يستحضر “جرجس لطفي” شخوص عالمه من أيقونات الكنائس القبطية في القرنين الخامس والسادس الميلادي، ويخلق أيقونات جديدة أبطالها الناس العاديون والمشاهد اليومية، ليوثق مصر التى يعاصرها اليوم.

مع سقوط الدولة المصرية القديمة وانهيار الحضارة الفرعونية، حدث ما يمكن الاصطلاح على تسميته بمرحلة انقطاع في مسيرة الهوية المصرية الخالصة. إذ طبع المستعمرون – الذين تعاقبوا على مصر – صبغتهم على الهوية والثقافة المصرية. وبدورها، تأثرت الفنون المصرية القديمة بالمتغيرات السياسية والاجتماعية المتعاقبة. فبدءاً من عام 300 ميلادية تقريباً، ومع دخول الإسكندر الأكبر إلى مصر، تأثر الفن المصري تأثراً كبيراً بالفنون اليونانية والرومانية. واستمر هذا التأثر إلى أن جائت الحقبة القبطية. ثم تلتها الحقبة الإسلامية بجذورها الضاربة في شبه الجزيرة العربية، مما نتج عنه – مرة جديدة – تغيرات عميقة في الثقافة والعادات والتقاليد المصرية.

فرح فى شارعنا، 2010

ومع كلٍ من هذه العصور، كانت ملامح وتقنيات وعناصر الفن المصري – بطبيعة الحال – تتشكل وتتغير هي الأخرى بالتوازي مع التقلبات السياسية والاجتماعية. إلا أن بعض هذه الملامح والعناصر ظلت ثابتة وحاضرة عبر الأزمنة. هذه الملامح الثابتة هي قوام الهوية المصرية الخالصة التي تمكنت أن تحافظ على نقائها عبر عدة آلاف من الأعوام، وصولاً إلى يومنا الحالي.

وربما يكون الفن القبطي – الذي نشأ في مصر بين القرنين الأول والثالث الميلادي – هو الامتداد الأقرب للفن الفرعوني، بعد القطيعة التي أصابت مسيرته كنتيجة للتأثيرات اليونانية الرومانية، أوالتطور الطبيعي له. وكما يصفه الباحث البولندي “جوزيف ستريجوزكي” والمتخصص في تاريخ الفنون، فإن الفن القبطي “نشأ كمحاولة لإعادة الروح الشرقية للفن المصري، بعد انتهاء الحقبة اليونانية الرومانية”. وقد كان عالِم المصريات الفرنسي الأشهر “جاستون ماسبيرو” هو أول من أشار إلى استقلال الفن القبطى عن سواه من الفنون الأخرى، على الرغم من تشابهه – فى الثلاثة قرون الميلادية الأولى – مع الفن اليوناني. إلا أن ماسبيرو يُرجع ذلك  إلى ارتباط الكنيسة المصرية مع الكنائس الغربية خلال تلك المرحلة. ويسجل أنه ما أن إنفصلت الكنيسة القبطية عن الكنائس الغربية وأصبح لها وجود مستقل، تخلص الأقباط من كل  ما له علاقة بالفنون البيزنطية واليونانية، وعادوا إلى الصناعات المصرية الفرعونية، مع إدخال تعديلات تتفق مع المعتقد الدينى المسيحى. وهوما يدفعنا للقول بأن الفن القبطي كان صرخة للهوية المصرية الخالصة، في مسيرة طويلة تداخلت وتشابكت فيها المؤثرات المتعددة التي شكلت التراث الثقافي والفني المصري.

وتقدم الكاتبة اللبنانية “كلود أبو شقرا” تفصيلاً لأهم خصائص الفن القبطي قائلة: “يتميّز الفن القبطي بأنه فن شعبي، وليس فناً ملكياً أو امبراطورياً. إذ كان الشعب يشرف على فنه ويبدعه وينفق عليه من ماله الخاص، بعيداً عن أى مساندة رسمية. فنٌ ريفي، نشأ تحت كنف الاضطهاد، وبعيداً عن أماكن الحكومة. لذا عكست الرسوم أشخاصاً عاديين وحيواناتهم الأليفة التي تملأ كل بيت، ومناظر تمثل الحياة الريفية والشعبية البسيطة”.

أحد الزععف، 2008

من هذه التربة البالغة الخصوبة، التي مثلت وصلاً بعد قطعٍ للهوية المصرية الخالصة، ذهب الفنان التشكيلي “جرجس لطفي” ليستحضر شخوص عالمه، بعد أن أفل منذ ما يزيد عن الـ 14 قرناً. من أيقونات الكنائس القبطية في القرنين الخامس والسادس الميلادي، بدأ جرجس لطفي ينسج خيوط حكايا جديدة ويخلق أيقونات جديدة أبطالها هذه المرة هم الناس العاديون، الذين نقابلهم في حياتنا اليومية.

وأهم ما يميز أعمال جرجس لطفي اليوم هو تلك القدرة الفريدة على التقاط مشاهد من الواقع، قد تبدو عادية، إلا أنها تحمل في ثناياها حكايات غير عادية. وكما في آخر معرض أقامه الفنان تحت عنوان “هي دي مصر يا عبلة” (مايو 2013)، يصور لطفي المشاهد الحميمية المحيطة به، مستلهماً منها أعمالاً مثل: “الحي” (2010)، و”زفاف في الشارع” (2010)، و”المولد” (2010)، و”زيارة إلى حديقة الحيوان” (2008)، وغيرها، مقدماً من خلالها رؤيته لمشاهد ومعتقدات مصرية لا تتعلق بدين معين، وإنما تعد من الموروثات الشعبية المغروسة في الوجدان المصري.

فعلى سبيل المثال، تعبر لوحة “كبسة” (2008) عن معتقد شعبي يمنع الرجل الذي حلق لحيته أوعبر ترعة أو قناة للتو أن يزور سيدة عقب الولادة، وإلا فلن تحمل مرة أخرى. وتصور لوحة “كبسة” طقساً شعبياً يُعتقد أنه يحمي المرأة من هذا الفأل السيئ. أما لوحة “العرافة” (2010) – وهي أحد لوحاته الزيتية القليلة – فنجد فيها امرأة جالسة منصتة بإهتمام لما تقوله امرأة أخرى تمسك بيدها فنجاناً فارغاً من القهوة، كأنما تريد أن تستشف من كلماتها ما يخبئه لها المستقبل. وفي الزاوية اليمنى من اللوحة، نجد طفلاً يلعب بكرة ملونة، مائلاً برأسه نحو المشاهد. مشاهد كتلك مرت بلطفي وعايشها وعبر عنها في أعماله التي تصور مظاهر من التراث الثقافي المصري شديد التنوع والثراء.

وتحمل لوحة ثانية من أعمال لطفي كذلك عنوان “العرافة”، إستخدم فيها تقنية التمبرا على الخشب المعالج. وفي لوحة العرافة الثانية، نشاهد رجلاً وامرأة يجلسان على مقعد في حديقة، بينما تجلس امرأة على الأرض تُلقى بعض الأصداف على ورقة عليها خطوط وعلامات.  الشخوص الثلاثة في اللوحة يبدون ثابتين في مواجهة المشاهد. وإذا ما قارنا هذا العمل بلوحة العرافة الأخرى، نجد أن الجو العام لهذا العمل أقل غموضاً. فبينما تعطي اللوحة الزيتية إحساساً بالحميمة، تعطي اللوحة المرسومة باستخدام تقنية التمبرا إحساساً بأنها صورة فوتوغرافية تُوثق حدثاً.

 ومؤخراً ، وفي ضوء ما لحق بالكنائس والمؤسسات القبطية من دمار وحرق خلال الأشهر القليلة الماضية، وحالة الاستقطاب التي فرضتها الظروف السياسية على كثير من المصريين، سعى جرجس لطفي لتسليط الضوء على الطبيعة المتجانسة للمصريين: فيصور في لوحته “مخبر المحبة” مجموعة من الجيران يجتمعون للتحضير لأحد المناسبات الدينية، بصرف النظر عن الدين أوالمعتقد. ويوضح لطفي بمهارة كيف يتداخل الدين مع التقاليد كعنصرين رئيسيين يشكلان سوياً الفسيفساء الفريدة للمجتمع المصري.

أما لوحة “ليلة في الحسين” (2010) – بتقنية التمبرا ورقائق الذهب على الخشب المعالج – فهي عمل مليء برجال جالسين على مقهى شعبي، جميعهم ينظرون تجاه المشاهد. وكعادة لطفي، فإنه يترجم المشهد بدقة ولا يترك أية فراغات في اللوحة. وبرغم كونه لا يستخدم المنظور في رسومه، إلا أنه يخلق العمق المطلوب من خلال تفاوت أحجام وجوه الأشخاص. والملاحظ أيضاً أن تجانس الأشخاص في تلك اللوحة لا يطغي على فرديتهم، حيث يظهر كل واحد وهو يؤدي الوظيفة التي تميزه.

إن عدم تركيز لطفي على العمق والمنظور في تصويره للواقع يعكس جوا من الغموض حول العناصر العادية في أعماله. فيقول لطفي أنه يصور الضوء الذي ينبعث من الناس أنفسهم، كما كان يحدث قديماً في أيقونات القديسين الذين تظهر هالات من النور حول رؤوسهم.

خبيز الكحك، 2010

في الوقت ذاته، حاول جرجس لطفي من خلال أعماله إحياء استخدام التقنيات التي استخدمها أسلافه الأقباط، فاستخدم تقنية التمبرا القديمة التي تتكون ألوانها‏ من‏ ‏أكاسيد‏ ‏من‏ ‏مساحيق‏ ‏أحجار‏ ‏طبيعية‏ ‏أو‏ ‏مواد‏ ‏معدنية‏ يتم‏ بخلطها‏ ‏بوسيط‏ ‏مائي‏ ‏لاصق‏ ‏مثل‏ زلال البيض أو ‏الصمغ‏ ‏العربي‏ ‏أو‏ ‏المواد‏ ‏الغروية‏ ‏الحيوانية‏.‏ وقد استُخدمت تقنية التمبرا قديماً في تزيين جدران‏ ‏المعابد‏ ‏والتوابيت‏ ‏والأقنعة‏ ‏و‏الأخشاب، بالإضافة إلى “وجوه الفيوم” الشهيرة.

ويصف لطفي تلك التقنية بأنها وسيلة دقيقة جدا،ً حيث أن الطلاء فيها يجف بسرعة كبيرة، ومن ثم يستحيل إضافة أي لمسات لتصحيح الأخطاء أو للتنميق. ولهذا، فعلى الفنان أن يُجري حساباته بدقة أثناء العمل، لأنه ليس هناك مجال للخطأ. واستطاع لطفي من خلال إستخدامه لتلك التقنية تنفيذ صور مسطحة لمجموعة من الشخصيات في لوحات تميزت بالازدحام الشديد – ربما تعبيراً عن الوضع المصري الحالي المزدحم بالتعقيدات هو الآخر. وبمقارنة أعمال لطفي بتقنية التمبرا مع أعماله الزيتية نلحظ أن الألوان في أعمال التمبرا تتميز بالصخب والحيوية البالغتين.

مثلها كمثل أعمال التمبرا – التي عادة ما تظل سليمة وفي حالة جيدة لفترات زمنية طويلة – ستبقى أعمال جرجس لطفي لتشاهدها الأجيال القادمة وتتعلم منها.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٦ ، ٢٠١٤

الأكثر قراءة

جاليري الصور

بعض المختارات من لوحاتنا المفضلة

فن يحمل ذاكرة وطن
مجموعة مؤسسة الأهرام الفنية

تحظى مؤسسة الأهرام الصحفية بواحدة من أهم المجموعات الفنية التي تؤرخ للحركة التشكيلية في مصر. لوحات وقطع نحتية وجداريات تروي الكثير عن الواقع المعاصر، دون إطناب أو ثرثرة، خارج إطار المتاحف العامة.

الإستثمار فى الفن المصري

في السنوات الأخيرة ازداد الإقبال على الإستثمار من خلال اقتناء اللوحات والقطع الفنية المصرية. سوق واعدة، يجدر الاهتمام بها

بيت في روما

الأكاديمية المصرية للفنون الجميلة فى روما كانت في البداية مجرد حلم راود الرسام راغب عياد في
عشرينيات القرن الماضي،وسرعان ما تحول إلى واقع يطالعنا حتى الآن في حدائق فيلا بورجيزي.

في حضرة الرسامين

جولة في عشرة متاحف للفن المصري الحديث، بعضها كان مقراً ً أو مرسما ُ للفنانين ثم ضمت أعمالهم لتخلد حياة كاملة من الإبداع.

النقد والصحافة الفنية
حتى بداية السبعينات

رغم الزخم الذي شهده تاريخ النقد الفني في مصر منذ بدايات القرن العشرين، إلا أن الفن التشكيلي لم يحظ إلى وقتنا هذا بالاهتمام الذي يسمح له بتحقيق قاعدة جماهيرية أو بمواكبة الزيادة في عدد قاعات العرض.