بقلم فيولا شفيق
ترجمة محمد عثمان

مشروع قومي تأثر بالأجواء والتوجهات السياسية ولم يحظ بالنجاح المطلوب رغم دعم الدولة له.

لم يكتسب الفيلم التسجيلي خصوصيته وتصنيفه المنفرد إلا في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين، بفضل جون جريرسون، رائد الحركة السينمائية التسجيلية في بريطانيا، والذي حدد غايتها في الإطار الاجتماعي، وليس الفني الجمالي. فقد انتبه كثيرون إلى الدور التثقيفي للفيلم السينمائي عندما أدركوا حجم تأثيره خلال الحرب العالمية الأولى. غير أن نموذج جريرسون لم يجد صداه لدى صناع السينما المصريين إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وفي حين أن هذا اللون السينمائي تطور في بريطانيا لينضج، موازناً بين الأغراض التجارية والأبوية التثقيفية والاستقلال السياسي، إلا أن تاريخه في مصر، وحتى الثمانينيات على الأقل، يعد مثالاً للمشروع الذي تاه عن أهدافه، ربما لظروف إنتاجه، ولكن السبب الأهم هو ضياع أرشيفه. فقد اندلع حريقان هائلان، أحدهما في جنبات “ستوديو مصر”، والآخر في مبنى مصلحة الفنون، ليأتي على أغلب ما تم إنتاجه من أفلام خلال حقبة ما قبل الستينيات. وعلاوة على ذلك، أسهمت حالة تخزين الأفلام في المركز القومي للفيلم التسجيلي في أن تضيع مجهودات المؤسسات والأفراد المحبة للسينما هباءً.

وهنا علينا أن نذكر بكل امتنان مجهودات الباحث ضياء مرعي، الذي تصدى من خلال كتابه “تاريخ السينما التسجيلية في مصر” (2003) لذلك الإهمال، بأن عمد إلى تحقيق تاريخ هذا الفن بما أمكنه من دقة وما أتيح له من معلومات. ويدين هذا المقال بالكثير مما فيه من معلومات لكتاب مرعي، بكل ما بذله فيه من جهد حريص مخلص.

قسّم مرعي تاريخ إنتاج الأفلام التسجيلية حتى العام 1977 إلى سبع حقب؛ حقبة البدايات الأولى التي عرفت فيها مصر فن السينما وشهدت تصوير أول فيلم قصير في الإسكندرية يوم 5 نوفمبر 1896، أعقبتها حقبة تلمس الخطوات في العشرينيات، وحقبة الازدهار في الثلاثينيات، والاهتمام المؤسسي في الأربعينيات والخمسينيات، وحقبة ثورة 1952 وهيمنة الدولة في الستينيات، وانتهاءً بحقبة الريادة الفردية والنضوج خلال السبعينيات. أما المرحلتين الأهم في هذا التصنيف الزمني فهما مرحلة تأسيس “ستوديو مصر” في عام 1934 ومن ثم تأسيس وحدة الأفلام التسجيلية عام 1946. وتمثل المرحلة الثانية بداية تدخل الدولة في أعقاب عام 1952. وننوه ايضاً إلى نقطة تحول ثالثة، ولكنها ليست موضوع هذا المقال، وهي تتعلق بالنقلة الرقمية منذ أواسط التسعينيات، والتي أحدثت تغييراً جذرياً في اشتراطات الفترة التي سبقتها.

صور للحياة

ظهر أول فيلم وثائقي من تصوير أحد المقيمين في مصر عام 1912، يوم أن قام “دولاجارن”، صاحب إحدى دور السينما أو بالأحرى نادٍ ليلي في الإسكندرية، بعرض سلسلة من الأفلام القصيرة قدمها أحد هواة السينما الإيطاليين بعنوان “في شوارع الإسكندرية”. ظهرت في تلك الأفلام لقطات لميدان الأوبرا في القاهرة، وسائحون عند الأهرام، وكنيسة سانت كاترين، وشوارع الإسكندرية ومحطة قطار سيدي جابر بطبيعة الحال. بينما صنع محمد بيومي في عام 1923 فيلماً مثّل أول محاولة معروفة لتقديم ما يشبه الفيلم الواقعي، أو الجريدة السينمائية، حيث استعرض لموضوعات تنوعت بين التاريخية والثقافية والاجتماعية وكذلك مستجدات الأحداث في مصر. وظهر في النسخة الأولى من الجريدة، التي أطلقها بعنوان “جريدة آمون”، تسجيل لوقائع عودة الزعيم الوطني سعد زغلول من المنفى.

ولعدم قدرته على مواصلة إنتاج الجريدة، باع بيومي معداته لصالح “شركة مصر للتمثيل والسينما” في عام 1925. وشهد العام نفسه تصوير بيومي وحسن مراد لأعداد جديدة من “جريدة مصر السينمائية”، ثم تولي مراد مسؤولية إصدارها منفرداً. وكان يصدرها أسبوعياً، عدا فترة الحرب ما بين عامي 1943 و1945. وفي عام 1935، تولى “ستوديو مصر” الإشراف على إصدارها، وحولها إلى ناطقة في عام 1938. وعلاوة على ذلك، أنتج الستوديو في حقبة الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) تغطية لها تحت اسم “جريدة الحرب المصورة” بالتعاون مع الجيش البريطاني، واهتمت بتناول مجريات الحرب في أنحاء الشرق الأوسط.

تزايد الاهتمام بذلك النوع من السينما الإخبارية خلال الخمسينيات والستينيات، وصارت “جريدة مصر” تعرض دورياً عبر التلفزيون المصري. وتعاون “ستوديو الأهرام” مع “المركز القومي للفيلم التسجيلي” في إصدار دوريات سينمائية عنيت بقضايا الفن والثقافة. وكان للأفراد دور لافت في هذا الصدد أيضاً. ففي عام 1919، اشترى المصور السينمائي ألڤيزى أورفانلى آلات ومعدات “شركة السينماتوغراف الإيطالية المصرية”، ليصنع العديد من الأشرطة السينمائية التي وثقت لثورة 1919 والعديد من المناطق في مصر. وفي عام 1923، صنع مصور يدعى فيكتور روسيتو فيلماً طريفاً عن “خطر البصق”. وبعد عام، قدم رينيه تابوريه فيلماً بعنوان “السينما في مصر”، في قالب ساخر عن عادات رواد السينما المصريين.

ولم يغفل رواد السينما عما ينطوي عليه هذا الفن من قدرات ترويجية وتسويقية منذ البداية. حيث عرض دولاجارن خدماته على الأثرياء من أصحاب التجارة والأعمال. وفي عام 1915، ظهر عبد الرحمن صالحين، صاحب فندق ودار سينما، واقفاً أمام صرحه التجاري في فيلم قصير. وفي عام 1928، طلب صاحب شركة المحلة للغزل والنسيج من المصورين بيومي ومراد تصوير فيلم سينمائي عن منشآته. وفي العام نفسه، وثّق المصوران سينمائياً لأول عملية جراحية يقوم بها طبيب مصري لإزالة المياه البيضاء من عين مريض.

وكلفت مصلحة التعاون المخرج محمد كريم في عام 1931 بإخراج فيلم عن نشاط التعاونيات في مصر. وأخرج حسن مراد فيلماً آخر عن “مشروع القرش” عام 1932. وأخرج نيازي مصطفى في 1935 فيلماً تسجيلياً بعنوان “بنك مصر وشركاته”، وما ميز هذا الفيلم هو أنه اشتمل على خلفية موسيقية مصاحبة للقطاته.

الدولة تتدخل

ازدهر الإنتاج المؤسسي خلال حقبة الثلاثينيات، مع تزايد وعي الحكومة والشركات الخاصة بالمقدرات التثقيفية والترويجية في هذا الوسيط الفني الوليد. حتى أن شركة زيوت شل العالمية أسست إدارة خاصة للإنتاج السينمائي في عام 1952. واهتمت بإصدار جريدة سينمائية متخصصة، “صور الحياة”، على أشرطة 16 مللم، ثم تطورت إلى 35 مللم، تناولت قضايا الصناعة، ومن ذلك عمليات إنتاج النفط والغاز والصابون والقصدير. على أن من بين أعداد تلك الجريدة عدد لافت بموضوعه التاريخي، وقد صدر بعنوان “بعث التاريخ”، وتكمن أهميته في توثيقه لمراحل نقل تمثال رمسيس الثاني من بلدة ميت رهينة إلى حيث استقر في الميدان الذي صار يحمل اسمه. وكان لتلك الإدارة الخاصة دور كبير من خلال تنفيذها لبرنامج تدريبي أسهم في تقديم العديد من الأسماء اللامعة في عالم السينما التسجيلية، مثل صلاح التهامي وحسن التلمساني.

تأممت شركة شل في عام 1959، وآلت تلك الوحدة السينمائية إلى الدولة، التي هيمنت على هذه الصناعة في أعقاب ثورة 1952. وأضحت وزارة الإرشاد القومي مسؤولة عن مراقبة الأفلام والسينما. وفي عام 1954، تولت مصلحة الاستعلامات مهمة الإنتاج، لتقدم قرابة الستين فيلماً حتى عام 1959.

وشهد عام 1953 تأسيس الجيش المصري لجهازه السينمائي الخاص. وكذلك امتلكت مصلحة السياحة ووزارات الزراعة والصحة والصناعة والشؤون الاجتماعية وحداتها السينمائية المتخصصة. وقررت الحكومة في عام 1957 توحيدها جميعاً تحت مظلة إدارة السينما التابعة لجهاز الفنون. وكانت الأفلام ذات الصبغة السياسية من مسؤولية مصلحة الاستعلامات. وشهدت الفترة من 1957 إلى 1959 إنتاج الدولة لمجموعة من الأفلام التسجيلية التي تناولت موضوعات الفنون والتاريخ والآثار، وأخرى متخصصة من قبيل فن النحت والفلكلور والأوبرا، وكذلك فيلم تسجيلي عن واحة سيوة.

في عام 1957 ظهرت مؤسسة دعم السينما والإنتاج التسجيلي، وقدمت فيلمين، ولكنها سرعان ما تحولت إلى المؤسسة المصرية العامة للسينما، وصارت تحت إشراف وزارة الثقافة والإرشاد، ومن عباءتها خرجت مواهب بارعة في الإخراج السينمائي، مثل خليل شوقي صاحب فيلم “تطور فن النحت” (1960)، وتوفيق صالح مخرج “فن العرائس” (1960)، و”القلة” (1961). ولا ننسى هنا سلسلة الأفلام التسجيلية “رحلة إلى النوبة” (1960) للمخرج سعد نديم، والتي توجها بفيلمه الرائع “حكاية من النوبة” (1963)، ورائعة المخرج حسن رضا “القاهرة في الليل” (1962).

وفي عام 1963، أضحت المؤسسة المصرية العامة للسينما صاحبة الدور الرئيسي. ولا ريب في أن وتيرة التغيير المتسارعة في تلك المسؤوليات أثرت سلباً على الإنتاج المبدع للأفلام التسجيلية. وكان من الطبيعي أن يقوم مخرجو الأفلام التسجيلية فؤاد التهامي وحسن التلمساني وسعد نديم، وهم كذلك أعضاء في التنظيم الطليعي والاتحاد العربي الاشتراكي التابعين للدولة، بتقديم طلب في أبريل 1967 لتأسيس مركز قومي للفيلم التسجيلي. وبالفعل، تأسس المركز. الذي تفرع لاحقاً إلى المركز التجريبي للفيلم (1969 – 1975) تحت إشراف المخرج شادي عبد السلام، والوكالة العربية للسينما (1969 – 1971)، وكان دورها الإنتاج والتوزيع التجاري. وعاد المركز في عام 1971 ليتبع مالياً كلاً من وزارة الثقافة والمؤسسة المصرية العامة للسينما، حتى عام 1973. فكان من المنطقي أن يندر الإنتاج التسجيلي، وألا تشهد الفترة من 1975 إلى 1977 سوى تسعة أفلام.

وكان داعي مناشدة صناع الأفلام التسجيلية للدولة كي تدعمهم وتساندهم هو تنامي الهوة بين النزعة الفنية للأفلام والجوانب التجارية المتعلقة بها. فقد كان هدف أغلب المنتمين إلى المركز القومي للفيلم هو تقديم أعمال تخدم القضايا الاجتماعية والسياسية، ونشطوا تماماً في هذا الصدد. ولكن المعضلة تمثلت في التوزيع التجاري لتلك الأفلام، علاوة على عرضها. ووجدت بعض تلك الأفلام مجال عرض في قصور الثقافة ومراكز الخدمة المجتمعية، خاصة وأنها مؤسسات تعنى بتقديم ألوان الفنون والثقافة الحديثة لفئات المجتمع الأقل حظاً.

البحث عن جمهور

ويأتي عام 1970، ليشهد تدشين المهرجان القومي للسينما التسجيلية، والذي تحول لاحقاً إلى مهرجان الإسماعيلية السينمائي الدولي. وأسس الصناع والنقاد “جمعية السينمائيين التسجيليين” في 1972 لتشجيع حركة النقد السينمائي. وتمثلت صعوبات عرض الأفلام التسجيلية في حقيقة أن التلفزيون العربي، الذي تأسس عام 1960، كان مكتفياً بذاته إنتاجياً ولم يفسح أي مجال عرض لأي إنتاج خارجي. وأنتج خلال الفترة من 1966 إلى 1975 ما لا يقل عن الثمانين فيلماً. ومن أهم تلك الأفلام التسجيلية سلسلة مبتكرة أخرجها العبقري علي الغزولي وسجل من خلالها هوية مصر الحقيقية بروحها وحضورها وتفردها.

كان المجال أمام مغامرات الإنتاج الخاص ضيقاً. ولكن بعضها يسترعي الانتباه بسبب طبيعة التيارات التي تبنتها، ومن ذلك فيلماً تسجيلياً من إنتاج جمعية الشبان المسلمين (1948) تناول قضية أطفال الشوارع، وفيلم آخر بعنوان “رحلة إلى دير درنكة بأسيوط” (1949)، وأنتج “ستوديو الأهرام” في عام 1952 فيلماً من إخراج جمال مدكور تناول الآثار المسيحية بعنوان “دير سانت كاترين” (حصل الفيلم على جائزة مؤتمر الفيلم الدولي في الهند). وهذا علاوة على ستة أفلام من إنتاج المؤتمر الإسلامي بدايةً من عام 1954، وتناولت تاريخ الآثار الإسلامية، وقد عرضها التلفزيون مرات عديدة.

ومن واقع ما وصل إلينا من أدبيات موجزة عن السينما التسجيلية خلال تلك الحقبة، فإن الأفلام التسجيلية السياسية، وأفلام مونتاج الصور، وكذلك سينما الحقيقة Cinéma vérité بقيت أنواعاً غير شائعة حتى السبعينيات، مقارنة بانتشار الأفلام الدعائية (بروباجاندا)، أو التعليمية أو السياحية. ونجد مثلاً أن المنتج رمسيس نجيب طلب من صلاح أبوسيف إخراج فيلم عن السودان في عام 1955. وفي الستينيات، خلال فترة الوحدة مع سوريا، ظهرت عدة أفلام عن سوريا ومدنها وآثارها ونشاط حرفييها. كما كانت الأفلام الدعائية التي سلطت الضوء على مظاهر التقدم الصناعي والتقني نوعاً لافتاً منذ الثلاثينيات. وكثيرة هي الأفلام التي ظهرت خلال سنوات بناء السد العالي (1958 – 1968)، ولكن من أهمها سلسلة أفلام بعنوان “مذكرات مهندس”، خلال عامي 1961 و1962.

اتسم أغلب ما تم إنتاجه حتى في الحقبة التي سبقت ثورة 1952 بصبغة حداثية واضحة، نزعت إلى التأكيد على ما تشهده البلاد من تنمية وتقدم ثقافي واقتصادي. ومن الأمثلة اللافتة إلى ذلك، شكوى المخرج محمد كريم من عدم التزام زوار حديقة حيوان القاهرة بارتداء أزياء ملائمة للمكان، ومن أن السيدات يرفضن التصوير إلا بعد وضع الخمار، فلم يجد كريم بداً من دعوة أصدقائه وصديقاته ممن يتبعون نمط الحياة الأوروبي، حتى يتمكن من تصويرهم على النحو الذي يريده.

ويصعب علينا تحديد الحقبة التي تحولت فيها الأفلام التسجيلية المصرية عن اتباع أسلوب النقل المجرد للحقائق، من خلال مشهد أو عدد من المشاهد التي تعرض لمكان أو حدث، إلى مدرسة الفيلم التسجيلي القائم على طرح قضية للنقاش بمقاربة تجريبية جدلية. والأغلب أن تلك النقلة واكبت بزوغ نجم جيل جديد من مخرجي الأفلام الروائية وظهور أكثر من مونتير محترف؛ وهنا نذكر أسماء من قبيل محمد كريم، صلاح أبوسيف، ونيازي مصطفى. والواقع أن هذا الجيل استغل مستوى من التجريب والتطوير، حتى أن أحد الأفلام التسجيلية التي انتجها ستوديو مصر في عام 1973، وكان عن رحلة الحج إلى مكة المكرمة، وصل إلى مستوى رفيع أهله للمشاركة والعرض في مهرجان فينيسيا السينمائي.

ولا ريب ان دور سعد نديم كان محورياً في ترسيخ هذا القالب السينمائي، وخاصة بعد توليه إدارة وحدة الأفلام التسجيلية في ستوديو مصر عام 1946. وقد سافر في 1950 لتلقي دورات تدريبية في بريطانيا، وهناك التقى بول روتا، وكذلك حضر دورة تدريبية نفذها جريرسون. وأضحى نديم من الأسماء اللامعة في دنيا الإخراج السينمائي. ونال جائزة اتحاد صداقة الشعوب خلال مهرجان لايبزج السينمائي عن فيلمه “الطريق إلى السلام” (1966)، والذي تناول خلاله قضايا الفقر في العالم في أعقاب عقدين من الحروب.

ولم يكن نديم وحده في الجبهة الوطنية المناوئة للاستعمار. ففي 1969، استغل نهاد بهجت لوحاته في إخراج فيلماً تسجيلياً حمل عنوان “لا”، تعبيراً عن اعتراضه على الهزيمة. وكتب الناقد السينمائي سامي السلاموني سيناريو فيلم “كاوبوي” (1973)، وكان وثائقياً ساخراً من الإمبريالية الأمريكية. وخلّد فؤاد التهامي تضحيات الجنود المصريين في فيلمه “شدوان” (1970)، وكذلك فعل خيري بشارة في فيلم “عبد العاطي صائد الدبابات” (1974)، وشادي عبد السلام في “جيوش الشمس” (1974).

ومع ذلك، تميزت حقبة السبعينيات بنقلة جذرية في الأسلوب والفكرة، وتمردت الأفلام على النمط التقليدي نوعاً ما، وعلى نموذج جريرسون والاعتماد على سيناريو محدد. وظهر بعضها جريئاً في حدة نقده للنظام الاجتماعي السائد، وتناولت تدني معدلات التنمية وقصور الخدمات الحكومية وتخلفها، في ضوء انفتاح السادات على الغرب آنذاك. ومن الناحية التقنية، استمرت حاجة أغلب الأفلام إلى سيناريو نصي، وتسجيل صوتي منفصل عن الصورة، بسبب نقص الخامات وصعوبة تحديث الآلات والمعدات السينمائية.

ويلزمنا أن ننوه إلى أن فيلم “النيل أرزاق” لهاشم النحاس (1972) وفيلم “حصان الطين” لعطيات الأبنودي (1971) قدما مقاربة واقعية لافتة لموضوعيهما التسجيليين عن صيادي السمك والعمال. وقدم المخرج داوود عبد السيد محاكاة صوتية ساخرة في فيلمه الذي حمل عنوان “وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم” (1976) ينتقد من خلالها سياسات حكومة السادات تجاه العملية التعليمية في الريف. وقدم لنا خيري بشارة ما يشبه البورتريه الشاعري الرقيق في “طبيب في الأرياف” (1975) برغم المقاربة الحداثية الصريحة. ويجدر بنا أن نذكر كل من حسام علي وإبراهيم الموجي وعاطف الطيب ومنى مجاهد ضمن أسماء برعت في تقديم الفيلم ذي الصبغة الاجتماعية والسياسية.

ويتضح لنا صعوبة الإقدام على إنتاج أفلام تجريدية أو تجريبية، باستثناء عدد محدود من الأفلام؛ منها أول فيلم وثائقي ملون؛ حيث لعب “الأجنحة الملونة” (1949) على العلاقات والتنويعات التشكيلية في أجنحة الفراشات، وفيلم مدكور ثابت “ثورة المكن” (1968)، وما قدمته وحدة الأفلام التجريبية من إنتاج، كان أبرزه فيلم “آفاق” لشادي عبد السلام، والذي استعرض فيه وضع الفنون في مصر عام 1972، وفيلم سمير عوف “لؤلؤة النيل” (1972)، وفيه جرّب التركيز على المونتاج والاستغناء عن التعليق الصوتي المصاحب للصورة. 

وعلى الرغم من أن حقبة أواخر الستينيات والسبعينيات تعتبر فترة التنويع الأولى التي شهدت محاولات إثراء المقاربة التسجيلية بصبغة الأفلام الواقعية مع مسحة من السخرية من الأوضاع السياسية والاجتماعية، مما ينم عن خروج على المدرسة التقليدية التي تبنى فيها مخرجو الأفلام التسجيلية خطابات وإيديولوجيات قريبة إن لم تكن مطابقة لما تتبناه المؤسسة السياسية، إلا إن إشكالية القالب بقيت قائمة بتأثيرها السلبي وذلك بسبب تدخل الدولة بصورة غير بناءة، واستمرار الرقابة، بأساليب غير مباشرة من قبيل تجفيف الموارد التي تعتمد عليها هذه الصناعة. ولكن ذلك لا ينفي التاريخ الطويل الثري للسينما التسجيلية في مصر… وإن كان تاريخاً ضاع أغلبه.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٩ ،

الأكثر قراءة

سنوات البوتقة في تاريخ السينما المصرية
(٥٢-١٩٤٥)

شهدت السينما المصرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مرحلة غير مسبوقة من النضج والتطور الفكري على يد جيل من المخرجين الذين سيكون لهم شأن كبير فيما بعد

أرشيف الفيلم المصري
حكاية إهمال.. مثابرة.. وشغف

جولة في أرشيف السينما المصرية، الذي يكاد لا يكون موجوداً، تصحبنا فيها مسؤولة أرشيف "“سيماتك”"؛ مركز الفيلم البديل بوسط القاهرة، ومساحة تحتفي بتنوع وجمال وقوة الأفلام المحلية والعالمية.

الرقص والراقصات في السينما المصرية

على الرغم من صعوبة تقبل المجتمع لمهنة الراقصين، ألا ان هذا المجتمع نفسه مولع بالرقص والإستعراض حتى ان الفيلم الذي يخلو منهما غالباً ما يفشل جماهيرياً

آفاق جديدة

تدين السينما المصرية بالكثير لمخرجين طموحين تمردوا على قاعدة "الجمهور عاوز كده"

سينما بديلة، من إنتاج الدولة
في يوم من الأيام..

رغم عدم استمرارها، كانت المؤسسة المصرية العامة للسينما، بما أنتجته من أعمال هامة، مثالاً لأهمية دور الدولة في دعم السينما الغير تجارية.