بقلم كورنيليا رومر
ترجمة نوران ابراهيم

في حقبة مفعمة بالصراعات والتطورات المتلاحقة، عكست قوائم الطعام في مصر تنوُّعَ التأثيرات القادمة من حوض البحر الأبيض المتوسط.

أنت ما تأكله! يعرف جميعنا هذه المقولة التي أطلقها الفيلسوف الألماني “لودفيج فيورباخ” في القرن التاسع عشر: هناك دائمًا أولئك الذين يعيشون على نظام غذائي يتألف مما تنتجه التربة المحيطة بهم، ومما هو متاح بسعر زهيد. ومن ناحية أخرى، يوجد أيضًا أولئك الذين تُتيح لهم إمكاناتهم التمتع بالطعام الأرقى أو حتى المستورد.

فهل ينطبق الأمر ذاته على العصر اليوناني الروماني في مصر؟ يبدو الأمر كذلك. كما هو الحال في جميع أنحاء العالم؛ حيث يُسهم الطعام في التعرُّف على الطبقات ومستويات المعيشة ورفاهية الأشخاص. إذن، ماذا كان يأكل المِصريون، بعد قدوم الإسكندر الأكبر في 332 ق.م. وحتى القرن السابع الميلادي، عندما أصبحت مصر جزءًا من العالم العربي؟

تتوفر لدينا مصادر متعددة للمعرفة فيما يتعلق بطعام تلك الفترة: بقايا الحبوب والبقول التي عثر عليها الآثاريون في سلال القُمامة والبيوت المهجورة، وكذا عظام الحيوانات وجرار النبيذ التي وُجِدَت في الإسطبلات والمخازن. كما يمكن الحصول على لمحة أعمق عن العادات الغذائية لشرائح المجتمع المختلفة من النصوص العديدة المكتوبة على أوراق البردي التي عُثر عليها في القرى المهجورة على طول وادي النيل أو في الفيوم. وكما هو متوقَّع، كان الطعام هو الشاغل الرئيسي في الحياة؛ إذ لا يكفّ الناس طَوال الوقت عن البحث عنه، وتدوين قوائمه من السلع اللازم شراؤها أو تسليمها. فضلًا عما نستمده من كتاب عن الطهي ينتمي إلى هذه الفترة وُجِدَ مدونًا على ورق البردي.

وقد تألف النظام الغذائي الرئيسي المتاح للجميع تقريبًا من الحبوب والبقول والزيت والبيرة. حيث تُوفِّرُ الحبوبُ النشوياتِ والفيتامينات، والبقولُ البروتيناتِ، والزيتُ الدهونَ غير المشبعة، والمياهُ والبيرةُ السوائلَ التي يحتاجها الجسم. وكانت الخضراوات والفاكهة تُضاف بكل تأكيد أينما نبتت، أما اللحوم والأسماك فكانت تُدَّخر لأعياد الآلهة والميلاد وللمناسبات الخاصة كالأعراس والجنائز.

توجهات متغيرة

تخبرنا نوعية الطعام السائدة في ذلك الوقت بشيء عن العادات والتنوع العِرقي، خاصة إذا ما نظرنا إلى نمط استهلاك الحبوب. فقد كان المِصريون يأكلون الخبز المصنوع من الإيمر المقشور المزروع بمصر، بينما أتى المستوطنون الجدد متحدثو اليونانية القادمون من المتوسط بقمح الخبز (القمح القاسي). الذي فُرض على المِصريين تحت الحكم البطلمي، فقد كان سداد الضرائب، بالمال والقمح أيضًا؛ لذا شاعت زراعته باطراد في جميع أنحاء البلاد، وإنْ بقيَ الإيمر الأكثر استهلاكًا بين الطبقات الكهنوتية، وفي المعابد التي ظلت معاقلَ للثقافة والديانة المصرية القديمة.

كان الفول والعدس أشهر أنواع البقول وأكثرها شيوعًا، وإنْ كان الأخير يتمتع أحيانًا بشيء من الرسوخ والانتشار في قوائم البضائع المنقولة أو عند حصر حمولات الحمير والسفن. ممَّا يحملنا على الاعتقاد لا بشيوع العدس في النظم الغذائية لتلك الفترة فحسب، وإنما على فهم فكرة أن العدس والبقول الأخرى كانا مصدري النشويات والبروتينات الأساسية التي يحتاجها الجسم، وتأتي عادة من الحبوب. ونجد في أحد كتب الطهي المهترئة والمكتوبة على ورق البردي من القرن الثالث قبل الميلاد، وصفة بسيطة إلى حد كبير لهريس العدس: “اهرس العدس المطبوخ في مرق لحم الطيور، واطبخه مع بصلة”. وكما هو الحال في كتب الطهي القديمة، لا يوجد ذكر للكميات. ومن نافل القول، إن مادة كتاب الطهي هذا تأتي من مطبخ أحد الأشخاص المقتدرين، ممن كان بمقدورهم الحصول على النبيذ وبعض التوابل الفاخرة، والقراءة أيضًا.

إيصال ضريبي للنبيذ، العصر البطلمي. متحف المتروبوليتان. كان النبيذ يُنتج في شمال مصر وفي الواحات. وقد شُرِّعَ خلال فترة حكم بطليموس الثاني فيلادلفوس، إصلاح ضريبي لتشجيع إنتاج النبيذ في مناطق جديدة من مصر مثل طيبة وجبلين؛ حيث – وفقًا لهذا النص – سُدِّدت هذه الضريبة في 26 من سبتمبر 174 ق.م.

متحف المتروبوليتان

كما تضمنت قائمة الخضراوات الشائعة أيضًا البيقية والكرنب والثوم والخس والحمص والبصل والبنجر والقرع والفجل والخيار والكراث واللفت. ولا يبدو أن أيًّا من هذه الخضراوات كان حديث عهد بمصر في الفترة البطلمية، بل كان كثير منها متاحًا أيضًا لمنْ هم أقل ثراءً. بَيْدَ أن الأمر ذاته كان ينطبق على استهلاك الفاكهة، التي جاءت أهميتها من قدرتها على توفير الفيتامينات للجسم. فكان البلح يُزرع بكميات كبيرة في جميع أرجاء البلاد، يليه التين، أما المكسرات والرمان والتفاح فقد كانت أقل شيوعًا بكل تأكيد، على نحو ما كان الخوخ والبطيخ والليمون.

غير أن أكثر أنواع الزيوت شيوعًا في مصر القديمة، كان يُعصر من بذور السمسم. وقد أحضر المستوطنون متحدثو اليونانية معهم زيت الزيتون الذي أصبح هو السائد في نهاية المطاف، وظلَّ الأغلى ثمنًا خلال الحقبتيْن البطلمية والرومانية، ولكن شعبيته ازدادت مع مرور الوقت. وفي الفيوم، منحتْ بساتين الزيتون — بأشجارها التي تتميز بأوراقها الفضية من الأسفل وباستهلاكها البسيط للماء – المنظر الطبيعي مظهرًا لامعًا مميًّزًا. وفي عام 100 م. تقريبًا، كان أحد قدامى المحاربين ويُدعى لوسيوس بيلينوس جيميلوس يمتلك حدائق زيتون عُرفت بغزارة الإنتاج في الناحية الشمالية الغربية من الفيوم، وأوكلَ مهمَّة الإشراف عليها إلى عبده السابق إباجاثوس. وفي المراسلات ما بين لوسيوس بيلينوس وعبده المحرَّر، نتعرَّف على هذه الحدائق، وعلى المهام التي تولاها إباجاثوس مثل سُقي الأشجار، وتأجير المعاصر من أجل تحويل المحصول إلى زيت.

وظلَّت البيرة– إلى جانب الماء بالطبع – الشراب الأساسي في مصر القديمة، على الرغم من أنه لم يكن شرابًا مألوفًا بالنسبة إلى اليونان. الأمر الذي حَدا بالمؤرخ اليوناني هيرودوت عندما زار مصر في 425 ق.م. تقريبًا، إلى الخلط بين البيرة والنبيذ، فكتب يقول: “إنهم [المصريين] يشربون نبيذًا مصنوعًا من الحبوب”! ومن الواضح أنه لاحظ أن الناس يغيبون عن الوعي من شرب البيرة، كما كان يحدث لقومه عند معاقرة النبيذ. وقد عُرفت زراعة الكروم في مصر القديمة، ولكن شهرة هذا الشراب جاءت – مثلها مثل القمح القاسي – مع المستوطنين متحدثي اليونانية القادمين من حوض البحر الأبيض المتوسط، وزادت مع مرور الأيام. ووفقًا لما نعرفه من النصوص المكتوبة، فإن الحقبة الرومانية المتأخرة بدءًا من القرن الثالث م. فما بعدها تجاهلت وجود البيرة؛ حيث كان الجميع يشرب النبيذ، وعندما كان الرهبان يُحَذِّرون من السُّكْر في الأديرة، كان التحذير يتعلق بالسكر الناشئ عن شرب النبيذ، وليس البيرة.

طيور وخبز وترمس وحمص وفاصولياء حمراء وحلبة: هذه بعضٌ من البنود التي يُريد شخص يسمى هيراكليدس من أخيه بتيشويس أن يُحضرها له وفقًا لهذا الخطاب المكتوب على ورق البردي؛ مما يمنحنا لمحة عن العادات اليومية للأشخاص العاديين.

خطاب باللغة اليونانية على ورق البردي، ينتمي إلى العصرالروماني (أوائل القرن الثالث م.). متحف المتروبوليتان.

لهذا مع وجود المكونات الغذائية الثلاثة الأساسية – الحبوب والزيت والشراب – يمكننا أن نرى نُقلة عامة وحاسمة من التقليد المصري القديم المتضمن للإيمر المقشور والبيرة إلى الأنواع المستحدثة مثل قمح الخبز وزيت الزيتون والنبيذ على مدار قرون الحكم البطلمي والروماني. وفي حالة القمح، ربما كان للقوى الحاكمة تأثير مباشر على هذا التطور لأن الملوك فضَّلوا جمع الضرائب في صورة قمح الخبز وليس الإيمر. وفي حالتي الزيت والبيرة، لا نعلم كيف حدث هذا التطور. فهل كانت الموضة – كما نسميها اليوم – هي ما جعلت الناس يُفضِّلون زيت الزيتون والنبيذ على زيت الفجل والبيرة؟ هل كان الأمر مرتبطًا بالطبقات الأكثر ثراءً وبريادة أفرادها في إطلاق أحدث الصيحات فيما يتعلق بالمنتجات الجديدة؛ ومن ثم جعلوا الطعام التقليدي يبدو وكأنه “دقة قديمة” أو غير مرغوب فيها، أم أن هذا مفهوم حديث نُسقطه على الماضي؟ العاديون من الناس، أولئك الذين لم يمتلكوا الأراضي ولم يتمتعوا بدخل أعلى من إرث أو من امتياز ملكي، حافظوا على عاداتهم في تناول المواد الغذائية التقليدية، وإن كان هذا أمرًا لا نجد ما يُعزِّزه ممَّا هو متاح لنا من دلائل.

أطايب الطعام والنظم الغذائية

من المعروف أن الموسرين كانوا يتبعون الموضات التي تطلقها إما الطبقة الحاكمة في الإسكندرية والمدن الكبيرة على جانبي النيل، وإما تلك الآتية من مؤثرات أخرى يصعب تمييزها. فقد كان هؤلاء الناس يملكون ما يمكِّنهم من تناول اللحم بصورة منتظمة، كما أنهم كانوا يتناولون السمك القادم من سواحل البحر المتوسط أو الأحمر أو المناطق الداخلية. وعثر في دير النقلون بجنوب الفيوم، على أنواع من محار البحر المتوسط تعكس ذوق الرهبان الرفيع في الطعام!

غير أن نوع اللحم الرئيسي في مصر اليونانية الرومانية كان لحم الخنزير. ويشهد على ذلك بوضوح كلٌّ من النصوص والاكتشافات الأثرية للعظام. وفي الحقبة الرومانية، نرى عادةً أن عقود إيجار كروم العنب كانت تُربط بقيمة الإيجار على أساس نسبة مئوية محددة من محصول العنب، بالإضافة إلى خنزير صغير يُشير إلى جزء من الإيجار. ومن الواضح أن ذلك الخنزير كان يُقدَّم قربانًا في عيد إله النبيذ ديونيسوس، الذي كان يُضَحَّى بالخنزير على شرفه. فلم تكن الحيوانات تربى لأغراضٍ دينية فحسب، ولكنها كانت جزءًا من النظام الغذائي اليومي للمقتدرين. لكنْ إلى جانب الخنازير، كانت الأبقار والخراف أيضًا تُذبح وتُؤكل. وكذلك البط والدجاج. كما تراصَّت أبراج الحمام على أطراف القرى، وعادة ما كانت تُشيَّد من الجرار الفَخَّارية التي تُعشِّش بداخلها الطيور. وفي قرية كرانيس اليونانية الرومانية في الطرف الشمالي الشرقي من الفيوم، عُثر على أبراج حمام ضخمة في أثناء الحفائر.

وتُظهر إحدى وصفات طهي لحم الخنزير التي تنتمي إلى ذلك العهد، كيفية استخدام تشكيلة واسعة من الأعشاب والتوابل مثل الكزبرة الناشفة والزعتر واليانسون والشمر، والمذاق الحلو الذي اشتُهر به المطبخ اليوناني الروماني الذي لا يعادله سوى المذاق الحاد للفلفل. ويحتوي كتاب الطهي الشهير لأبيشوس – وهو طاهٍ روماني ينتمي إلى القرن الثاني الميلادي – على وصفات شبيهة للغاية بالوصفات الأقدم المعروفة في القرن الثالث ق.م. ولا يُعَرِّجُ أبيشوس على أي كميات، ولا يتعرَّض لتفاصيل إعداد الطعام. وتنحصر وصفته لطبق الفلامنجو على سبيل المثال في شعاره الأثير: “انتف ريش الفلامنجو وضعه في الفرن”!

وكان الملح سلعة ثمينة تأتي عن طريق البحر والبحيرات الداخلية المالحة. وفي الفيوم، كانت توجد قرية تُطلُّ على البحيرة تُدعى هالميراس أو “مكان الملح”. واليوم، يوجد مقرّ الشركة المصرية للأملاح والمعادن (إميسال) في البقعة ذاتها؛ حيث يلتقي المصرف الرئيسي القادم من حقول الواحة بالبحيرة ليفرِّغ فيها الماء المصحوب بالملح من تربة المنبع.

وقد أتاحت فكرة تخليل اللحوم والأسماك تخزين هذه المواد الغذائية الثمينة. وفي الوصفة سالفة الذكر التي تعود إلى القرن الثالث ق.م، عُدَّ الملح مكونًا طبيعيًّا. كما استخدم على نطاق واسع في تحضير “الجاروم”؛ صلصة السمك الشهيرة التي تتألف من السمك النيء والملح.

ويبدو أنه كان هناك وعيٌ كبير بماهيَّة الطعام من حيث الجودة والرداءة. فكانت هناك درجتان للحوم: “الأولى” و”الثانية”، أمَّا بالنسبة إلى النبيذ، فجرى العُرف على التعامُل مع الجِرار ذات المذاق المتعفن، بإرجاعها إلى المُنتج الذي تعهَّد بالجودة العالية عند عرضها على المشتري.

كان النبيذ يُنتج على نطاق واسع في مصر، وتحديدًا في المِنطقة المحيطة بالإسكندرية وفي الفيوم، ولكن العديد من مقابض الجِرار التي تحمل إشارة إلى منشأ المحتوى تخبرنا بأن النبيذ كان في معظمه يستورد من جزيرة رودس ومن كنيدوس على ساحل البحر المتوسط بآسيا الصغرى. وقد عثر على مقابض الجرار هذه أيضًا في الفيوم على بُعد 300 كم برًّا من الإسكندرية؛ مما يُظهر تقدير الطبقات العليا للطعام ذي الجودة في تلك الواحة التي كانت موطنًا للكثيرين من المستوطنين متحدثي اليونانية، وذريتهم، وللمحاربين القدماء الذين تقاعدوا من الجيش الروماني إبَّان الحقبة الرومانية.

أما بالنسبة إلى كيفية تناول هذه الأصناف ووقتها، سواء كان ذلك في مجموعاتٍ أو في مكانٍ يُشبه المطعمَ أو في المنزل، فهو أمر متروك إلى حد كبير لمخيلتنا. فالوجبة الرئيسية كانت تُقدَّم في المساء، والغداء في الظهيرة وهو أهم من الإفطار. وفيهما يُشرب النبيذ، على الأغلب مخلوطًا بالماء، كما جرتِ العادة في محيط المتوسط في الحقبة الكلاسيكية لليونان وروما.

وكان الناس، الرجال خاصة، يتقابلون في الندوات والمناسبات الاجتماعية حيث يتناولون الطعام والشراب، ويلقون خطبًا وفقًا لتقليد استمرَّ لأمد طويل. وقد عُثر بعد التنقيب على قاعات للولائم كانت تُعقد فيها هذه الندوات في كرانيس وتبتينيس بالفيوم، وهي متصلة بالمعابد ومبنية على جوانب الشوارع المقدسة المؤدية إليها، وتُقدَّم فيها البيرة والنبيذ. أما الطعام، فكان يُقدَّم في المناسبات الخاصة. في الوقت الذي كان فيه الآباء يحتفلون بأعراس أولادهم في قاعات الولائم هذه القريبة من المعابد؛ حيث كانوا يدعون الجيران والأصدقاء للانضمام إليهم على العشاء في “بيت الرب الساعة الثامنة مساءً”، فتعزف الموسيقى أحيانًا على يد عازفي الناي والهارب.

وعلى هذا النحو، كان الطعام والشراب في مصر إبَّان العصر اليوناني الروماني يتسمان بالتنوُّع والُتعدُّد كما هو جارٍ اليوم في جميع أنحاء العالم. وكان الفقراء يكتفون بتناول السلع الأساسية، بينما الأثرياء لديهم وفرة من كل شيء، وأسلوب حياة يسوده البذخ.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩