بقلم منة الله الدري
ترجمة نوران ابراهيم

بالرغم من أن الامتناع عن الطعام كان أحد أعمدة الحياة الرهبانية، فإن الأديرة كانت تعجّ بالحياة، وتخبرنا بالكثير عن الطعام المتاح في العصور المبكرة للمسيحية في مصر.

في عصور المسيحية الأولى، هجرَ كثير من الرجال (والنساء أيضًا) حياتهم سعيًا وراء العزلة والتعبُّد. وذاع صيت الكثير منهم وأضحوْا مضربَ الأمثال؛ لمجاهدتهم النفس وزهدهم في الدنيا بالصيام المضني. فكان الخبز والملح والماء الأطعمة المعروفة الوحيدة التي قِيلَ إن الرهبان كانوا يتناولونها عادةً. ولكن الأنظمة الغذائية للرهبان والراهبات فيما بين القرنيْن الثالث والسابع الميلادييْن كانت أكثر تنوعًا من ذلك بكثير.

غيرَ أن الوجبات الجماعية كانت تُقدَّم عادةً في حجرة الطعام العامة، مؤلَّفة من الجبن (الذي كان يقدَّم فقط خارج فترات الصيام) والمخللات والخضراوات الورقية والزيتون والخضراوات المطبوخة أو النيئة. ولكن مَنْ ألزموا أنفسهم بصيام أكثر صرامة كانوا يتناولون طعامهم منفردين في صومعتهم، أو لا يأكلون. وإن كان الآباء يفضلون الاحتفاظ على الدوام بخبز ليقدمونه لزوارهم؛ فحسن الضيافة – حتى في أثناء فترات الانقطاع عن الطعام – كان شيئًا مثمَّنًا للغاية.

تختفي تقريبًا الإشارات إلى تحضير المواد الغذائية – مثل التقطيع والتقشير والقشر والدقّ والنقع وطرق التسخين – من النصوص الأدبية. ولكن تعاليم هورسيسيوس، التي كتبها أحد تلامذة الأنبا باخوم في القرن الرابع، استثناء من القاعدة؛ ففيها يعطي الكاتب لمحة عامة عن لوجستيات الطهي وتحضير الطعام للإخوة الرهبان. حيث ينصح- على سبيل المثال- الخُدَّام بغسل الترمس مرَّة أو مرتيْن يوميًّا، وأن يتركوه تحت مياه جارية، إذا ما أمكن ذلك؛ للتخفيف من رائحته النفاذة. كما أنه يضيف إرشادات بشأن كيفية إشعال النار في الأفران أو المواقد للتأكد من أن الأطعمة المطبوخة، مثل القمح أو العدس، ستنضج تدريجيًّا وبشكل جيد.

كازازيان، أرشيف دامبارتُنمطبخ دير الأنبا أنطونيوس بجبال البحر الأحمر، 1930 – 1931. أوكس.

وكان الخبز، المعروف في اللغة القبطية بـ”أويك” أو “كاكيه” – الكلمة الدالة على الأرغفة، والتي فاجأنا تماثلها والكلمة العربية كحك والإنجليزية كيك cake – المصنوع  من القمح، أحد الأنواع الأساسية الأكثر شيوعًا. فقد كان القمح ذاته يُستخدم أيضًا كعملة بشكل أو بآخر؛ فيُستبدل ويُباع ويُستخدم لدفع الأجور. ولاحظ قسطنطين تيشندورف في القرن التاسع عشر أن “الخبز المغموس في خليط… من العدس والبصل وزيت بذر الكتان (الزيت الحار)” كان يمثِّل طعام الرهبان في دير الأنبا مقار في وادي النطرون. فاعتبره نظامًا غذائيًّا فقيرًا، وأرجع إليه اعتلال صحة الآباء.

وعلاوة على العدس، كانت هناك تشكيلة من البقول المتاحة، مثل الحمص. إلى جانب الخضراوات التي شملت: الزيتون، المملَّح أحيانًا، والبصل والكرنب والثوم والخبيزة والرِّجلة والقرع. وسادَ اعتقاد مؤداه أن الكراث يُنعش البدن، ويشنُّ الحرب على الروح، وكذلك نُصحَ بعدم تناول الخسِّ بوصفه إحدى المواد الغذائية الواجب عدم استخدامها لأسباب لم تتضحْ بعدُ. لكن على الرغم من محدودية أنواع الزيوت المستخدمة، فقد جرى توثيق تشكيلة منها: زيوت بذر الكتان والفجل الحارّ والسمسم والزيتون. وكان الخلُّ يُستخدم لحفظ المواد الغذائية أو تخليلها، ولكن نادرًا ما يأتي ذكر التوابل في النصوص. وكانت الفواكه مثل التين والعنب والبلح تُستهلك في صورتها الطازجة والمجفَّفة.

بَيْدَ أن الحبوب والخضراوات والفاكهة كانت تُزرع إما في مساحات صغيرة من الأراضي، وإما في بقاعٍ من أراضٍ أكبر تملكها الأديرة. وربما كان يجري التبرع بها أو مقايضتها في مقابل مصنوعات الآباء اليدوية. بينما استخدم البلح لتسوية الديون باعتباره سلعة متداولة في وادي سرجة، على نحو ما وردَ ذكره في الإيصالات.

وكان النبيذ سلعة قيمة؛ حيث شاعَ ذكر كروم العنب. فعُرفت أنواع عدة من الأنبذة، ولكن الموقف منها تباين ما بين القبول بتناولها باعتدال إلى “الجهل” التام بها من قِبلِ الرهبان والتأكيد على عدم الاعتداد بها. ولكن لم يكن من غير المعهود أن يثملَ الرهبان ويتسلقوا الأسطح!

كذلك كان يردُ ذكر اللحوم بين الحين والآخر في النصوص التي عُثر عليها في المواقع الأثرية الديرانية، ولكن استهلاكها كان محدودًا ليس فقط للقيود الدينية ولكن لأسباب اقتصادية في الأغلب الأعمّ. فكثير من اللحوم والأسماك والطيور المتاحة كانت تُدَّخر للمرضى والضيوف بخاصَّةٍ. لكن ربما تكون أنواع الطيور قد تضمَّنت الدجاج والحمام والبط والإوز والسمان وفصائل أخرى أيضًا. كما كانت لحوم الماعز والخراف والأبقار والخنازير تُستهلك أيضًا. وقد عُثر على أسماك ورخويات من النيل والبحريْن المتوسط والأحمر في مواقع داخلية في الصحراء، وليس على ساحل البحر أو النيل فحسب!

وسُمحَ للمرضى بالطبع بالحصول على بعض الإعفاءات، مثل شمول الفاكهة نظامهم الغذائي. وجرتْ زراعة التين في بعض الأحيان لتلبية حاجات المرضى، كما  كان التين الناشف يُسلق للمرضى. لكنَّ جزءًا من الفاكهة (أو الحلويات) التي يُحضرها الزوار كان يُرسل إلى المستشفيات، بينما يُقدَّم الجزء المتبقي للزوار أنفسهم. كما كان تناول النبيذ مسموحًا به للمرضى داخل المستشفى.

لقد  كان الامتناع عن الطعام صورة من صور التعبير عن الورع وضمان جلاء الذهن للعبادة، لكن كان الطعام على الرغم من ذلك شاغلًا أساسيًّا، على نحو ما نلمسه في الأدلة الأثرية والنصية التي تنطوي على نظام غذائي متنوع، وبدت الاختلافات الإقليمية والموسمية، والمستويات المتباينة من الالتزام بالقيود الدينية تُؤشِّر إلى أن الأطعمة المذكورة هنا لم تكن بالضرورة متاحة لجميع الأديرة وفي كل الأوقات، بل كانت متاحة للجماعات التي عاشت على أطراف الصحراء.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩