بقلم منة الله الدري
ترجمة نوران ابراهيم

لمحة عن الطعام والحياة على مر ٣٠٠٠ عام من تاريخ المصريين القدماء.

الأهرام والمعابد والمقابر: هذه هي الرموز الملموسة لمصر القديمة المعروفة لمعظم الناس. ولكن جوانب الحياة اليومية لقدماء المصريين لا يعلمها إلا القليل وهي مثيرة لأبعد حد.

“هما كانوا بياكلوا ايه؟”

عندما يُطرح عليَّ هذا السؤال الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، عادًة ما أجد وجهي وقد خلا من التعبيرات بينما أنبش مخي بحثًا عن إجابات مباشرة. وهناك أمران يصعبان مهمة الإجابة: ما يشير إليه الناس بـ “قدماء المصريين” يمثل حوالي ٣٠٠٠ عام من التاريخ – وذلك معناه بالضرورة ٣٠٠٠ عام من التقاليد والتطورات المتعلقة بالطعام، حدث خلالها أن أتت حضارات جديدة بمحاصيل أو أساليب للطهي، كما تغير المناخ مما أفضى إلى ظروف مختلفة لزراعة النباتات، وأيضًا أفسحت التطورات الزراعية المجال لمحاصيل الجديدة، بالإضافة إلى الصيحات الغذائية التي كانت تأتي وتذهب. تترك الأدلة المتبقية لنا الكثير من المعرفة بشأن المكونات الخام، ولكن لا يوجد تقريبًا أي شيء يخبرنا بطرق التحضير أو الأصناف. لم تتبق لنا أية قوائم طعام من مصر القديمة. لذا، على الرغم من أنه لا تتوفر لدي أمثلة مباشرة عن الأصناف التي كان قدماء المصريين يطهونها ويتناولونها، لم تزل المعرفة الموجودة لدينا بشأن طعامهم ضخمة. وما يمتعني أكثر وأكثر كعالمة آثار هو أنه بإمكاننا أن نحصل على أجزاء مختلفة من المعلومات من مصادر مختلفة، وجميعها تشكل أجزاًء صغيرة من الأحجية التي تساعدنا على إعادة بناء صور الحياة المرتبطة بالطعام في مصر القديمة بشكل أفضل. ضع هذه التحديات في حسبانك بينما تقرأ هذا المقال الذي يبحث أسرار طعام مصر القديمة.

الخبز

كان الخبز سلعة غذائية أساسية في العديد من التقاليد الطقسية والجنائزية، وكان أساسيًا للاقتصاد المصري، من حصاد الحبوب ودرسها (تنظيفها) إلى خبز العيش وأخيراً تداوله كسلعة تجارية. يمكن تكوين فهم شامل للخبز وإنتاجه من النقوش الموجودة على جدران المقابر والأدلة النصية والبقايا الأثرية والملاحظات الإثنوغرافية وعلم الآثار التجريبي. تبقت مئات من أرغفة الخبز من مصر القديمة، حيث كانت توضع في القبور ليتناولها المتوفون، وتنوعت أشكالها ما بين الأقراص الأسطوانية والكتل المستطيلة والمخروطات والمثلثات والأشكال الحيوانية والبشرية. كما أن الأرغفة المتبقية لا تقدر بقيمة فيما يتعلق بإظهارها كيفية الخبز، حيث أن بعضها توجد به آثار حرق تدل على مكانها في الفرن سواء كانت أقرب للنار أو موضوعة على رف بداخله.

تعددت أشكال الخبز الذي عثر عليه في المقابر ما بين الأقراص والمخروطات والمثلثات وحتى أشكال الحيوانات.

خبز من مقبرة خا، دير المدينة، الأسرة 18 (1550 – 1295 ق.م. تقريبًا)، الدولة الحديثة. نيكولا ديلّاكويلا وفيديريكو تافرني، المتحف المصري بتورينو.

كان قمح الإيمر هو نوع الحبوب الأساسي المستخدم لصنع الخبز، ولكن بين حين وآخر، كان الشعير يستخدم أيضًا. كان محتوى الغلوتين المنخفض لكلا الدقيقين يمنع أي ارتفاع للعجين، وكان ينتج عنه أرغفة سميكة. الأرغفة الأثرية التي تم اكتشافها، سواء كانت كاملة أو مفتتة، عادةً ما تتضمن أيضًا الحبوب الكاملة غير المطحونة، والتي يمكن أن تكون قد أضيفت إما دون قصد أو عن عمد. وأحيانًا ما توجد إضافات أخرى: التوابل مثل الكزبرة، أو الفواكه المجففة مثل التين أو التمر، أو الحبوب المشقوقة لرغيف القمح الكامل، أو حتى الملونات. تصور جدران المقابر كل من العجين المتماسك الذي يمكن تشكيله باليد، وأيضًا العجين شبه السائل الذي يصب في قوالب الخبز الفخارية. بناءً على التحليل المجهري، يبدو أن العجين شبه السائل كان الأكثر شيوعًا – على الأقل أثناء فترة الدولة الحديثة. كان العجين يخبز بطرق متعددة تغيرت على مر الزمن، كما هو موثق على جدران المقابر. ويتضمن ذلك الخبز مباشرة على الرماد الساخن، أو وضع العجين على حجر فوق النار، أو في الأفران، سواء كان ذلك فوق رف داخلي (أو لوح حجري)، أو بلطع أسطوانات العجين الرقيقة المفرطحة على الجدران الداخلية (عُرفت هذه الطريقة في الدولة الحديثة، تقريبًا 1550 – 1070 قبل الميلاد)، أو الخبز على حزام فوق النار.

الخضراوات والبقول

كانت الخضراوات والبقول ملازمات غذائية مهمة للخبز. كان البصل، وخاصة البصل الأخضر، دائمًا ما يمثل جزءًا من قرابين القبور المعتادة، حتى أنه كان مرسومًا في وجبة مصورة على جدار إحدى المقابر. كما كان الخس، الذي يتطابق تقريبًا والخس البلدي ذي الأوراق الكبيرة، أحد الأصناف الأساسية التي كثيرًا ما تصور في مشاهد تقديم القرابين، بالإضافة إلى كونه رمزًا لمين إله الخصوبة عند قدماء المصريين. أما الخيار المصري (القتة)، فكان يصور أيضًا في مشاهد القرابين. عرف قدماء المصريين أنواعًا أخرى من الخيار والقرع، ولكن التفريق بينها بدقة اعتمادًا على الأدلة الفنية يعد مهمة تكتنفها الصعوبات.

لطالما كانت العشبة الحقلية الخبيزة تنبت إلى جانب الحبوب منذ العصور القديمة، ومن المرجح أن قدماء المصريين أدركوا لذة طعمها وقيمتها الغذائية مبكرًا. أما الزيتون، فلا تتعدد مرات العثور عليه وصولًا للدولة الحديثة (1550 – 1070 قبل الميلاد تقريبًا)، ولم تتكرر سوى في الحقبة الإغريقية الرومانية عندما كان الزيتون يعصر في منشآت ضخمة وعلى نطاق واسع. أما الزيوت الأخرى مثل الخروع وبذر الكتان (الزيت الحار) فربما كانت موجودة أيضًا على الرغم من أن الأدلة على ذلك غير مؤكدة.

كما كانت البقوليات مثل العدس تستهلك على نطاق واسع. لطالما كان من المعتاد العثور على العدس في المواقع الأثرية. في إحدى مقابر طيبة، على سبيل المثال، عُثر على عدة كرات مصرورة بإحكام مما يبدو وكأنه عدس بني مطبوخ. كان تناول العدس يتم إما في صورته البنية (عدس بجبة)، أو بعد إزالة قشرته البنية ليتحول إلى اللون البرتقالي. من المرجح أن العدس كان يحضر في صورة خليط شبيه بالحساء، ولكن لا يوجد دليل على ذلك. عثر أيضًا على بعض حبات الحمص، حتى أنه توجد نماذج خزفية مزخرفة صغيرة يعتقد بأنها حبات من الحمص تعود إلى الدولة الوسطى. كما عثر على بعض حبات البازلاء أيضًا، ولكنها أقل من أن تمكننا من تحديد إذا ما كانت مكونًا غذائيًا أساسيًا أو اختلاطًا بريًا عارضًا بمحاصيل البقوليات الأخرى.

أما الفول، العمود الفقري للمطبخ المصري الحديث، فمن المرجح أن قدماء المصريين لم يتناولونه، ولكن بقايا الفول التي تم العثور عليها أقل من أن نسلم بصحة هذا الافتراض، ويبدو أنه لم ينتشر سوى في العصر اليوناني الروماني. في الواقع، من المعتقد أنه كان من المحرم على الكهنة تناول الفول، ولكن لا يمكن القطع بمدى امتداد هذا التحريم فيما بين الشرائح المختلفة للمجتمع المصري. ولكن المؤكد هو أن المصريين القدماء كانوا يأكلون أحد أنواع البقوليات، حيث أنها تذكر بوصفها جزءًا من التموين الذي وفرته الدولة للعمال بدير المدينة، كما وزع ملوك الرعامسة مئات الجِرار من “البقول/ الفاصولياء المقشور(ة)” على العمال، ولكن الكلمة المصرية القديمة للصنف المذكور لم تترجم بشكل ملائم بعد.

ومن ضمن المكونات المفضلة لدي في الطعام المصري القديم حب العزيز، وهو أحد فصائل من نفس عائلة نبات البردي، وتؤكل درناته اللذيذة طازجة أو مجففة أو محمصة. وقد عثر عليه كقربان بالمقابر التي تعود لأوائل التاريخ المصري في عصر ما قبل الأسرات. كان يغلى في البيرة (على الأقل في العصر اليوناني)، مما جعل مذاقه أحلى. كما كان المكون الأساسي فيما يعتبر أقرب ما لدينا لوصفة طعام من مصر القديمة، والتي حفرت نقوشها على جدران مقبرة الوزير “رخميرع” (١٤٧٩ – ١٤٠٠ قبل الميلاد تقريبًا) في مقابر النبلاء بالأقصر.

الفاكهة

طبق يحتوي على عنب أو زبيب، من مقبرة حات نوفر، البر الغربي للأقصر، شيخ عبد القرنة، الأسرة 18 (1550 – 1295 ق.م. تقريبًا) ، الدولة الحديثة. كانت حات نوفر هي أم سننموت، أحد مسئولي الدولة الكبار في عهد الملكة حتشبسوت. توفيت في العقد الثامن من عمرها، بعد أن عمرت بعد زوجها رعموس وعدة أفراد آخرين من أسرتها. عند وفاة والدته، وفر سننموت لها ولبقية أفراد عائلته المتوفين قوت الحياة الأخرى، بما يتضمن سلالًا من الطعام تحتوي على أنواع متعددة من الخبز والبلح والزبيب وثمار نخيل الدوم وأحد أنواع مهلبية الخبز بالإضافة لمواد غذائية أخرى.

متحف المتروبوليتان.

كانت الفاكهة عنصرًا شائعًا في القرابين الجنائزية، وكانت بالتأكيد جزءًا من النظام الغذائي للمصريين. يندر البلح في الفترة السابقة على الدولة الوسطى (٢٠٣٠ – ١٦٦٠ قبل الميلاد تقريبًا)، غالبًا لأن نخل البلح يحتاج إلى التلقيح الصناعي من أجل الإثمار، وهو ما عُرف فقط في الدولة الوسطى عن طريق بلاد ما بين النهرين. كان البلح يؤكل طازجًا أو مجففًا، مما يتيح تخزينه لما بعد انتهاء موسمه بفترة طويلة. وربما كان البلح يحمص أيضًا. اليوم، في العديد من القرى المصرية، يترك البلح الطازج ليجف في الشمس، ويقلب كل يوم تقريبًا لضمان التجفيف المتساوي، ولكن عملية التجفيف القديمة قد تكون استعانت بإضافة بعض الحرارة. كان البلح المجفف أحيانًا ما يضاف إلى الخبز أو الكعك، وقد تكون ثماره استخدمت بعصرها لعمل النبيذ أو على الأقل لتحلية النبيذ المصنوع من العنب. أما الدوم، وهو فاكهة بنية صلبة، فهو أحد أكثر القرابين المقدمة للموتى شيوعًا في المقابر. وكثيرًا ما تنقش نخلة الدوم نفسها في مشاهد المقابر. تتضمن إحدى القرابين المذكورة “كعك الدوم”، مما يشير إلى أن الدوم كان يستخدم أيضًا في الخبز، بالرغم من أن كيفية إدخال الثمار في وصفة الكعك غير معروفة. كما عرف أيضًا الجميز والتين. كانت ثمار التين أكبر قليلًا من ثمار الجميز وأحلى. كان يمكن للنوعين أن يؤكلا مجففين أو طازجين، كما كانا يضافان إلى الخبز أو الكعك.

وكان العنب من أكثر الفواكه المنتشرة التي أحبها المصريون، وتوفر في عدة ألوان ونوعيات. لم يكن فاكهة لذيذة ومرطبة وحسب، ولكن كان يمكن تجفيفه للتخزين أو لإضافة تحلية إضافية للكعك والخبز، كما تشهد الاكتشافات الفعلية للخبز المحتوي على زبيب. ومثلما كان العنب الطازج هو الأساس لصنع النبيذ، قد يكون الزبيب أيضًا أحد الإضافات له لتحليته أو للمساعدة في تخمره.

وبالنسبة للرمان، فقد كان فاكهة طيبة المذاق، وكان مصدرًا للعصير اللذيذ الذي ربما كان يترك ليتخمر لإنتاج النبيذ المصري القديم المعروف بالشده. كثيرًا ما استخدمت ثمرة الرمان الجميلة في الزخارف التزيينية، حيث ظهرت في التمائم والمجوهرات. وتمثل ثمار الرمان بشكل بديع في مقبرة “سوبك حتب” بطيبة، والتي تعود للدولة الحديثة، حيث جمعت معًا كقربان، إلى جانب كتلة متشابكة من عناقيد العنب.

أما النبق، والذي لم يزل يعرضه الباعة المتجولون للبيع في الشتاء على عرباتهم، فهو فاكهة صغيرة مستديرة ذات قلب جامد ولكن رائع المذاق. عثر على ثمار النبق في مقابر يعود أقدمها لعصر ما قبل الأسرات، وأحيانًا ما استخدمت كخرز في القلادات الموضوعة على المومياوات، وتعد فاكهة النبق ذات صلة بالعناب الذي أصبح شديد الندرة أيضًا.

كما عرف البطيخ وأنواع الشمام الأخرى أيضًا في مصر القديمة. لكن توجد عدة فواكه أحبها المصريون القدماء ولم يعد لها وجود في مصر الآن، ومن ضمنها البرساء، وهي فاكهة صفراء كانت توضع في قرابين المقابر بدءًا من الأسرة الثالثة، والبرقوق المصري، وهو فاكهة حلوة ذات لون برتقالي عُرفت أيضًا من الحقبة ذاتها.

اللحوم والدواجن والأسماك

نموذج لمجزر من مقبرة رئيس الخدم الملكيين مكت رع، البر الغربي للأقصر، الأسرة 12، الدولة الوسطى (1981 – 1975 ق.م. تقريبًا).

بدأ رئيس الخدم الملكيين مكت رع مشواره الوظيفي في عهد الملك نب‌ حپت ‌رع منتوحتپ الثاني من الأسرة 11 واستمر في خدمة الملوك المتتابعين حتى الأعوام الأولى من الأسرة 12. هذا النموذج الخشبي – واحد من ضمن ما يزيد عن العشرين نموذجًا عثر عليها في مقبرته – يظهر رجلين يذبحان زوجًا من الثيران. يمسك رجلان آخران بطبقين للاحتفاظ بدم الذبيحة الذي يحول لاحقًا إلى نقانق. يمكن أن نرى رجلين آخرين في الركن يهويان على النار تحت القدور. يراقب المشرف والكاتب الأنشطة التي تتضمن أيضًا نتف ريش أوزة، وعلى الشرفة العليا نجد قطعًا من اللحم الجاري تجفيفه.

متحف المتروبوليتان.

كان اللحم البقري، مثلما هو الحال اليوم، أكثر مصادر اللحم قيمة، ويليه لحم الضأن والماعز والخنزير. تمثل محلات الجزارة في كل من مشاهد المقابر ونماذج الحياة اليومية التي عثر عليها في المقابر، حيث تظهر كيف كانت الماشية تذبح، ومن ثم تستخرج أحشاؤها وقفصها الصدري، وأن المصريين كانوا يتناولون الريَش والشرائح والكوارع البقرية. كما عثر على أبقار بجماجم مشقوقة تتيح الحصول على المخ، مما يشير إلى أن المصريين تمتعوا أيضًا بهذا الصنف الشهي. ويشير وجود رؤوس أبقار كاملة على كثير من موائد القرابين المرسومة إلى أن لحمة الراس كانت صنفًا محبوبًا وقتئذ مثلما هو الحال اليوم في مصر. تظهر النصوص التي تعود إلى القرن الثالث الميلادي أن أحشاء الذبيحة وأقدامها والفشة والطحال والكبد والكلاوي و”حساء قدم العجل” (الكوارع على الأرجح) والمخاصي والسجق والكرشة والمخ كانت متاحة في محلات اللحوم المصرية، وعلى الأغلب كان ذلك هو الحال أيضًا في العصور الأسبق. على الأرجح كانت نفس القطعيات والأحشاء تؤخذ من الضأن والماعز لتؤكل أيضًا. ربما كان اللحم يحضر بسلقه أو تحميره في الفرن أو شوائه أو تمليحه أو تجفيفه. كما توجد أدلة موثقة على التغذية الإجبارية للماشية والخنازير. كانت الخنازير تؤكل ولكن بين حين وآخر، وكانت محرمة على الكهنة. كان صيد الخنازير البرية يتم باستخدام الشباك أو بتصويب الحجارة، ومثلها مثل الأبقار، كان لحمها يسلق أو يحمر في الفرن أو يشوى. عادةً ما تظهر الأرانب على جدران المقابر وهي محمولة من آذانها، مما قد يشير إلى أنها كانت تؤكل أيضًا. كان الحذلوم والبقر الوحشي والمها والوعل والغزال وفرس النهر والتمساح بعض الحيوانات البرية غير المألوفة التي كان يتم تناولها، والشاهد على ذلك وجود علامات التقطيع على عظامها.

كما كان يتم تناول البط والأوز والسمان بالإضافة إلى الطيور البرية. وتوجد أدلة على استهلاك لحم النعام، حتى أنه ربما كانت هناك مزارع للنعام! دفعت مشاهد التغذية الإجبارية (التزغيط) للطيور العلماء إلى اقتراح أن المصريين القدماء كانوا يحضرون “الفواجرا” (كبد الأوز المسمن)، ولكن الأدلة غير قاطعة: فالفلاحون في الأزمنة الحديثة لطالما مارسوا تزغيط الطيور دون معرفة بالفواجرا. أما الدجاج، فقد وصل متأخرًا. توجد أدلة على وجود الدجاج من الدولة الحديثة فما بعدها، ولكنه بالتأكيد لم ينتشر حتى بعد ذلك بكثير. وتعد قشور بيض الطيور والنعام من العناصر الشائعة في المواقع الأثرية، حيث كانت عادة ما يعاد توظيفها لتتحول إلى خرز (وبخاصة قشور بيض النعام الأكثر سمكًا). كان تناول البيض شائعًا على الأرجح، ولكن لا يوجد ما يوثق طريقة تحضيره. كما أنه من غير المعلوم إذا ما كان البيض يستخدم في أطعمة أخرى، مثل المخبوزات.

كان المصريون يتناولون حوالي مائة فصيلة من السمك النيلي، بما يتضمن أسماك البلطي والقرموط وقشر البياض التي لم تزل تقدم على الموائد المصرية حتى اليوم. كانت البطارخ والأسماك المملحة تصدر عبر أرجاء البحر المتوسط. وكان السمك يشوى أو يملح أو يجفف. وترجع أصول الفسيخ (السمك المجفف سيء الرائحة) الذي يشيع تناوله اليوم في شم النسيم المصري غالبًا إلى مصر القديمة. كان صيد السمك يتم عادة إما بالشباك أو باستخدام السنارة، أو حتى بالرمح. وعرفت الرخويات، بما فيها المحار النيلي، وتناولها المصريون منذ عصر بداية الأسرات (3100 – 2649 قبل الميلاد تقريبًا)، ولكن طريقة تحضيرها غير معروفة.

الألبان

كان لبن الأبقار يستخدم بالتأكيد، وفقًا لما لدينا من مشاهد لحلب الأبقار. ومن المرجح أن ألبان الحيوانات الأخرى كانت تستخدم أيضًا. وعلى الأغلب كانت الأجبان والقشدة ومنتجات تشبه السمن أو الزبد تنتج أيضًا، على الرغم من ندرة الأدلة على ذلك. ويعتقد أن عديد من المكتشفات (معظمها مستديرة) هي جبن يعود إلى مصر القديمة.

التوابل

قليل هو المعروف بشأن التوابل. كانت البهارات مثل الكزبرة والكمون والشبت والحلبة متاحة ومعروفة، وعادة ما كانت تستورد من بلدان أخرى في الشرق الأدنى أو أفريقيا. استخدمت الحلبة في الخبز، كما استخدم الملح، سواء كان مستخرجًا من البحيرات أو من البحر.

الحلويات والأطايب

جمع العسل، نسخة طبق الأصل من مقبرة رخميرع، تنفيذ نينا دو جاريس ديفيس، الجدارية الأصلية في المقبرة بطيبة في شيخ عبد القرنة، الأسرة 18، الدولة الحديثة (1479 – 1400 ق.م. تقريبًا).

تظهر الصورة خلايا النحل الطينية الأفقية التي لم تزل تستخدم حتى اليوم في المناحل التقليدية في مصر. كان النحل يُخرج من الخلية باستخدام قدر من الدخان، بحيث يظن أن بيته يحترق، ويطير بعيدًا بينما يحصد النحالون العسل.

متحف المتروبوليتان.

كان العسل سلعة ذات ثمن باهظ لا تتاح إلا للأثرياء، حيث أنه كان من المعتقد أنه خلق من دموع الإله رع التي تحولت إلى نحلة. لم يستخدم العسل كمحلي في الأطعمة وحسب، وغالبًا المشروبات أيضًا، ولكنه كان، بالإضافة إلى ذلك، يقدر لخواصه الطبية والمضادة للبكتيريا. بينما قد يكون استخلص أصلًا من النحل البري، فإن قدماء المصريين كانوا يمارسون تربية النحل بالتأكيد.

كانت هناك تشكيلة متنوعة من الكعك والمعجنات، والكثير منها كان يحلى باستخدام الفواكه المجففة مثل الزبيب أو التين المجفف أو البلح أو حتى العسل. وربما كانت العصيدة بالقمح أو الشعير والمحلاة بالعسل أو الفواكه المجففة متاحة أيضًا.

المشروبات

من خلال مشاهد المقابر والأواني والأدلة الأثرية الأخرى، نعرف أن إنتاج البيرة والنبيذ وتناولهما كانا معروفين، حتى ولو لم تزل بعض عناصر عملية إنتاجهم غير مفهومة على الوجه الأكمل. وبالنسبة للمشروبات الأخرى، مثل العصائر، فللأسف الأدلة عليها أقل. ولكن من المرجح أن عصائر الفاكهة كانت معروفة، وأن مشروبات الدوم والخروب كانت تقدم أيضًا. وقد يكون الخروب قد استخدم كمحلي للمشروبات، ولكن الأدلة على ذلك نادرة. ولا توجد أدلة على المشروبات الساخنة، التي لابد وأنها كانت متاحة أيضًا. 

مسألة اللوتس

كثيرًا ما ترى أزهار اللوتس في المقابر على موائد القرابين، فربما تكون زينة وتجميلًا للطعام، وربما أيضًا تكون هي نفسها الطعام. وبالفعل، فإن هيرودوت يتحدث عن اللوتس بوصفها إحدى المأكولات، ولكن العلماء غير متأكدين مما إذا كان يعني زهرة اللوتس حقًا، أم أن الأمر لا يتعدى التسمية الخاطئة لشيء آخر. على كل حال، ذكر هيرودوت أن اللوتس تعطي ثمرة إذا ما غسلت وجففت وطحنت يمكن استخدامها لصنع الخبز، بينما كانت جذورها تؤكل أيضًا وكانت حلوة وطيبة المذاق.

التسوق والأكل ونصيحة صغيرة

لا يوجد سوى القليل من الأدلة الملموسة المتاحة بشأن كيفية حصول المصريين القدماء على طعامهم. ولكن من المرجح أن الكثيرين منهم كان لديهم حدائق صغيرة حول بيوتهم. المحظوظون منهم ممن كانوا يمتلكون الماشية كان لديهم مورد طازج للحليب. يعرف مشهدان يبدوان كالسوق: امرأة تعرض بصلًا أخضر، وأخرى معها ما يبدو وكأنه كرة من الجبن أو الزبد. وبالنسبة لمن كانوا يعملون لحساب الدولة، مثل بناة الأهرام في الدولة القديمة، أو أولئك الذين عملوا في المقابر الملكية في وادي الملوك، فقد كانوا يتلقون التموين الغذائي من الدولة.

إلى جانب كيفية جلوس الناس إلى موائد الطعام، فنحن لا نعرف أي شيء عن الوجبات اليومية، سواء عددها وما تضمنته قوائم الطعام. يظهر مشهدان أشخاصًا يتناولون الطعام بينما هم جلوس إلى طاولة. بعض المشاهد تظهر وجبة كاملة. يوجد منظر لرجل يأكل البصل ومعه سكين وهو جالس غالبًا فلاح يتناول وجبة منتصف اليوم (الزوادة كما هي معروفة اليوم). كما توجد مشاهد لرجال يعملون في الحقول ويمكننا أن نرى وجباتهم (أو الزوادة) إلى جانبهم.

وعلى الرغم من شح الأدلة، فإننا نعلم أن آداب المائدة كانت من المرغوبات من التعاليم الموجهة “لكاجمني”، وزير الملك سنفرو من الأسرة الرابعة (2575 – 2465 قبل الميلاد تقريبًا)

قطع الأحجية

نحن نعرف الطعام الذي كان يأكله قدماء المصريين من مصادر متعددة. على سبيل المثال، تساعد الأدلة الأثرية على مساحات المطابخ في رسم صورة لتصميم المطابخ. ولكن التعرف على مطبخ في السياق الأثري ليس دائمًا أمرًا مباشرًا، إلا إذا تضمن فرنًا أو كانونًا (وهو يشبه الموقد المفتوح)، وكان لكل استخدامه المختلف: كان الفرن الأفضل للخَبز وللأطعمة التي تتطلب حرارة قوية لفترة طويلة من جميع الجوانب. أما الكانون، فكان ممتازًا لشواء الأطعمة (مثل الخبز)، وكان مناسبًا للطهي البطيء. كانت معظم محتويات المطابخ مؤقتة ومتحركة، وربما كان كثير من تجهيزات الطعام يحدث في الخارج في الباحات. تظهر لنا نماذج الدولة الوسطى مساحات للخَبز، ومساحات للجزارة، ولكنها في معظمها سياقات ذات نطاق صناعي، وليست مطابخ خاصة.

وعلى الرغم من عدم شيوع مشاهد الطهي، فتوجد بضعة مشاهد تظهر الشواء والسلق والخبز والتسخين والتحمير في الفرن. استخدمت السكاكين للتقطيع والقضبان الطويلة للشواء والتحمير في الفرن، والعصي (أو أدوات تشبه الملاعق) للتقليب. ومن المرجح أن الناس كانوا يأكلون باستخدام أيديهم. أحد المشاهد القليلة التي تصور مساحات المطابخ تنتمي للعمارنة، وتظهر أميرة تأكل بيدها.

وعثر على تشكيلة كبيرة من الأواني الفخارية التي توفر فيضًا من المعلومات. تدل أشكال الأواني على استخداماتها والكثير منها يظهر عليه آثار حرق على الجانب أو من الأسفل، مما يوضح كيف كان يستخدم على الفرن أو الكانون. وعادة ما كانت محتويات الأواني تتسرب إلى داخل جدارها الآنية، ويمكن تحليلها بسهولة اليوم باستخدام المواد الكيميائية. على سبيل المثال، الأواني التي كانت تستخدم لتخزين أو طبخ منتجات الألبان تظهر آثارًا للدهون وعادة ما يمكن لتحليل الحمض النووي أن يخبرنا بنوع الحيوان الذي أخذ منه ذلك اللبن.

ويظهر لنا علم الحيوانات القديمة القائم على دراسة بقايا الحيوانات أي الفصائل كانت موجودة ويعطينا دليلًا قطعيًا بأنها كانت تستخدم كمأكولات من خلال معاينة علامات التقطيع (أو الجزارة) على عظامها. كما يبين ذلك أيضًا قطعيات اللحوم التي استخدمت وقتئذ.

وتعد أيضًا بقايا النباتات موردًا جيدًا وتظهر النباتات المختلفة التي كانت متاحة وقتها. على الرغم من أننا قد لا نستطيع الجزم دائمًا بأنها كانت تؤكل، أو بكيفية تحضيرها، فبين حين وآخر، توجد نباتات باقية توضح طريقة تحضيرها. على سبيل المثال، الحبوب التي وجدت في حالة إنبات، مثل حبوب القمح، كانت تستخدم لصنع الملت للبيرة. وعلى الرغم من أننا عادةً ما تواجهنا صعوبة في التأكد من ترجمة كلمات بعينها، إلا أن النصوص لم تزل موردًا لا يقدر بثمن. توفر قوائم السلع أو القرابين والوسوم على مشاهد الأنشطة المختلفة المتصلة بالطهي وتحضير الطعام أدلة على كيفية فعل كل ما سبق. كما تعد الأدلة الفنية على جدران المقابر والمعابد، وحتى الفن ثلاثي الأبعاد مثل النماذج الموضوعة في المقابر موردًا رائعًا. وأخيرًا، فإن اكتشافات الطعام، مثل أرغفة الخبز تمثل طريقة ناجعة للتحقق من كيفية عمل الأشياء باستخدام طرق متعددة للتحليل.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩