بقلم هدى القللي

لألاف السنين، شاهد حى الأزبكية، اناس من كل حدب وصوب، من امراء ونبلاء وجنود الى رعايا اجانب، وفنانين، وحتى بائعات المتعة. كان الحي بمثابة بوتقة انصهرت فيها ثقافات وطرز معمارية وافكار متعددة، ومازال حي الأزبكية يثير الشغف بالإستكشاف حتى اليوم.

(…) سنة ثمانين وثمانمائة، فيها كان ابتداء منشأ الأزبكية على يدى المقر الأتابكي أزبك من ططخ الظاهرى، الذي نُسبت الأزبكية إليه، أقول: وكانت هذه البقعة أرض ساحة خراب، ذات كيمان في أرض سباخ، وبها أشجار أثل وسنط، وبها مزار سيدي عنتر وسيدى وزير، وغيرهما من الأولياء رضي الله عنهم، وكان في هذه الأرض جامع خراب يسمى جامع الجاكى (…) واستمرت على ذلك مدى طويلة لم يلتفت إليها أحد من الناس (…) إلى سنة ثمانين وثمانمائة، فى دولة الملك الأشرف قايتباى، فحسن ببال الأتابكي أزبك أن يعمر هناك مناخاً لجماله، وكان ساكناً بالقرب من هذه البقعة، فلما أن عمر المناخ حلا له هناك العمارة، فبنى القاعات الجليلة، ثم الدوّار والمقعد والمبيتات والحواصل وغير ذلك، ثم إنه أحضر أبقار ومحاريث وجرف الكيمان التى كانت هناك ومهدها، تم حفر بهـا هذه البركة الموجودة الآن، وأجرى إليها الماء من الخليج الناصري، وجدد عمارة قنطرة خليج الذكر التي كانت قديمة (…) وأصرف على ذلك مالاً له صورة ما يزيد على مائتى ألف دينار (…) ثم شرعت الناس تبنى على هذه البركة القصور الفاخرة والأماكن الجليلة، ولا زالت تتزايد في العمارة إلى سنة إحدى وتسعمائة، وقد رغب الكثير من الناس في سكنى الأزبكية، وصارت مدينة على انفرادها، ثم أنشأ بها الجامع الكبير وجعل به خطبة، وأنشأ به المئذنة العظيمة، وجاء غاية فى الحسن والتزخرف والبناء. ثم أنشأ حول هذا الجامع الربوع والحمامات والقياصر والطواحين والأفران وغير ذلك من المنافع، وسكن في تلك القصور وتمتع بها مدة طويلة، حتى مات وبقى له تذكار بالأزبكية.

من كتاب “بدائع الزهور في وقائع الدهور”

لمحمد بن إياس الحنفي

هكذا أورد بن إياس ذكر الأزبكية… غير أن الحكاية تعود إلى عدة قرون سابقة. كيف إذن تحولت الأزبكية من “أرض ساحة خراب” إلى أرض “القصور الفاخرة والأماكن الجليلة”؟ من كان شخوص الحكاية وأبطالها؟ وما هو تاريخها ومآلاتها؟

البدايات: الفتح العربي لمصر

عندما وصل العرب الى مصر عام 639 ميلادية، كان النيل يمر بمنطقة باب الحديد [1] وكانت وقتها تسمى بـ”أم دنين”، وكانت بمثابة ميناء القاهرة على النيل. وعُرفت الميناء في مرحلة لاحقة باسم ميناء المقسى (المكس) حيث كان يتم فيها تحصيل المكوس [2].

وفى القرن العاشر الميلادي، شق كافور الإخشيدى [3] ترعة لري بستانه بمنطقة المقسى، عُرفت بترعة الذكر (الجاكار). وشيد فوق هذه الترعة قنطرة فوقها دكة لكي يجلس عليها الناس أثناء تنـزههم، فعرف المكان باسم “قنطرة الدكة”.

الأزبكية في العصر الفاطمي

ولما تولى الحاكم بأمر الله المنصور – الخليفة الفاطمي السادس – الحُكم  في 996 ميلادية، أمر بإنشاء جامع المقسي فى المنطقة [4]. وفي عام 1020 ميلادية، شيد بها الخليفة الظافر الفاطمى منظرة عُرفت بـ”منظرة المقسي” لينـزل بها ويشاهد منها خروج الأسطول من ميناء المقسي. غير أن المنظرة عانت من الإهمال وخربت مع مرور الوقت.

الأزبكية تحت الدولة الأيوبية

وفى القرن الثاني عشر الميلادي، عَهَد صلاح الدين الأيوبي إلى وزيره “قراقوش” بمد سور القاهرة البحرى حتى ميناء المقسي، وبنى عليه باباً سُمي بـ”باب البحر”. وبعد تركيب بوابة حديدية على الباب عُرِف بـ”باب الحديد”. ولتحصين القاهرة، شيد قراقوش قلعة سميت بـ”قلعة المقسي” كانت عبارة عن برج كبير يطل على النيل. ومع مرور الزمن، تهدم البرج وأدرك الاهمال والخراب المنطقة من جديد.

وبقيت الأراضى الزراعية في جنوب جامع المقسي تغمرها مياه فيضان النيل سنوياً. ونظراً لانخفاض مستوى أرضها، تكونت فيها بركة لا يجف ماؤها فترة طويلة من العام، عُرفت بأسماء عديدة منها “بركة المقسي” و”بركة بطن البقرة”.

العصر الذهبي للأزبكية: الدولة المملوكية

وفى عهد الملك الأشرف قايتباى سلطان الديار المصرية (1412 – 1496 ميلادية) سكن الأمير المملوكي “أزبك بن ططخ” الأتابكى [5] في تلك المنطقة. فشرع في إزالة الأتربة التى كانت تغطيها، ومهد أرضها، وأنشأ مناخاً [6] للجمال، ومدّ البركة بالماء من الخليج الناصري، وطهّرها وعمقّها وأقام حولها رصيفاً من الحجر لمنع تساقط الأتربة فيها، ونشر حولها المقاعد وأحاطها بالبساتين.

 وبعد أن اكتمل تطهير البركة وتوسيعها وتعمير البساتين، شرع أزبك في إقامة العمائر، فشيد قصره – الذي يُحكى أنه كان آيةً فى الجمال والزخرفة – وزوده بأفخر الفراش والرياش،  وأقام  مسجد أزبك، وشيد الربوع، والحمامات، والقاعات، والطواحين، والأفران. وشيئاً فشيئاً، أصبح الحي من أرقى أحياء القاهرة السكنية وأجملها وأغناها، وأقبل الأعيان والأمراء على السكن حول البحيرة التى تحيط بها المنازل الجميلـة. وبعد إتمام هذه الجهود، وهب السلطان قايتباى أرض الأزبكية للأتابكى “أزبك”، وعُرفت المنطقة – كما يقول بن إياس – حينها بــ”الأزبكية”.

و في هذه الفترة، راح الأمير أزبك يوجد المناسبات لإقامة الاحتفالات والأفراح والليالى الملاح بالأزبكية. فكان يدعو الأمراء والأعيان، ويمد موائد الطعام بكل ما لذ وطاب، ويمتد السهر وقضاء الليل فى بهجة وسرور في الاستماع للمغنيات ومشاهدة الراقصات.

مسرح الأزبكية (الأول) في عام 1870

من مجموعة ماكس كاركيجي

الأزبكية في العهد العثماني

ومع دخول العثمانيين مصر في سنة 1517 ميلادية، شدد قاضي العسكر العثمانى [7] الرقابة على النساء ومنعهن من الخروج ولم يستثن الا العجائز منهن، ومنع صنع الأحذية للنساء، كما منع ركوبهن الحمير للتنقل. وعند مغادرته البلاد، خرجت غوازي الأزبكية وسهرن ورقصن وعربدن، وكانت ليالي حمراء لا مثيل لها. ومنذ هذا الوقت، عُرفت المنطقة المحيطة ببركة الأزبكية [8] بوجه البركة (أو “وش البركة”)،  وأصبحت محلاً للهو البرئ وغير البرئ، وليال الأنس والفرفشة، ومرتعاً للفجور والفسوق. وجلبت دور اللهو البنات الشركسيات والأجنبيات خصيصاً لخدمة روادها.

وقرابة عام 1747 ميلادية، شيّد الأمير رضوان كتخدا الجلفي أمير مصر قصرًا كبيرًا على الحافة الشرقية لبركة الأزبكية. وعُرِف القصر باسم “العتبة الزرقاء”، لأن بوابته التي كانت تؤدي لشارع الأزهر كانت زرقاء اللون. وقد وصف الجبرتى البذخ الذى كان رضوان كتخدا يعيش فيه، وكيف كان يحيط نفسه بالوجوه الملاح ويجاهر بالمعاصي. وفى أيام كتخدا، إنتشرت الفوضى الخلقية فى وش البركة، فصارت قِبلة طالبي المتعة فى الليل، بينما ظلت نزهة سكان القاهرة في ساعات النهار، يخرجون إليها فى أيام الجمعة بعد الصلاة وفي الأعياد للترويح.

وبالرغم من ذلك، فقد بقيت بعض الشخصيات الهامة والعائلات العريقة خلال هذه الفترة تقيم فى منازل كبيرة تطل على بحيرة الأزبكية، مثل على بك الكبير وزوجته نفيسة هانم البيضاء، ومحمد بك الألفى، وعائلات البكرd، والشرايبى، والشيخ المهدى، والشيخ المحروقي، وغيرهم.

وظلت الأزبكية في العهد العثماني محلاً لإقامة الاحتفالات الكبيرة فى المناسبات المختلفة، وخاصة الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، الذي ظل يقام فى ساحة تقع جنوب الأزبكية حتى الثلاثينات من القرن العشرين الميلادى – حيث تم نقل الاحتفالات إلى ساحة فى صحراء العباسية.

منظر لبحيرة الازبكيه يظهر فيه اطلال المبانى المملوكية التى دمرها جيش نابليون

الأزبكية تحت الحملة الفرنسية

وعند قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر في سنة 1798 ميلادية، إتخذ نابليون من قصر محمد بك الألفي على ضفاف بحيرة الأزبكية مقراً لقيادته، وسكن قواده فى القصور المحيطة. فكان أن هجر سكان المنطقة قصورهم. وقد قدر أحد علماء الحملة الفرنسية مساحة الأزبكية آنذاك بثلاثة أضعاف مساحة ميدان لويس الخامس عشر [9].

ومثل الكثير من أحياء القاهرة، فقد أصاب الأزبكية الدمار من جراء قصف مدافع الفرنسيين وقت الحملة الفرنسية. ومن بين ما هُدِم من قذائف مدافعهم كان جامعي المقسي والكخيا، وحولوا جامع الرويعى لخمارة وجامع أزبك [10] الى سوق تجارية. وفي سنة 1799 ميلادية، تم نقــل البطريكيــة القبطيــة من حارة الروم بقسم الدرب الأحمــر إلى شمال غــرب بحيرة الأزبكية.

وبعد خروج الفرنسيين، أقام خسرو باشا [11] فى بيت الألفى بك، إلى أن هجم عليه جنود الأرناؤوط  فاضطُر إلى الهروب من مصر.

العائلة العلوية: عصر ذهبي جديد للأزبكية

ولما كان عام 1805 ميلادية، لمع نجم  محمد على باشا وأصبح والياً على مصر بمساعدة العلماء والأعيان المصريين. فأقام فى أول عهده فى منـزل بشرق حي الأزبكية – حيث استلم مرسوم توليته – وقام بإعادة تنظيم الحي، إلى أن ترك هذا المنـزل لحريمه وانتقل إلى قلعة صلاح الدين – جاعلاً منها مقر حكمه.

وفي عهد محمد سعيد باشا – الذي تولى الحكم في 1854 ميلادية – زاد عدد الأجانب فى مصر، إذ شجتعهم قوانين الامتيازات الأجنبية ونشوب الحروب فى أوروبا على الاستيطان فى مصر نظراً لتعدد فرص الثراء السريع. بينما جذبت كتابات المستشرقين العديد من السياح لزيارة مصر. وقد تطلب وجود الأجانب إقامة الفنادق والمقاهي والمتاجر ومحال البقالة الافرنجية والمخابز ومحال الحلوى وبعض المحال التى تخدم أذواق وطلبات الأجانب مثل الساعاتى والترزى والحلاق والمكتبات ومحلات الهدايا والدخان والتذكارات، بالإضافة إلى دور اللهو والقمار.

تذكرة دخول لحديقة الأزبكية من بدايات القرن العشرين

و مع مجئ الخديو اسماعيل للحكم في 1864 ميلادية، غير معالم حي الأزبكية بالكامل. فأمر بردم  البركة وأنشأ حديقة الأزبكية على جزء منها، وأعاد تخطيط المنطقة بانياً مبان حديثة وأحياء جديدة مثل “حي الأفرنج” شرق الأزبكية الذي سكنه قناصل الدول الأوروبية، وبجوارهم الأجانب من شوام، وأرمن، ويونانيون، ويهود. فأصبح قسم الأزبكية مثل همزة الوصل بين القاهرة القديمة وحي الاسماعيلية الذي كان آنذاك قلب قاهرة الخديو إسماعيل الحديثة.

وفي عهد الخديو توفيق (1879 – 1892 ميلادية) نشأ حي التوفيقية – وقد كان أرضاً منخفضة تغمرها مياه البرك، حتى أمر الخديو بردمها وتخطيط الحي، فبدأ العمران يزحف إليه. وفي أوائل القرن العشرين، شيد ابنه الخديو عباس حلمي الثانى عماراته المشهورة فى شارع عماد الدين، واشتهر هذا الشارع لوقوع الملاهي والمسارح والمقاهي ودور السنيما به.

ومع قدوم جيش الاحتلال البريطاني لمصر في عام 1882 ميلادية، ظهرت بيوت الدعارة المرخصة الأجنبية والمحلية في الحي. وامتدت تلك الدور إلى شارع كلوت بك وقنطرة الدكة.

وهكذا، خلال ما يزيد عن ألف سنة، ضمت الأزبكية دور العبادة والحدائق والمتاجر والمسارح والملاهي والمطاعم والمقاهي والفنادق ودور اللهو ومصانع السجائر ومقار الإسعاف والبريد والمطافئ ومحطة السكة الحديد والمحطات الرئيسية للترام والمترو وأسواق الجملة والمتاحف وسكنها رجال الدين والحكام والوزراء والعظماء، جنباً إلى جنب مع الصعاليك والغوازي والمومسات فى بيوت الدعارة! 

و حتى اليوم، مازالت بعض مباني الأزبكية تحمل مسحة جمال ورونقاً يشهد على تاريخها الماضي.

________________________________________

[1] ميدان رمسيس حالياً

[2] أي الجمارك

[3] أبو المسك كافور الإخشيدي، لقبه الليثي السوري (292 – 357 هـ / 905 – 968 م). كان من رقيق الحبشة وأصبح رابع حكام الدولة الإخشيدية في مصر والشام

[4] مكان جامع “أولاد عنان” الحالي

[5] أي القائد

[6] أي موقف

[7] فى العصر العثمانى احتل القضاة مكانة كبرى فى مصر، وغدا قاضى العسكر هو الحاكم الشرعى فى مصر الموازى فى المكانة للحاكم السياسى «الباشا»

[8] اليوم يتبع بعضها قسم الأزبكية، ويتبع البعض الآخر قسم الموسكى

[9] ميدان الكونكورد الحالي بباريس

[10] الذى أزيل بعد ذلك فى عصر الخديو إسماعيل

[11] وكان والي مصر المعين من قِبَل الباب العالي (السلطان العثماني)

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٢ ، ٢٠١١

الأكثر قراءة

أفراح الأنجال

عندما كانوا الجدود يريدون ابداء اعجابهم الشديد بإحتفال مبهر، او عرس فخم، كانوا يوصفوه بأنه "ولا أفراح الأنجال"! ولكن من هم هؤلاء الأنجال؟ ومتى أقيمت أفراحهم؟ ولما يضرب بها المثل؟ وايضاً..لماذا سمي شارع في حي المنيرة بـ"افراح الأنجال"؟

صيدناوية مصر
رواية الصعود والأفول

اخوان من روم كاثوليك مدينة صيدنايا السورية يأتيان الى مصر فى عصر الخديو اسماعيل، ويؤسسان امبراطرية تجارية بقى اسمها حتى يوم فى مختلف انحاء القطر المصرى.

مزمزيل جاردن سيتي

تمشى فى شارع مبانيه كما وصفت لك وتقرأ "شارع الطلمبات”، مع أنه لا أثر به لمكان يمكن أن يحوى طلمبات، وتحار أين هى "السراى الكبرى” ولماذا بنوا "ورشة التمباك” فى حى سكنى راقى وما علاقة "معمل السكر" بهذه المبانى الأصيلة؟ وسكتشف ان قراءة تاريخ حديقة القصر العالى هى التى ستحل لك طلاسم أسماء شوارع جاردن سيتى.

عندما يلتقى اللون الأخضر بصحراء ابو صير

في أبوصير، خلق المهندس طارق لبيب مساحة فريدة للمعيشة والعمل. وفى المقال، نقوم بجولة حول هذه التحفة المعمارية الحديثة المستلهمة من التراث والطبيعة.

المجمع.. وأخواته

بعد حرق المجمع العلمى الذى لم يسمع عنه معظم المصريين من قبل، كان لزاماً علينا ان نلقى الضوء على تاريخه واهميته، وعلى بعض من المعاهد العلمية الأخرى المنسية فى مصر.

نازلى فاضل
أأميرة التنوير... ام عميلة الإحتلال؟

تمثل الأميرة نازلى فاضل نموذجاً نسائياً فريداً فى تاريخ مصر المعاصر، بل فى تاريخ الشرق بأسره. فلم تعرف أقطار المشرق امرأة تمكنت من اجتياز الحواجز الاجتماعية والسياسية والثقافية التى فرضتها معطيات ذلك العصر عليها كامرأة وكأميرة، على نحو ما استطاعت نازلى.