بقلم سامي زبيدة
ترجمة نوران ابراهيم

وصف حضري لحياة الفلاحين وطعامهم في مصر القرن السابع عشر

 [قحوف جمع قِحْف، وتعني حرفيًّا “الجمجمة بما تنطوي عليه من دماغ”، ولكنها هنا أيضًا تشير إلى الطاقية الصوف التي يرتديها الفلاحون. ومن ثَمَّ، يشير عنوان الكتاب إلى هزِّ الطواقي أو الرؤوس].

الشربيني شخصية غامضة. اشتغل وعاش في العقود الوسطى والأخيرة من القرن السابع عشر في دمياط، وهي إحدى المدن الرئيسية في الدلتا المصرية. عاش في القاهرة بضع سنوات؛ حيث درس في الأزهر. كان عالمًا دينيًّا يافعًا، وواعظًا في بعض الأحيان، ونسَّاجًا في أحايين أخرى. لا يُعرف الكثير بشأنه، ويأتي ذكره تاريخيًّا وعلى نحو أساسي، من خلال عمله الأشهر موضوع بحثنا الآن: “هزّ القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف. أغلب الظن أن الكتاب كُتب في ثمانينيات القرن السابع عشر. وهو ينتمي إلى جنس الأدب، وقد جاء حصاد حوارات العلماء ورجال الأدب المحليين حول الدين والقانون والأدب وما يتعلق بقضاياهم.

ادعى الشربيني أن هذا الشعر الريفي يخصه: فهو يقتبس القصيدة بيتًا بيتًا، متوقِّفًا عند كلٍّ منها ليكتب مقالًا مطوَّلًا يتتبع فيه معاني الكلمات واشتقاقاتها، مُعرِّجًا على النوادر والمقالات والأبيات ذات الصلة بالموضوع. غير أن موضوع الأبيات يدور بشكل أساسي حول الطعام والشراب، وهنا تكمن فرادة العمل الذي نحن بصدده.

تهيئة الأجواء

عادة ما تكون تجسيدات الريف وسكانه من الفلاحين والمفاهيم المرتبطة بهم محض ابتداع حضري ونتاج للمتعلمين من المشاهدين والاقتصاديين والمنظرين الاجتماعيين، وهذا العمل ما هو إلا مثال على ذلك: فأحوال الفلاحين المتردية، بما يتضمن طعامهم، تتعرض للسخرية بفكاهة على يد أحد الدارسين من أبناء الحضر، بحيث يعلق ظاهريًا على قصيد من المفترض أن قائله هو فلاح فقير يشكو مصاعب حياته ومصائبها، ويحلم بالأطعمة التي ستمنحه السلوى وتشبع جوعه الدائم.

رسم - محمد صلاح

كان الفلاحون في مصر العثمانية يزرعون مساحات صغيرة من الأرض التي يقيدون إليها قانونًا كالعبيد. رسميًّا، كانت الأرض تنتمي إلى الدولة وكان الفلاح يدفع ضريبة/ إيجارًا يعتمد على حجم المحصول أو قيمته. ولكن الدولة فوَّضت إلى “الملتزم” جباية الضرائب. وعادةً ما كان ذلك الملتزم يقوم مقام مالك الأرض، وفي بعض الأحيان يتم ذلك بالوراثة، وكان يمتلك سلطات واسعة فيما يتعلق بالجباية، تشمل إنزال العقاب على أي تراخٍ أو تهرُّبٍ من أداء ما عليهم من التزامات. وكان أبو شادوف، الشخصية الرئيسية التي يحمل العنوان اسمها، ينتمي إلى طبقة الفلاحين المسحوقة هذه. وتسهب كثير من أبيات القصيدة في وصف هذه الصعاب ومعاناة البطل وإحساسه بالقلق لهذا الابتزاز ومحاولاته من حين لآخر التنصُّل منه. ويدلي الشربيني بتعليقاته بشأن قسوة حياة الفلاح وبؤسها (مقارنة بحياة قاطني المدينة)، ولكن دون الكثير من التعاطف؛ حيث اعتبر هذه المشاقّ قدرًا مقدورًا عليه لا حيلة له في دفعه. ويكرر حمده وشكره لله الذي لم يخلقنا فلاحين. مُشيرًا إلى تكرار ذلك الأمر في الصلوات التي كان الرجال يشكرون فيها الله الذي لم يخلقهم نساءً.

موكب الطعام

على مدار القصيدة، يعدِّد أبو شادوف ويصف أنواع الطعام ومكوناته وأطباقه. آخذًا على الفلاحين الجلافة والقذارة وعدم مراعاتهم القواعد الصحية في حياتهم. مقارنًا إياها بعادات الحضر للأطعمة ذاتها؛ بحيث يعطي القارئ لمحة عن تقاليد الطبقات العليا والفلاحين الريفيين الذين كان يحتقرهم، في الطعام والشراب.

اللبن ومشتقاته

يقصد باللبن هنا اللبن البقري أو الجاموسي. نادرًا ما يُذكر اللبن بوصفه مشروبًا طازجًا، بل دائمًا ما يُتناول مخمَّرًا ومحفوظًا، وعادةً ما يمزج بالحبوب. صنفان من هذه النوعية يبرزان في الأبيات: “الكشك” و”المِش”.

ولا هَدَّني مِن بَعْدِ هادَه وَهادِهِ –  سوى الكِشك لَمَا يستحق غَريف (331)

يقسم الشربيني سكان مصر إلى الفئات التالية: سكان المدن، وبخاصة القاهرة، وهم في منتهى النبل والرقي، وطعامهم ممتاز. وداخل هذه المجموعة، يفضِّل العائلات ذات الأصل التركي باعتبار ذلك دليلًا على أرستقراطية الذوق. أما سكان الريف، فهم مقسمون إلى سكان القرى الأكبر المطلة على النيل مباشرة، والذين يُمنحون شيئًا من الاحترام فيما يتعلق بأسلوب الحياة والذوق. أما الفئة الأدنى، فهي فئة فلاحي الكفور الداخلية التي لا تطل على النيل، وإنما على ترع النهر ومستنقعاته. وإلى هذه المجموعة ينتمي أبو شادوف. ويحتفظ الشربيني بجُلِّ سخطه واحتقاره للريفيين من الموظفين ودراويش الصوفية والشيوخ، الذين يُصوَّرون جهلة وجشعين وأسرى الخرافات.

رسم محمد صلاح

والكشك أحد أصناف طعام الشرق الأوسط الشائعة؛ حيث يطبخ باللبن المجفف المخمر أو اللبن الرائب أو الزبادي، الذي عادةً ما ينقع في الحبوب أو الدقيق، ومن ثم يشكل على هيئة الكعك ويجفف. يشرح الشربيني كيفية تحضير أهالي القرى الكبيرة المطلة على النيل للكشك كما ينبغي. ويعتبر هذا الطعام الممتاز والصحي مختلفًا تمامًا عما يصنعه سكان الكفور والنجوع “فلا أراك الله مكروهًا!” (335). يتابع المؤلف وصفه للطريقة التي يُطبخ بها الكشك المجفف في أماكن مختلفة. يطبخه أهل القرى بالأرز واللحم السمين، وأحيانًا بالدجاج أو أصناف الطيور المأكولة الأخرى. في دمياط، يطهونه بالسمك البوري السمين. أما ذوو الأصول التركية الراقون فيجعلونه على هيئة حساء بالأرز ويزينونه بالخضرة المقلية والسمن، وفي بعض الأحيان يضيفون لحم الضأن. ويأتي ذلك على النقيض من الطبخ (الرديء) للكفور؛ حيث يطبخ كشكهم الأدنى مكانة بالفول المدشوش، مع إضافة خبز الشعير والبصل، ويأكلونه ساخنًا في الصباح، ثم باردًا وجامدًا في المساء، ويرى المؤلف أنه غير صحي ويؤدي للانتفاخ وما هو أسوأ.

أما الصنف الآخر الشائع من الألبان، فهو المش، والذي يعرفه المؤلف بقوله: “مش الجبن القريش الأزرق الذي مضى عليه زمان طويل حتى صار يقطع ذنب الفأر من شدة حرارته وقوة ملوحته؛ لأن هذا غالبًا مأكول أهل الريف في الغداء، وربما تناولوه في العشاء أيضًا”. (361).

الخُضار

أما الخضار الذي يذكر أكثر من غيره، فهو البصل، سواء كان أخضرَ أو جافًّا، دائمًا بوصفه زينة الأطباق، خاصة الكشك أو البسار (البُصارة) أو العدس. ولا يظهر في النص سوى القليل من أنواع الخضار الأخرى، باستثناء الذكر المتكرر للملوخية التي تستخدم في صورتها الطازجة أو المجففة، ودائمًا ما تكون مخرطة، وتتميز بطعمها اللاذع وتطهى في الشُّرْبَةِ والمرق، وتعطي قوامًا غليظًا أو دبقًا (أو ’لزجًا ‘وفقًا لمنتقديها)، يشبه البامية (إحدى الأكلات المفضلة الأخرى في المنطقة). والملوخية هي إحدى أيقونات ثقافة الطعام المصرية، تاريخيًّا وفي الحاضر، وتبرز بقوة في نصنا هذا.

“عَلَى مَن رأى البيسار في الجرن جالو  – ويَدعَس ولو كان بالقُلِنج ضَعيف” (346)

“البيسار”، كما يؤكل في المناطق الريفية، وهنا يسخر المؤلف من الفلاح قائلًا: “حتى يصير الشخص منهم كأنه الزقّ المنفوخ، ثم ينام هو وزوجته فوق الفرن، “فتدور الروائح في بطونهم وتخرج من بينهم مثل الزوابع فيكون هذا بخورهم طول ليلتهم”. (347)

تصوير - كريس ب

يتكرر ذكر البيسار كطعام عادي إلى جانب العدس. وتتألف نسخة الفلاحين من الملوخية الناشفة المخلوطة بالفول المدشوش والتي توضع في قدر من الفخار وتغطى بالماء وتدخل إلى الفرن. يرش عليها بعد ذلك قليل من زيت السمسم وتحاط بالبصل المخرَّط أو أوراق الكزبرة. ويخبرنا المؤلف أن هذا هو ما كانوا يأكلونه في الغداء والعشاء وفي السحور والإفطار في رمضان.

’وأما النوع الحضري، فما ألذَّه وأشهاه‘: أوراق نظيفة، طازجة أو منشفة حديثًا، منزوعة العيدان، مخرطة جيدًا تطهى في ماء نقي نظيف في طنجرة رومي (قدر تركي من النحاس بغطاء محكم)، عليها غطاء محكم، وتسخن فوق الحطب الرومي (خشب النار التركي)، حتى تصل إلى القوام المضبوط، مع تطييبها بالثوم المخلوط بالسمن البقري ودهن الليَّة، وتبهيرها بالفلفل والكمون (الجيد للهضم)؛ وقد يضيف بعضهم إلى ما سبق بعض الفول المدشوش، ولكن يزيد في الدهن والسمن حتى لا يظهر طعم الفول، ومنهم من يستخدم قطع الكباب من لحم الضأن (جمع الحبايب). أما الأتراك الراقون فيطبخون الملوخية طازجة كاملة الأوراق، مع مزجها بالسمن واللحم أو الدجاج. اليوم، تطبخ الملوخية المعروفة في تركيا وبلاد الشام وقبرص أيضًا من دون خرط، مثل السبانخ أو الخضرة، على عكس الطريقة المصرية المعتمدة على خرطها جيدًا وطهيها في المرق.

أما الخضار المورق الآخر المذكور كأحد أطعمة الفلاحين وسكان المدن فهو “الخبيزة” التي تنمو بشكل بري، وتجمع من على أطراف الحقول. وتطهى الخبيزة في الماء، ويرش عليها زيت السمسم، مضافًا إليها البصل المخرط والكزبرة.

البقول والجذريات

يصف الشربيني القدر المستخدم في طهي الفول، بأنه الفوالة واسعة البطن ضيقة الفاه التي يمكن سدها بسهوله بقطعة من القماش أو الليف. حيث يُصفُّ الفول النقي الأبيض، ثم يُصبُّ الماء الرائق العذب عليه؛ ومن ثم توضع القدرة في فرن مثل جورة الفران لليلة كاملة يتعهدونه فيها بالسقي كلما نشف. ويشبه المنتج في لونه وحسن الاستواء العجوة، ومن ثم يأكله أهل المدن متبَّلًا بالسمن أو زيت الزيتون أو قشدة اللبن أحيانًا، مع إضافة عصير الليمون أو الخل والكراث الأخضر المخرط.. ويشبه ذلك الأساليب المفتخرة لتناوله حاليًّا، باستثناء قشدة اللبن. وكما هو متوقع، فإن طبخ الفلاحين لهذا الفول أدنى بكثير في الجودة، ولا يتبَّل سوى بالبصل، وللأفضل حالًا، الزيت الحار (الذي لم يزل واسع الاستخدام حتى يومنا هذا).

فوالة طينية مستديرة (حصل عليها و. بلاكمان في عشرينات القرن العشرين) من النوع الذي كان ليستخدم في الريف المصري أثناء القرن السابع عشر. أمناء المتحف البريطاني.

طازجة كانت أو مجففة، تعد أصناف العدس والحمص والفول من السلع الرئيسية، وتظهر في كثير من الأطباق كما رأينا، وتشيع في كل المناطق الحضرية والريفية. كان الفول طعامًا يوميًّا شائعًا في مصر وقتئذ ولم يزل كذلك حتى الآن. والتسمية الأكثر شيوعًا لطبق الفول في العصور الحديثة هي الفول المدمس، وهو عبارة عن فول مجفف يطهى على مهل، ومن ثم يتبَّل بالزيت أو السمن، وأي من الإضافات الكثيرة الآتية: البصل والجبن والبيض والبهارات، غالبًا ما تكون شطة الآن، وعصير الليمون.

“وَلا شاقَني إلَّا المُدَمَّس وَريحَتو  –  على مَن جَتو جَفنَه وَنُصُّ رَغيف” (341)

وكل من شمَّ رائحة طهي الفول المدمس سوف يفهم على الفور الإشارة إلى الرائحة القوية والمميزة، والتي يرى الكثيرون أنها مُشَهية.

الخضار الجذري الوحيد المذكور هو القلقاس؛ في سياق كونه يَخْنَى بالفول أو اللحم. ولم يزل القلقاس يستخدم، وإن لم يكن على نطاق واسع، في مصر والكثير من أنحاء الشرق الأوسط وقبرص (“كولوكاسي”). أما الخضار الجذري الأكثر انتشارًا الآن، البطاطس، فقد كان أحد الواردات من التبادل الكولومبي؛ حيث وصل إلى المنطقة بعد ذلك بكثير.

السمك

يقدم الشربيني أطروحة حول السمك الذي كان المصريون يتناولونه وقتئذ. تتضمن قائمته البوري والدنيس والبنّيّ، وهو سمك نهري قد يكون أحد أنواع الشبوط أو البربيس. كان ينظر إلى السمك بشيء من الحذر، فهو طري و”بارد” و”رطب” وفقًا للتقسيم الجالينوسي. من أجل ضبط أخلاط الجسد، ويخبرنا الشربيني بأنه لابد من طهيه في السمن مع البصل والتوابل الحارة، وبأنه يزيد في “الباه” (426). “ونفع الكبير منه أن يؤكل مع شراب عتيق وزبيب، ونفع الصغير أن يؤكل بشراب عتيق وفالوذج” (أحد أصناف الحلويات المصنوعة من النشا والسكر أو العسل واللوز: ويظهر الاسم، وهو فارسي معرَّب، في الوصفات القديمة، ولكنه يغيب عن الاستخدامات الحديثة). ويبدو ذكر النبيذ غريبًا، وعلى حد علمي فإن المزج بين السمك والزبيب يحدث فقط في المطبخ الصقلي، ويعتبر من أصل عربي. أما البوري، فيحشى بالبصل والتوابل ويؤكل مع الأرز المفلفل. كما يخبرنا أن السمك أيضًا يطهى بالكشك ويؤكل مع الأرز الدبق. وبالنسبة إلى الفلاحين الفقراء، يبدو أن السمك كان يأتي إليهم عن طريق الترع والروافد التي كانت تصل لكفورهم.   

المحار

على من جتو أم الخلول لدارو – ويعزم على أهل البلد ويضيف (366)

يخبرنا الشربيني أن المحار توجد على ساحل البحر وفي البحيرات المالحة، ويشرحها لقرائه؛ مما قد يعني أنها لم تكن مألوفة لهم. وتكنى المحار بأم الخلول (جمع خل!)، وليس الاسم غريبًا وحسب، ولكنه أيضًا غير معتاد في مفردات المحاريات المصرية المستقاة في أغلبيتها من الأسماء اليونانية والإيطالية. والإشارة إلى الخل، كما يستنتج المؤلف، نتيجة إضافته إليها عند تناولها. ويخبرنا الشربيني أن الحيوان الرخوي ينزع من محارته ويخلط بالملح والخل ويؤكل نيئًا. ولا يألو الشربيني جهدًا في قدح هذا الطعام وذمه؛ إذ يعتبره مقززًا ولا يتناوله إلا الفلاحون المنحطون.

وربما أخرجوه وهو طري ولتوه بالملح وأكلوه وهذا أقبح المأكول وأردؤه وأخبثه نعوذ بالله منه، ولله الحمد والمنة على عدم الأكل منه… (367)

وهذا هو نوع الطعام الوحيد الذي لا يجد الشربيني نظيرًا له يفضله في المدينة.

الفسيخ

أَنَا خاطِرِي أَكلَة فِسيخٍ عَلَى النَّدَه  – أَضَالُ عَلَيهَا بَاكِيًا وَأَسِيف (416)

لم يزل كلٌّ من الفسيخ والبطارخ يؤكلان في مصر، وإن لم يكونا بدرجة الشيوع ذاتها، فهما يمثلان الطعام الموسمي لأعياد الربيع المصرية المعروفة بشم النسيم، والتي يخرج فيها المصريون للنزهة حيث يأكلون الفسيخ مع البصل النيء. ومن الغريب ألا يذكر الشربيني هذه الصلة بالفسيخ؛ مما قد يعني أن هذا التقليد أكثر حداثة.

الفسيخ هو السمك المملح/ المتعفن، وعادة ما يكون “بوري”. ووفقًا لوصف الشربيني، فإن السمك يملح دون تنظيف، ثم يرص في برميل، ويُسحب بعد فترة بعد أن يكون قد ضمر وجفَّ، ويؤكل مع الخبز وعصير الليمون أو الخل، وعادة مع البصل والثوم المخرط.. ولا يتورع الشربيني عن نقده نقدًا لاذعًا نظرًا إلى رائحته البشعة وطعمه المقزز العفن، ويتعجب من أن الفلاحين، وخاصة نساءهم، يعتبرونه أحد أطايب الطعام المميزة. ولكنه، على الرغم من ذلك، يمتدح النسخة الحضرية المصنوعة من بيض السمك البوري الذي يملح ويجفف، ويعتبره أحد أشهى أطايب الطعام، وهو البطارخ المعروفة في أرجاء بلاد البحر المتوسط، وتسمى “بوتارج/ بُتارجا/ پوتارج” في فرنسا وإيطاليا، وتنحدر جميعها من الكلمة اليونانية التي تدل على البيض.  

طاجن السمك

عَلَى مَن نَضَر طَاجِن سَمَك فِي فُرَيِنِه – وَلَو كَانَ يَا اخوَانِي بِلَا تَنضِيف (425)

يصف الشربيني طاجن الناظم بأنه يتألف من سمك القراميط والشبار الصغير والصير المتبقي في البرك والنقر بعد انحسار مياه النيل. يوضع هذا السمك في طاجن مع البصل والزيت الحار، ويطهى في الفرن، ثم يؤكل بخبز الشعير.

اللحوم والطيور

يكاد ذكر اللحوم ينعدم فيما يتصل بطعام الفلاحين. ويأتي ذكر الكباب و”اللحم السمين” بشكل عابر بوصفهما إضافة إلى أطباق أخرى من علامات المطبخ الحضري الراقي. ولكن يوجد أحد منتجات اللحوم التي يتكرر ذكرها في وصف طعام الفلاحين، ألا وهو معدة الذبيحة (الكرشة).

       على من رأى في التل كرش ملقح  –  ومن فوقه الدبان يعف عفيف

  دانا ان شفته خدتو بحالو سلقتو – وكلتو بتفلو ما أرى تقنيف (432-433)

وبغض النظر عن الصورة المقززة، فإن هذيْن البيتيْن يدلان أيضًا على الجوع الشديد لأحد عناصر اللحم الحيواني التي يندر العثور عليها. ويخبرنا الشربيني أن الكرشة، التي تأتي عادة من ذبح الحيوانات في عيد الأضحى، تنظف بحرص، حتى من جانب الفلاحين المحتقرين، ومن ثم تطهى مع الأحشاء والرأس والكوارع لتكون طبقًا “يسمونه جغل مغل وله عندهم موقع عظيم” (435). ولا تنبذ هذه الأطايب في المدينة، بل على العكس، فإنهم، بالطبع، يطبخون المكونات ذاتها بنظافة، ويضيفون السمن والتوابل المتنوعة؛ بحيث يتناولون هذا الطبق “بالرأس مدروجًا في الكرش مغسولًا نظيفًا”.

يذكر الدجاج بصورة عابرة بوصفه إحدى الإضافات الفاخرة للأطباق الأخرى الحضرية والتركية، مثل اللحوم. كما يظهر الحمام، الصنف المصري بامتياز إلى يومنا هذا، في القصيدة:

عَلَى مَن نَضَر فِي فُرنِ دَارُو طَوَاجِن  – زَغَاليِل مِن بُرجِ ابن اَبو شَعنِيف (418)

ويظهر بجلاء الغياب التام للبيض من النص ومن التعليق. وهذا يُعد أمرًا محيرًا؛ لأننا نعرف أن البيض كان طعامًا مألوفًا على الموائد العثمانية على الأقل منذ القرن الرابع عشر، والأصناف التركية كانت تنتشر في مصر، على الأقلِّ بالنسبة إلى النخبة، الذين يكتب الشربيني عنهم بمنتهى التوقير.

الاستمرارية والتباين

وفي موكب المشاهد الغذائية في الريف والحضر المصرييْن بالقرن السابع عشر هذا، قد يسترعي انتباهنا عدد من الخواص التي تستحق مزيدًا من التعليق. إحدى هذه الخواص هي الاستمرارية المدهشة للكثير من مكونات الطعام على مرِّ القرون وصولًا إلى يومنا هذا. الأصناف الأساسية المميزة للطعام المصري اليوم كانت موجودة وقتئذ: الفول، وخاصة المدمس، والملوخية والحمام والكشك والحبوب والبقول والتوابل والبهارات المتنوعة والشائعة في المنطقة، كما تذكر تشكيلة متنوعة من الأسماك وطرق طهيها، بعضها يستمر في نسخته الحديثة، ولكن بعضها الآخر لم يعد شائعًا، حتى ولو كان معروفًا. ولم يزل السمك المملح المحفوظ (الفسيخ والبطارخ) موجودًا، ولكن ليس شائعًا، وحتى البوري المحشي أضحى صنفًا أقلَّ شيوعًا، ولم أسمع عنه سوى في إيران وتركيا. ولكن بالرغم من ذلك، فإن استمرارية الأصناف والطرق لم تزل مدهشة.

الإضافات الأساسية اليوم هي واردات التبادل الكولومبي، بشكل رئيسي: الطماطم والبطاطس والذرة واللوبيا، بالإضافة إلى الفلفل الحار. وبحلول القرن السابع عشر، يبدو أن بعض هذه الأصناف كان قد تسلل ببطء إلى العديد من المناطق.

أما الخاصية الأخرى اللافتة فهي التوافر الواضح، حتى ولو كان محدودًا، للعديد من هذه المكونات بالنسبة إلى الفلاحين. نحن على دراية بتاريخ الغذاء في أوربا؛ حيث كان لطبقة الفلاحين نظام غذائي شديد المحدودية حتى وقت قريب نسبيًّا. وكان الفلاح المصري يعاني على حد سواء من النظام الغذائي المحدود والروتيني، والمنحصر معظمه في خبز الشعير والبصل والبقول؛ مما يبرر لهفة أبي شادوف الشديدة على أصناف الطعام الأخرى، وجوعه حتى للكرشة القذرة التي يحاصرها الذباب على كوم القمامة. ولكن على الرغم من ذلك، يبدو وكأنه كانت هناك تشكيلة من مكونات الطعام المعروفة للفلاحين، الذين كانوا يتناولونها من حين إلى آخر، حتى ولو فيما يفترض أنها صورة منحطة من تلك الأطعمة. ويبدو أن طعام المدينة والنخبة، الذي يمتدحه ويوقره الشربيني، كان يتميز بشكل أساسي بإضافة البروتين الحيواني والمكونات الدسمة والتوابل: الزبد واللحم السمين والكباب والدجاج.

وتوجد لدينا روايات عن الذخيرة الغذائية في ريف مصر وحضرها في بدايات القرن التاسع عشر، ونخص بالذكر هنا ما أتى ذكره في سرديات إ. و. لين الكلاسيكية المكتوبة في مصر في السنوات 1833-1835. يذكر لين القائمة التالية من أطعمة الفلاحين:

ويتكون طعامهم [الفلاحين] من الخبز (المصنوع من الدخن أو الذرة)، ومن اللبن والجبن الجديد والبيض والسمك الصغير المملح والخيار والشمام والقرع على أنواع كثيرة الاختلاف، والبصل والكراث والبلح والمخللات… ولا يدخل الفلاحون الأرز في طعامهم العادي لغلو ثمنه، وقلما يذوقون اللحم. (204)

وعلى النقيض، نجد أن موائد الطبقات الحضرية المرتاحة احتوت على تشكيلة من الأطعمة الغنية رفيعة المستوى: يخني اللحم والخضار، ومحشي ورق العنب، ومختلف السلطات والمخللات، واللحوم المطبوخة في السمن، والحلويات والفاكهة شديدة التنوع. “إن الطائر المخلي، المحشو بالزبيب والفستق والخبز المفتت والبقدونس ليس طبقًا غريبًا” (162)، ويمكن لخروف كامل أيضًا أن يحشى بالطريقة ذاتها.

نلاحظ أن التباين بين المدينة والريف فيما يتعلق بالنظام الغذائي أكبر بكثير في رواية لين مقارنًا بنص الشربيني. ولكن ربما أتى ذلك نتيجة لذكر الشربيني الأطعمة الحضرية في سياق علاقتها بقائمة من المكونات التي يأكلها الفلاحون، بحيث أُسقطت أطعمة الصفوة التي لم تكن ذات صلة بهذه القائمة. ويقدم نصُّ الشربيني لنا لمحة مثيرة عن كل من النظام الغذائي المصري في القرن السابع عشر والحياة في الريف وكذا السلوكيات الحضرية تجاه هذا النظام، ولكنه أيضًا يتركنا في مواجهة العديد من الأسئلة التي تستحق، دون شك، المزيد من الاستكشاف.

***

“هزُّ القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف” لكاتبه يوسف الشربيني، ترجمه وقدم له: همفري ديفيز في مجلديْن: المجلد الأول النص العربي الأصلي، والمجلد الثاني الترجمة الإنجليزية، الناشر Uitgeverij Peeters en Department Oosterse Studies، لوفن 2007. جميع الاقتباسات هنا من المجلد الثاني، مصحوبة بأرقام الصفحات.

 

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩