهم شأن كبير فيما بعد

أرشيف الفيلم المصري
حكاية إهمال.. مثابرة.. وشغف

جولة في أرشيف السينما المصرية، الذي يكاد لا يكون موجوداً، تصحبنا فيها مسؤولة أرشيف "“سيماتك”"؛ مركز الفيلم البديل بوسط القاهرة، ومساحة تحتفي بتنوع وجمال وقوة الأفلام المحلية والعالمية.

رواية لم تكتمل
الأفلام التسجيلية المصرية في الفترة من 1912 إلى 1980

مشروع قومي تأثر بالأجواء والتوجهات السياسية ولم يحظ بالنجاح المطلوب رغم دعم الدولة له.

آفاق جديدة

تدين السينما المصرية بالكثير لمخرجين طموحين تمردوا على قاعدة "الجمهور عاوز كده"

سينما بديلة، من إنتاج الدولة
في يوم من الأيام..

رغم عدم استمرارها، كانت المؤسسة المصرية العامة للسينما، بما أنتجته من أعمال هامة، مثالاً لأهمية دور الدولة في دعم السينما الغير تجارية.