الأكاديمية المصرية للفنون الجميلة فى روما كانت في البداية مجرد حلم راود الرسام راغب عياد في
عشرينيات القرن الماضي،وسرعان ما تحول إلى واقع يطالعنا حتى الآن في حدائق فيلا بورجيزي.

مبنى الأكاديمية اللمصرية للفنون الجميلة فى روما

http://www.accademiaegitto.org

تأسست الأكاديمية المصرية للفنون الجميلة فى روما، عام 1929، بفضل رؤية الرسام راغب عياد، وتكريماً للتعددية الثقافية التى تميز بها مشهد الفن المصرى الحديث فى أوائل القرن العشرين، ومازال متأثراً بها إلى حد كبير.

ففى سنة 1921 اتفق اثنان من شباب الفنانين المصريين الطموحين على خطة لكي يمولا دراستهما في إيطاليا، و قررا أن يعمل أحدهما لمدة عام مدرساً للفن فى القاهرة ويقوم بتمويل دراسة الآخر فى روما، على أن يبدلا الأدوار في السنة التالية. وبالفعل غادر يوسف كامل القاهرة أولاً إلى روما، بينما بقى صديقه راغب عياد فى القاهرة للعمل وإرسال الأموال اللازمة له فى روما، وبعد مرور العام عاد يوسف كامل للتدريس فى القاهرة وغادر راغب عياد إلى روما بهدف استكمال دراسته.

أثارت هذه الفكرة اعجاب الناس، مما شجع البرلمان المصرى على تخصيص مبلغ 12 ألف جنيه سنويا لتمويل المنح الخاصة بدراسة الفن فى الخارج.

وفى العام 1926، منحت وزارة التربية والتعليم ثلاث منح للدراسة فى روما لكل من يوسف كامل وراغب عياد ومحمد حسن. وقام الأمير يوسف كمال بالتبرع بالجزء الأكبر من النفقات، وهو من أسس مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1908 ودعمها حتى 1925.

ومن وحى إقامته في روما، استلهم عياد فكرة إنشاء بيت مصرى للفن والإبداع فى تلك المدينة الخالدة، وبالفعل قدم اقتراحاً عام 1926 لأحمد ذو الفقار، الوزير المفوض لدى السفارة المصرية هناك، لتأسيس أكاديمية الفنون المصرية فى روما، ورسم صورة حية للمشروع الذي اعتبره ضروريا لإبراز التراث التاريخى والثقافى في مصر ولعرض جوانب مختلفة من الفن المصرى الحديث وتقديمها بشكل رائع لا يقل عن مستوى ما ينظم في العالم الغربى.

كانت كلمات عياد، عند طرح الموضوع، شاعرية وصادقة، وقد شدد أيضاً على أهمية سفر الفنانين المصريين  للخارج وتعرف الشباب على الإبداع والفن الموجود فى روما.

وبالفعل اعتمدت وزارة الخارجية انذاك اقتراحه المتحمس، وأحالته لمجلس الوزراء الذى أصدر فى العام 1929 مرسوماً بإنشاء الأكاديمية المصرية للفنون الجميلة فى روما، على غرار الأكاديميات الأجنبية الأخرى فى العاصمة الأوروبية العريقة.

عدد من مجلة المصورعام 1926 يبرز زيارة “حضرة صاحب العزة أحمد فهمى القطان بك مراقب التعليم الفنى، وجناب الكومندور إنوتشنى مفتش الفنون الجميلة بوزارة المعارف المصرية حضرات اعضاء بعثة الفنون الجميلة بروما، وهذه الزيارة تعد برهاناً على اهتمام حكومتنا بالفنون، وقد جائنا من روما ان حضرة صاحب السعادة صادق حنين باشا وزير مصر المفوض فى إيطاليا يشمل بعثة الفنون الجميلة بعنايته الخاصة، والصورة العليا اخذت تذكاراً لتلك الزيارة وهى تمثل من اليسار الى اليمين فى الصف الأول: صاحب العزة أحمد فهمى قطان بك مراقب التعليم الفنى بوزارة المعارف، فصاحب السعادة صادق حنين باشا الوزير المفوض، فالكومندور إنوتشينتى مفتش الفنون الجميلة بوزارة المعارف، وفى الصف الثانى حضرات اعضاء بعثة الفنون الجميلة بروما، وهم من اليسار الى اليمين: محمد حسن أفندى ويوسف كمال أفندى وراغب عياد أفندى”

1929: نقطة تحول فى تاريخ الحركة الفنية فى مصر

تأسست الأكاديمية المصرية فى روما عام 1929. و قد كانت تقع فى أول الأمر داخل قصر (كوللو أوبيو) بالقرب من المسرح الرومانى، في مقر مؤقت. وعين الملك فؤاد الأول الفنان المصرى- سحاب ألمظ- أول مديرا لها، وتكفل بكافة مصروفاته فى العاصمة الإيطالية.

انتقل مقر الأكاديمية بعد ذلك إلى موقعه الحالى فى (فالى جوليا) في حدائق فيلا بورجيزي بروما حيث تقع معظم الأكاديميات الأجنبية الهامة الأخرى، وقد منحت تلك الأرض للأكاديمية المصرية مقابل منح البلاط الملكى المصرى أرضا بالقاهرة لبناء المعهد الإيطالى للبحوث الأثرية.

وسرعان ما وجد الفنانون المصريون الذين حصلوا على منح دراسية فى الأكاديمية المصرية بروما أنفسهم غارقين فى متحف مفتوح، حيث يحيط بهم الفن بجميع أنواعه: ميادين من طراز الباروك، ونافورات كلاسيكية، حتى الهواء الذى يتنفسونه كان معبأً بالفن والجمال. تلك التجربة ساهمت قطعا في توسيع أفقهم وفي تعريفهم على مختلف المدارس الفكرية والفلسفية. وعند عودتهم إلى مصر، كان لهم دورا فعالا فى ازدهار الحركة الفنية المحلية.

ومؤخراً احتفلت الأكاديمية المصرية فى روما بمرور تسعين عاماً على تأسيسها، وأقامت بهذه المناسبة معرضا بعنوان “الرواد” أو الجيل الأول من التشكيليين المصريين الذين تعلموا فى المؤسسات الفنية التى ظهرت على النمط الأوروبى مثل مدرسة الفنون الجميلة بالقاهرة. هؤلاء شكلوا القوة الدافعة للفن المصرى الحديث والتي ساهمت في تطويره، وكان من بينهم محمود سعيد، محمد ناجى، جورج صباغ، راغب عياد ويوسف كامل.

د. الماظ، بدون عنوان، زيت على قماش، 100×81سم. هذه اللوحة الغامضه، المجهولة التاريخ، واحده من أقدم مقتنيات الأكاديمية، ويرجح انها بورتيه شخصى لزوجة سحاب الماظ، اول مدير للأكاديمية، عينه الملك فؤاد عام 1930

انتج صلاح عبد الكريم عدة اعمال مبتكرة من الفخار مثل هذه القلة، عام 1957 خلال عامي اقامته فى روما.

تحية حليم، طائر/ 1961، زيت على قماش، 82 x 103سم. من مقتنيات الأكاديمية اللمصرية للفنون الجميلة فى روما

تحية خاصة لراغب عياد

اليوم تعد الأكاديمية المصرية بروما بمثابة منارة للفن العربى والأفريقى- المصرى فى أوروبا، بعد أن خضعت لعملية تجديد واسعة فى عام 2008. و هي تضم أماكن لإقامة الفنانين واستوديوهات للرسم، وكذلك سينما ومسرح ومكتبة ومساحات رائعة لإقامة المعارض.

وبالإضافة إلى مجموعتها الفنية الخاصة، تقيم الأكاديمية أيضا معارض متنوعة عن التاريخ المصرى، فأقامت مثلا نموذجا لمقبرة توت عنخ آمون، كما  تستضيف بانتظام فنانين ومثقفين مصريين بارزين.

أراد راغب عياد نشر الفن المصري حول العالم، وتكريماً لرؤيته وشغفه وأيضا اعترافا بفضله على أجيال عدة، سميت دفعة الخريجين عام 2014 باسمه (دفعة راغب عياد)، وقد جاء الآن دورهم للعمل على فتح مسارات جديدة فى الفن والثقافة.

 

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٨ ، ٢٠١٦

الأكثر قراءة

جاليري الصور

بعض المختارات من لوحاتنا المفضلة

فن يحمل ذاكرة وطن
مجموعة مؤسسة الأهرام الفنية

تحظى مؤسسة الأهرام الصحفية بواحدة من أهم المجموعات الفنية التي تؤرخ للحركة التشكيلية في مصر. لوحات وقطع نحتية وجداريات تروي الكثير عن الواقع المعاصر، دون إطناب أو ثرثرة، خارج إطار المتاحف العامة.

الإستثمار فى الفن المصري

في السنوات الأخيرة ازداد الإقبال على الإستثمار من خلال اقتناء اللوحات والقطع الفنية المصرية. سوق واعدة، يجدر الاهتمام بها

في حضرة الرسامين

جولة في عشرة متاحف للفن المصري الحديث، بعضها كان مقراً ً أو مرسما ُ للفنانين ثم ضمت أعمالهم لتخلد حياة كاملة من الإبداع.

النقد والصحافة الفنية
حتى بداية السبعينات

رغم الزخم الذي شهده تاريخ النقد الفني في مصر منذ بدايات القرن العشرين، إلا أن الفن التشكيلي لم يحظ إلى وقتنا هذا بالاهتمام الذي يسمح له بتحقيق قاعدة جماهيرية أو بمواكبة الزيادة في عدد قاعات العرض.