بقلم د. عمرو طلعت
تصوير طارق المري

بعد حرق المجمع العلمى الذى لم يسمع عنه معظم المصريين من قبل، كان لزاماً علينا ان نلقى الضوء على تاريخه واهميته، وعلى بعض من المعاهد العلمية الأخرى المنسية فى مصر.

 “أربعة آلاف”، قالها بلهجة نهائية صارمة تتسق مع قسماته الحادة وتجهم سحنته، واضح أنه استشف بخبرته أننى على وشك البدء فى وصلة مساومة تصدع رأسه، وقدر أننى زبون غير جاد أصلاً، فأراد أن يتخلص منى بسرعة! أخذت أقلب الميدالية العريقة فى يدى مرات ومرات، مرات يجذبنى تاريخها، ومرات يلهبنى سعرها! يتوسط أحد وجهيها الأهرام والشمس مشرقة وأسماء بونابرت ومونج وجومار تعلوها عبارة Institut d’Egypte 1798، ومن الجهة الأخرى نقشت عليها عبارة “Institut Egyptien – دار العلوم المصرية “1859. قرأت كثيراً عن هذه الميدالية النادرة التى سُكت من أكثر من مائة عام، بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس المجمع العلمى! للحظة هممت بالتهور، لكن سعرها وسماجة بائعها أعادانى إلى صوابى، فخرجت دون حتى أن أشكره!

قبل ذلك بعدة أعوام، قمت لإلقاء كلمتى فى ندوة بمناسبة مرور مائتى عام على الحملة الفرنسية، وكنت أعلم حينها أنها لن تريح فئة من السامعين. وبالفعل ما أن نطقت أول جملة حتى أخذت الوجوه تنقبض والجباه تقطب، وأعترف لك أننى قصدت مشاكستهم بانتقاء ألفاظ قارعة، وإن بقى المضمون هو ما اعتقده حقاً لا مراء فيه: “قل ما شئت عن ظلم الفرنسيين وجورهم، استهجن قسوتهم فى إعدام سليمان الحلبى، سبهم على الاجتراء على حرمة الأزهر الشريف وقد داهموه بسنابك الخيل ونصل السيوف. بيد أنه لا يمكن لمنصف أن ينكر، أو حتى يبخس، دور الحملة التنويرى وإسهاماتها العملاقة فى إحياء الفكر وبعث العلم فى مصر بعد قرون طويلة ثقيلة من عتمة الجهل وسواد التخلف”.

بعد الندوة تجمعوا حولى، أو بالأحرى حاصرونى محتجين مستنكرين، حاولت أن أشرح قائلاً “أرى أن المطبعة من الوجهة المعرفية هى أم التلفزيون والإنترنت؛ فهى أول اختراع سهل نشر المعرفة لأكبر عدد من الناس، بعد أن كانت مقصورة على عدد قليل من نسخ الكتب تنقل باليد ويقتنيها الأثرياء. لم تكن مصر قد عرفت المطبعة حين قدمت الحملة الفرنسية، ولم تكن الكتب متاحة إلا للموسرين أو لطلبة الأزهر الشريف، فحمل بونابرت معه اثنين، الأولى بأحرف عربية طبع عليها أول كتاب مطبوع فى مصر “تطبيقات فى العربية الفصحى من القرآن لينتفع بها دارسو العربية”، أما الثانية فطبعت دورية أدبية علمية اسمها “العقد المصرى” La Decade Egyptienne كانت لسان حال المجمع”. وعلى طريقة أرشيميدس حين صاح “وجدتها”، أضفت صائحاً “ده كفاية المجمع.. كفاية أنه أسس المجمع”، سمعت أحدهم وكان قد عرف نفسه بأنه طالب دكتوراه فى العلوم يستفسر من زميله هامساً “إيه المجمع ده”، فرد الثانى بلهجة العارف “المجمع اللغوى”، وأردف مفسراً  “أصل نابليون كان غاوى عربى”!  

اول اجتماع لنابوليون بونابارت مع اعضاء المجمع العلمي في بيت حسن الكاشف السابق

من كتاب وصف مصر الجزء الأول

باريس.. على النيل!

قبل أيام قليلة من ظهر أول يوليو 1898 حين بدأ إنزال جنود الحملة فى العجمى، خاطب نابليون جنوده قائلاً “إنكم موشكون على فتح له آثار بعيدة المدى فى حضارة العالم”. الأهم أن بونابرت، ذلك القائد الأسطورى المختال التَيَّاه، بدأ خطابه بتعريف نفسه على أنه “نابليون.. العضو بالمجمع العلمى الأهلى”، قبل أن يذكر أنه “قائد الحملة”!

ربما تظاهر نابليون وتحذلق، أو وربما كان بالفعل محباً للعلماء مقدراً لقيمة العلم وقد كان يفاخر بعضوية المجمع العلمى الفرنسى، لكن الثابت أنه كان دائماً حريصاً على الظهور بهذا الشكل وقد دأب على التصريح بأنه إن لم يخلف بصمات عميقة فى التقدم الصناعى والعلمى والتشريعى، فسيقتصر ذكره فى أسفار التاريخ على بضعة أسطر عابرة.

رغم هذا، أتفق مع أغلب المؤرخين الذين رجحوا أن هدف نابليون من اصطحاب عدد كبير من صفوة العلماء فى مختلف مناحى المعرفة كان استعمارياً؛ كان الرجل يخطط لبقاء طويل يمتد عقود أو ربما قرون، فأراد أن يدرس علمائه إمكانيات البلد ومواردها الطبيعية دراسة مفصلة تمكنهم من استغلالها على نحو يدر لهم نفعاً، تماماً كما نقول أن محمد على إنما أقام حضارة وضاءة ليستقر له ولأولاده حكم مصر. وليكن، فالنفوس وما تضمر من علم الله، لكن المهم هو المشروع النهضوى العملاق والوثبة التنويرية الواسعة التى حققها هذان الرجلان لمصر.

على أى الأحوال، بعد أقل من شهرين من وصوله إلى مصر أنشأ بونابرت المجمع العلمى بالقاهرة. وتتعدد الأسباب التى حدت بنابليون على إنشائه، لكن الرأى عندنا أنها فلسفة الاستعمار الفرنسى فى مصر التى اختلفت اختلافا بيِّناً عن الإنجليزى؛ فالفرنسيين يؤمنون بفكرة التغلغل الثقافى والاجتماعى فى مستعمراتهم حتى تتحول شعوبها تدريجياً نحو الثقافة الفرنسية وتصير تبعية الشعوب المستعمرة للوطن الأم فطرية يجبل الناس عليها جيلاً تلو جيل، بعكس الاستعمار الإنجليزى الذى ركز طوال عقوده السبعة على السطوة السياسية والاقتصادية التى تستند على التفوق العسكرى الطاغى دون سواه. ومن مفارقات الحياة الثقافية فى مصر، أن اللغة الفرنسية ظلت هى السائدة بين الصفوة الاجتماعية طوال فترة الاستعمار الإنجليزى، ولم تتحول إلى الإنجليزية إلا فى النصف الثانى من القرن العشرين مع ظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية!

الرفاعى..وأبو المجمع!

قبالة جامع السيدة زينب حارة صغيرة ضيقة متعرجة اسمها حارة مونج، إذا وقفت فيها وسألت المارة ستجد أن عدد من يعرفون من هو مونج لا يزيد عن واحد على مليون من عدد من يعرفون أن فى آخر الحارة كبابجى ممتاز يدعى الرفاعى!

لا تظلم أهل الحارة ومرتاديها، فأتحداك أن فى مصر أكثر من مائة شخص يعرفون جاسبار مونجGaspard Monge  أو سمعوا به، مع أن أى لاعب كرة مغمور يعرفه ملايين، أو ربما راحت موضة لاعبى الكرة هذه الأيام وحلت محلهم طبقة من يسمونهم “محلل سياسى أو خبير استراتيجى”. على أى حال، دعنى أقول لك أن مونج عالم رفيع المستوى أرسى علم الهندسة الوصفية واكتشف تركيبة الماء وغير ذلك الكثير من الانجازات العلمية التى جعلت اسمه يحفر على برج إيفل باعتباره واحد من سبعين عالم تفخر بهم فرنسا.

كان مونج من أوائل الذين أسر لهم نابليون بفكرة الحملة وكلفه بجمع المعلومات والخرائط عن مصر، ومع هذا حين جاء وقت الرحيل تردد فى اصطحاب صديقه إلى مصر. على أن نابليون كان يعرف نقطة ضعف صاحبه جيداً؛ زوجته كاترين إيوار Cathérine Huart، فذهب إليها مباشرة وناقشها دون أن يخبرها بالبلد الذى سيسافرون إليه حتى وافقت على مضض، وإن حفظ لنا التاريخ رسائلها التوبيخية العنيفة لزوجها، وقد “راح يهيم على وجهه فى أقاصى الأرض بعد أن بلغ الثانية والخمسين”. رغم ذلك، رفض مونج أن يبوح لزوجته بوجهته بعد أن سمحت له بالسفر، حتى بعد أن سقته زجاجة كاملة من الشمبانيا!

المادة الثانية!

اتفقت المراجع على أن نابليون هو صاحب فكرة إنشاء المجمع العلمى، وقد أصدر قرار تأسيسه فى 22 أغسطس 1898 ، لكنه أوكل تنظيمه وإعداد هيكله إلى صديقه مونج، فأتم المهمة على نحو يتسق مع عقليته الفذة. قسم المجمع إلى أربع شعب رئيسية هى الرياضيات والطبيعة والاقتصاد السياسى والآداب والفنون الجميلة. وبأمر من نابليون يجتمع العلماء فى تمام السابعة صباحاً بقيادة مونج  وكلود لويس بيرتوليه Claude-Louis Berthollet لينتقوا بعناية فائقة أعضاء كل شعبة، فضم المجمع صفوة علماء الحملة وقوادها العسكريين والأدباء والفنانين.

ويفتتح نابليون هذا الصرح العظيم يوم 24 أغسطس 1898، وقد جاء فى المادة الثانية أن الغرض من تأسيسه:  

أولاً : نشر المدنية والعلم فى مصر

ثانياً: البحث والمطالعة ونشر الحوادث الطبيعية والوقائع التاريخية والصناعية

ثالثاً: أخذ رأى أعضائه فى المسائل التى تستشيرهم فيها الحكومة.

تأمل معى؛ المادة الثانية منذ أكثر مائتى سنة كانت تنص على نشر المدنية والعلم، ماذا يريدون بها اليوم!

العالم ..أولاً!

حين قدم نابليون كان قد مر على مصر آلاف السنين منذ وحدها مينا، ومع هذا كانت فى ذلك الوقت أرضاً بكراً نضرة من الوجهة العلمية، كل ما فيها يتوق إلى من يبحثه أو يكشفه أو يدرسه أو فى القليل يوثقه. من هنا كان حماس العلماء للمهمة التى أوكلت إليهم، رغم ما كابدوه من عناء لا سيما فى بدايات الحملة وقد ساد جو من الخوف من المهمة والرهبة من مصيرهم فى أرض بعيدة تبدو مختلفة فى كل شىء عن الوطن الأم.

كان المجمع بالفعل اسماً على مسمى؛ محفل لأهل العلم وأرباب الفكر. وقد كلف أعضاؤه بمهمتين، الأولى تكتيكية عاجلة تختص بسد حاجات الحملة العاجلة، كصنع الأدوات والأسلحة الخفيفة التى تعذر استيرادها من فرنسا بسبب الحصار البحرى البريطانى وبناء طواحين الهواء وتطهير الترع والمصارف وغيرها.

بيد أن الغرض الأهم كان الدراسات الإستراتيجية التى كلف بها المجمع كبناء نظام مالى جديد ودراسة توصيل البحرين وتحسين وسائل الزراعة واستحداث محاصيل جديدة ومنع الأوبئة وبناء قناطر على النيل لتعظيم الاستفادة بمياهه ووضع نظام تعليمى جديد وغير ذلك الكثير.

وبخبرة واسعة وهمة جادة قاد أعضاء المجمع نهضة علمية فذة لم تر مصر مثلها منذ عهد الفراعنة. انتشر العلماء فى أرجاء مصر يقلبون فى كل جانب ويبحثون فى كل منحى، من توثيق الحياة الطبيعية من حيوانات ونباتات إلى تسجيل الآثار المصرية إلى رسم خريطة دقيقة لمصر إلى تسجيل عادات المصريين وطبائعهم.

ويسترعى النظر أن القائد الساحر الذى كتبت مجلدات عن شخصيته الطاووسية واعتداده المفرط بنفسه، لم يتبوأ مقعد الرئاسة فى المجمع، بل أفسحه لمونج إعلاءاً لقيمة العلم والمعرفة، بينما قنع هو بمنصب نائب الرئيس!

لم يكن منصب نابليون شرفياً، بل تجده منخرطاً فى أعمال المجمع، لا يتوانى عن توجيه أسئلة علمية لأعضائه وتكليفهم ببحثها؛ فيطلب مقارنة بين سنابل القمح المصرى ونظيره الفرنسى أو كيفية تحسين الرى أو إمكانية زراعة الكروم فى مصر.

العلم… على جناح نعامة!

 كان المجمع يجتمع الساعة السابعة صباحاً كل خمسة أيام تقريباً فيتدارس العلماء أبحاثهم، وقد أصدروا نشرة ربع سنوية تقرأ فيها أبحاث عن كيفية تركيب النشادر أو الطريقة المصرية فى استخراج الأصباغ من نبات النيلة. اشتغلوا أيضاً بأبحاث عن أحسن الطرق لبناء الطواحين وترشيح مياه النيل وصناعة الخبز والبيرة والبارود من مواد مستخرجة من مصر.

فى إحدى الجلسات نقرأ أن أحد الجنرالات قدم تقريراً عن زيارته لبحيرة المنزلة ووادى النطرون وسبل استغلالها  وفى جلسة يناقشون مشروعاً لإنشاء مدرسة للفنون الجميلة وآخر لإنشاء كليات للزراعة ومحطات تجارب زراعية وبحثاً عن الحاجة لاكتشاف منابع النيل ووصفا دقيقاً للأديرة القبطية، وقد استطاع أحدهم صناعة أقلام الرصاص فى مصر لأول مرة واستخدم العشرات منها لتوثيق طرق الصناعة والحرف الدقيقة لدى المصريين. كذلك قام فريق منهم بمسح القطر المصرى ورسم الجزر وآخر بالبحث فى أنواع الحاصلات والفلك والجو والتاريخ الطبيعى وغيرها.

دكتور ديجينيت Desgenettes كان من أنشط أعضاء المجمع وقد تلا على زملائه بحثاً أجراه عن الرمد وأسباب الوفيات لدى الأطفال، ووضع خطة لإنشاء مستشفى ضخم وصيدلية ومدرسة للطب، وهو المشروع الذى نفذه فيما بعد كلوت بك فى عهد محمد على. كذلك أصدر كتيبات لعلاج الطاعون والجدرى، والغريب أنه حرص على دراسة الطب لدى قدماء المصريين.

وفى المجمع تناقش دراسات عن الجاذبية والسراب والرياضيات والضوء، فضلاً عن دراسة الشعر العربى وتسجيل الحيوانات والحشرات المصرية، حتى أن أحدهم أجرى بحثاً عن الأسماك النيلية وآخر عن جناح النعامة!

لم يكن منصب نابليون شرفياً، بل تجده منخرطاً فى أعمال المجمع، لا يتوانى عن توجيه أسئلة علمية لأعضائه وتكليفهم ببحثها؛ فيطلب مقارنة بين سنابل القمح المصرى ونظيره الفرنسى أو كيفية تحسين الرى أو إمكانية زراعة الكروم فى مصر. كلما طرأت له فكرة طرحها على علمائه طالباً بحثها، وقد سجل وصف مصر عشرين مسألة على هذا النسق كلف نابليون المجمع بدراستها. الطريف أنه فى مرة أراد مداعبتهم فقال ” إن الطب هو علم القتل”، فما كان من عالم الطب ديجينيت Desgenettes إلا أن رد عليه “وكيف تعرف فن قيادة الجيوش! “

المقر…ليس السنارى!

طالعت كثيراً مما كتب عن المجمع بعد حرقه، فوجدت الكل يجمع على أن المجمع اتخذ من بيت السنارى مقراً له حين تأسس، بيد أنها معلومة تعوزها الدقة! فالجبرتى يخبرنا أن نابليون خصص له قصراً فخماً على الطراز التركى له حديقة غناء شاسعة وفسقيات بديعة هو قصر قاسم بك الذى كان فى الناصرية. وقاسم بك هو أحد كبار المماليك وكان فى الصعيد وقت الحملة فاستولى نابليون على القصر. وتحولت أكبر قاعات الحرملك من قاعة للاستمتاع والاسترخاء إلى قاعة اجتماعات المجمع الرئيسية، كما تحولت بعض حجرات القصر إلى معمل كيمائى ومتحف للتاريخ الطبيعى ومرصد ومكتبة ومطبعة. كذلك صارت الحديقة مزرعة تجريبية لأبحاث الزراعة وأنشئ فى جانب منها حديقة للحيوانات وأخرى للطيور، وأقيم مصنع للأدوات العلمية كالأجهزة الجراحية والبراجل وأدوات الرسم والمساحة.

وفى حديقة القصر كانت تعقد ندوات كل ليلة تضم علماء الحملة، فيتبادلون الأحاديث العلمية عن تجوالهم واكتشافاتهم فضلاً عن أبحاثهم فى شئون مصر المختلفة من جغرافيا وموارد طبيعية وتاريخ قديم وغيرها، وكانت تلك الاجتماعات عامة بخلاف جلسات المجمع الرسمية، فيسمح لمن يبغى علماً حضورها والإنصات لمناقشاتها.

واتخذ العلماء من باقى حجرات القصر وما حوله من مبانى سكناً، يقيمون به حين عودتهم من الرحلات الميدانية، يقول الجبرتى أنهم أخذوا “حارة الناصرية حيث الدرب الجديد وما به من البيوت مثل بيت قاسم بك وأمير الحاج المعروف بأبى يوسف وبيت حسن كاشف جركس القديم والجديد”. وتقول بعض المصادر أن أول جلسات المجمع عقدت فى بيت حسن كاشف جركس الذى أنشئت فيه فيما بعد مدرسة المبتديان بالناصرية قبل هدمه، ومحله الآن المدرسة السنية للبنات. وقد وضعوا فى هذه السراى المطبعة والمعمل الكيماوى ومتحف التاريخ الطبيعى والمرصد والمكتبة.

 أما بيت إبراهيم كتخدا السنارى الذى يتواتر أنه كان مقراً للمجمع، فالجبرتى يروى أنه كان أحد البيوت التى خصصت للمصورين المنوط بهم تسجيل هيئة المصريين بمختلف طبقاتهم وأزيائهم وأشكالهم، ويصف أحدهم بأنه “يصور صور الآدميين تصويرًا يظن من يراه أنه بارز فى الفراغ”.

الجبرتى…ضيفاً!

كان طلبة العلم يجتمعون كل يوم قبل الظهر بساعتين فى قاعة تشبه الفصل الدراسى فيتدارسون المواضيع ويطلعون على الكتب الموجودة فى مكتبة المجمع التى خصصوا لها بيت حسن كاشف. كذلك يسجل لنا شيخ المؤرخين أن الفرنسيين كانوا يرحبون بالزوار من المصريين ويشجعونهم على زيارة المجمع “وخصوصًا إذا رأوا فيه قابلية أو معرفة أو تطلعًا للنظر فى المعارف بذلوا له مودتهم ومحبتهم ويحضرون له أنواع الكتب”، ويضيف “ولقد ذهبت إليهم مرارًا وأطلعونى على ذلك‏”.

ويكتب لنا انه أطلع على كتب مختلف مناحى المعرفة وعلى رأسها الدين الإسلامى والسيرة الشريفة وكثير من الكتب الإسلامية مترجم إلى الفرنسية وقواميس مختلف اللغات، كما وجد كتباً بها صور البلدان والسواحل والبحار والأهرام والحيوان والنبات وعلوم الطب والتشريح والهندسيات، وقد انبهر بالمناظير الفلكية والآلات المساحية دقيقة الصنع. ويتعجب الرجل حين وجد بعض علماء الحملة يحفظون سورًا من القرآن الكريم وأبيات من بردة البوصيرى وقد خرج مأخوذاً بتطلعهم البالغ لتحصيل العلم والانصراف إلى العمل والتدارس ليل نهار!  

الشفرة… فى رشيد 

ولع الفرنسيين بالحضارة المصرية القديمة يكاد يكون فطرى، وقد أولت الحملة اهتماماً شديداً وتركيزاً خاصاً بالآثار منذ اليوم الأول. ويمكن القول أن علم المصريات ولد وازدهر مع قدوم الحملة على يد مجموعة من العلماء الذين جابوا أنحاء البلاد ونسخوا آلاف النقوش الفرعونية ورسموا أغلب المعابد والآثار، على أن ذلك لا يمنع أنهم أعدوا تقريراً وافياً عن الآثار الفرعونية المزمع نقلها إلى فرنسا!

 أهم ما كان  يحير علماء الحملة دائماً هو التعرف على معانى هذه النقوش الموجودة على الآثار ومدلولاتها، وربما كان هذا السبب وراء ما أحاط جلسة المجمع الدورية يوم 19 يوليو 1799 من سحر خاص. فى الجلسة تلى على الأعضاء خطاب ينبئ باكتشاف حجر عليه نقوش مكتوبة باللغات اليونانية والهيروغليفية ولغة أخرى مجهولة، سميت الديموطيقية فيما بعد. وبخبراتهم الواسعة أدرك العلماء أهمية الكشف.   

المدهش أن الضابط الفرنسى بير فرانسوا بوشار Pierre-François Bouchard الذى اكتشف الحجر، فطن لأهميته منذ اللحظة الأولى فى إمكانية فك شفرة النقوش، وستمر اثنا وثلاثون عاماً أخرى على ذلك التاريخ، قبل أن يتمكن عالم فرنسى آخر من حل الشفرة!

طبعتان.. أصلى!

وبالطبع لا يكتمل الحديث عن المجمع فى عصر نابليون دون الحديث عن كتاب وصف مصر الذى يعد أرفع النماذج  لنتاج الفكر الجمعى وانجاز الكتلة وعمل الفريق. استمر علماء الحملة يدرسون كافة مناحى الحياة فى مصر ويطوفون بكل شبر فيها، يرسمون الخرائط والمواقع ويوثقون أشكال الناس وثقافاتهم وأزيائهم وعاداتهم فى الحضر والصحراء  ويدرسون الأدب والفن والتاريخ ويسجلون مختلف عناصر الحياة الطبيعية وينسخون الآثار والنقوش على نحو ليس له مثيل فى تاريخ المعرفة.

وبدأ العلماء فى نشر أبحاثهم فى صحيفة “العقد المصرى” Decade Egyptienne  لسان حال المجمع، وجريدة “بريد مصر”Courrier D’Egypte  ، على أن الحملة ما لبثت أن اضطرت للرحيل فجأة سنة 1801، فأخذت كل ما جمعت من وثائق ودراسات ومذكرات.

وفى فرنسا كان الكل يدرك تمام الإدراك القيمة المعرفية لما جمعوه وسجلوه، فقام جان انطوان شبتال Jean-Antoine Chaptal  عالم الكيمياء ووزير الداخلية وقتئذ فى 18 فبراير 1802 بأمر من نابليون بتشكيل لجان علمية لتنظيم وتبويب هذه الثروة العلمية. 

 انكب نحو مائة وستين من العلماء على العمل الذى استغرق ربع قرن لإتمامه، وجاءت الطبعة الأولى فى تسع مجلدات مكتوبة وأحد عشر مجلد لوحات فى مقاس كبير غير مسبوق ضمت 894 لوحة. وفى يناير 1808 قدمت أول بروفة لنابليون، قبل أن يبدأ النشر تباعاً سنة 1809 ويستمر حتى 1828، وكانت توجد نسخة من هذه الطبعة فى دار الكتب بباب الخلق.

أما الطبعة الثانية فكانت بأمر من لويس الثامن عشر ملك فرنسا فى 23 يونيو 1820 الذى رصد لها مائة ألف فرنك وسبعين عالماً، وجاءت فى ستة وعشرين مجلداً مكتوباً وأحد عشر مجلد لوحات أيضاً وقد أشرف على تنقيحها الكاتب والناشر الفرنسى شارل لويس بانكوك Charles-Louis Panckoucke فصارت تعرف “طبعة بانكوك”.

مجمع …اسكندرانى!

كان آخر اجتماع للمجمع العلمى يوم 21 مارس 1801، والحملة تواجه مصاعب جمة حدت بها إلى الرحيل عن مصر فى نفس العام. هكذا انطفأت جذوة المجمع وانكفأت مصر إلى عهود الاضمحلال والتخلف، لكن الشعب ثار على جور الوالى العثمانى وعسفه، ونصب محمد على والياً على مصر. وبدأ الرجل نهضته العملاقة، وفى سنة 1836 (مراجع ذكرت 1840) عاد المجمع باسم الجمعية المصرية وأشرف عليها علماء فرنسيون وألمان وإنجليز، وإن اقتصر عملها على البحوث الأثرية، ثم تغير اسمها إلى “جمعية مصر” وأصبح غرضها جمع الكتب الخاصة بمصر والثقافات التى اختلطت بها.

جومار Jomard كان آخر من بقى من أعضاء المجمع العلمى الذى أسسه نابليون، وقد شرع فى إحياءه مرة أخرى باسم مجمع مصر Institut d’Egypte مع عدد من الأدباء والعلماء المقيمين بالإسكندرية منهم أوجوست مارييت Auguste Marriette الذى أسس مصلحة الآثار المصرية وقتئذ وعالم اقتصاد بريطانى اسمه ثربرن Thurburn ودكتور شب Dr. Shepp المندوب الصحى الفرنسى بالإسكندرية، وانضم إليهم كويننج بك Koening Bey  سكرتير محمد سعيد باشا والى مصر ثم عين رئيساً له.

وانعقدت الجمعية لأول مرة بالإسكندرية فى 6 مايو 1859 وانضم إليها 47 عالماً آخر فى 20 من نفس الشهر، وليس غريباً أن يتحمس للجمعية رفاعة الطهطاوى الذى درس فى فرنسا وأدرك قيمة العلم وأهميته فنشر قصيدة بهذه المناسبة!

ونطالع فى محفوظات الدفترخانة المصرية أمر من سعيد باشا صادر فى 2 فبراير 1860 بشأن تخصيص مقر له وإعانة حكوميه قدرها خمسة آلاف فرنك سنوياً، وتقدم لك الدفترخانة أمراً آخر صادر من الخديو إسماعيل فى 4 أكتوبر 1870 بإعادة صرف المنحة للمجمع إجابة لمسعى رئيسه آنذاك كلوتشى بك الذى أرسل فى 3 يوليو 1875 يهدى الخديو منشورات المجمع عرفاناً لرعايته له.

وفى 2 ديسمبر 1898 احتفل المجمع بمرور قرن على إنشائه، وطبع كتاباً تذكارياً بهذه المناسبة جمع أهم إسهاماته من محاضرات ومنشورات علمية. وفى تلك المناسبة سكت الميدالية التى رأيتها عند صاحبنا على نحو ما رويت فى المقدمة.

لكنه …سيعود 

استمر المجمع ينعقد بالإسكندرية حتى 9 يناير 1880 حين انتقل إلى القاهرة. قبل ذلك بسنوات، وبالتحديد سنة 1874 كان الخديو إسماعيل قد أنشأ مبنى جميل على مرمى حجر من قصر الإسماعيلية، ليكون مدرسة للفتيات من بنات الطبقات محدودة الدخل، وزيادة فى تكريمهن أطلق على المدرسة اسم “مدرسة بنات النبلاء”، بيد أن الديون داهمته فلم يكتمل المشروع. اتخذ المجمع من هذا المبنى مقراً له حين انتقل إلى القاهرة منذ 1880، واستمر به منذ ذلك اليوم حتى رأيناه يحترق أمام أعيننا، وشرذمة من الدهماء الهمج ترقص نشوة واحتفالاً ثم تتوعدنا بالمزيد!

أعلن المجمع أن غرضه الأساسى دراسة كل ما يختص بمصر والبلدان المجاورة لها من قضايا أدبية وفنية وعلمية. وأدخل تعديل على أقسام المجمع، فضمت قسم الآداب والفنون الجميلة، وعلم الآثار، وقسم العلوم الفلسفية والسياسية، وقسم العلوم الطبيعية والرياضيات، وقسم الطب والزراعة والتاريخ الطبيعى. وينتظم فى هذه الأقسام مائة وخمسون عضواً، منهم خمسون عضواً عاملاً وخمسون مراسلاً بعضهم من مصر وخمسون منتسباً فى الخارج، أسوة بالمجمع الفرنسى، ولهم أن يضموا من يروه عضواً شرفياً، ويتبادل مطبوعاته مع نحو 250 هيئة علمية أخرى فى أنحاء العالم.

وحث المجمع أهل العلم على مراسلته والبعث بأبحاثهم على عنوان “1 شارع الشيخ ريحان – جناب سكرتير المجمع العلمى المصرى”، وسدر يعقد جلساته يوم الإثنين الأول من كل شهر من نوفمبر حتى  مايو، وكان يحق للجمهور حضورها. وفى 1 نوفمبر 1918 أعاد إليه الملك فؤاد اسمه الأصلى؛ المجمع العلمى المصرى  Institut Egyptien.

ضم المجمع علماء من كل الدول منهم عالم النبات الألمانى والرحالة المشهور المتخصص شوينفيرث Georg August Schweinfurth، كما انضم إليه علماء مصريين مثل أحمد كمال باشا عالم الآثار والأديب المشهور أحمد زكى باشا، وبرز عدد كبير آخر من أعضاء المجمع على مدى تاريخه فى مختلف المجالات منهم محمود باشا الفلكى عالم الفلك وجاستون ماسبيرو Gaston Maspero عالم المصريات الذى نصب رئيس شرف المجمع سنة 1916 وعلى مصطفى مشرفة باشا عالم الرياضيات الذى خصص المجمع جلسة يوم 2 ديسمبر 1950 لتأبينه والدكتور على باشا إبراهيم الجراح البارع وغيرهم الكثير.

وأخذت مكتبة المجمع تنمو وتتعاظم، فتقرأ أن بها 22 ألف مجلد سنة 1916، ثم بلغت 32 ألف مجلد سنة 1935 ثم 37 ألف سنة 1948 و 39 ألف سنة 1949، إلى أن بلغت 192 ألف فى ديسمبر 2011!

 

ثم أخواته!

الجمعية الجغرافية

الجمعية الجغرافية المصرية

تصوير طارق المري

المجمع العلمى هو أبو الهيئات العلمية فى تاريخنا المعاصر، أو أخوها الأكبر، لكنه ليس بالوحيد، فما أن بدأت النهضة فى عهد محمد على حتى أخذت هيئات أخرى تولد وتزدهر. وجاء الخديو إسماعيل الذى تنقل المرجع دوماً أنه أراد أن تكون مصر قطعة من أوروبا لا أفريقيا وهو أمر صحيح، لكن صحيح وثابت أيضاً أنه طفق يرنو إلى أفريقيا باعتبارها عمق مصر الاستراتيجى، فأقام فتوحات فى بلادها حتى أمست مديرية خط الاستواء آخر حدودنا الجنوبية!

كان يتعين على الجيش المصرى أن يجرى دراسات علمية متخصصة فى بلاد أفريقيا التى يغزوها، فكلف الخديو العالم والرحالة الألمانى المشهور جورج أوجوست شوينفيرث Georg August Schweinfurth بتأسيس الجمعية الجغرافية؛ جارة المجمع وثانية المؤسسات العلمية. وتأسست الجمعية فى 19 مايو 1875 لإجراء الدراسات الجغرافية ولا سيما الأفريقية، واهتم الخديو بهذه الجمعية وأهداها 2500 مجلد كما كلفها بالعديد من الدراسات وتهيئة الرحلات الكشفية وتنسيق الدراسات العلمية. كذلك أقيم بها متحف إثنوجرافى للسودان، الذى طوره الملك فؤاد فيما بعد ليغدو متحفاً إثنوجرافياً لوادى النيل بأكمله.

وفى سنة 1947 كان بمكتبتها 18000 مجلد، وتضم مجموعة متفردة من الخرائط والأطالس، وقد دأبت على نشر مؤلفات ورسائل علمية وإقامة محاضرات وتنظيم مؤتمرات ومعارض. وقد بلغ من اعتزاز الصفوة الفكرية للمجتمع بهذه الجمعية، أنه حين توفى رئيسها الدكتور أباتا باشا سنة 1915 خرجت الجنازة من مقر الجمعية!

مجمع اللغة العربية

مجمع اللغة العربية

تصوير طارق المري

بدأت الدعوة منذ القرن التاسع عشر لإنشاء مجمع يعنى بتطوير اللغة العربية وإجراء أبحاث فى شئونها والبحث فيها، فتأسس أول مجمع سنة 1882 تحت رياسة السيد توفيق البكرى وتصدره قادة الفكر والأدب وفى مقدمتهم الشيخ محمد عبده، وافتتحت أول جلسة له ببحث عن المتنبى، ثم تألفت جمعية ترقية اللغة ثم نادى دار العلوم، وكلها مبادرات أهلية ارتهنت باستمرار القائمين عليها.

وفى سنة 1929 أعاد لطفى باشا السيد وزير المعارف إحياء الفكرة، ورصدت الحكومة اعتماداً لإقامة مجمع اللغة العربية، الذى أنشئ بأمر الملك فؤاد فى 13 ديسمبر 1932، بهدف الحفاظ على سلامة اللغة وبحث سبل تطورها ومواكبتها العصر.

 ولا أزال أنا وكل جيلى يذكر مقدمة برنامج “لغتنا الجميلة” فى الإذاعة التى كانت تبدأ بصوت الدكتور طه حسين يقول بنطقه الرصين وصوته العميق الرخيم “لغتنا العربية ملك لنا، ولنا أن نضيف إليها ما نحتاج إليه من ألفاظ لم تكن مستعملة فى العصر القديم”، ترى ماذا يقول إذا عرف كيف نكتب رسائلنا اليوم على الفيس بوك والموبايل!

جمعية الرفق بالحيوان

تأسست سنة 1894 والغرض منها آنذاك نشر ثقافة الرفق بالحيوان وحسن معاملته، وطرح مجتمعى أن للحيوان حق فى الرفق به وعدم إيلامه أو تعذيبه. وقد أنشأت الجمعية مستشفى بيطرى، واسترعى نظرى أنه كان لها أكثر من عشرين فرع فى مختلف أنحاء البلاد!

الجمعية الزراعية

الجمعية الزراعية قرب سنة 1936

أسسها السلطان حسين كامل فى 22 أبريل 1898 وقت أن كان أميراً، للسعى فى تحسين تقنيات الزراعة وطرق مكافحة الآفات وغير ذلك، وقد انبثقت منها لجان لمختلف شئون الزراعة تقوم كل منها بإجراء دراسات متخصصة عن الزراعة وتربية الحيوانات والخيول وإقامة المعارض الزراعية ومعارض الزهور. كذلك أقامت متحفاً خاصاً بالقطن سنة 1923، كان متفرداً فى نشاطه وقد جمع كل ما يخص تاريخ زراعة القطن وتصنيعه.

الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع

مكتبة الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والإحصاء والتشريع

تصوير طارق المري

تأسست سنة 1909 وتصدر مجلة “مصر المعاصرة” كل شهرين، وبها أبحاث قيمة فى المواضيع التى تختص بها. كانت هذه من أرفع الجمعيات فى مصر شأناً وأقواها أعضاءاً، وقد خطب فيها سعد زغلول باشا خطاباً تاريخياً فى مطلع سنة 1919 يعد من أهم إرهاصات الثورة، ولها مبنى رائع المعمار قبالة دار القضاء العالى، أنشىء سنة 1928.

 جمعية أنصار التمثيل وجماعة النهضة المسرحية

لا يعرف كثيرون أن بمصر جمعية لأنصار التمثيل منذ سنة 1913، وفى يناير 1925 تأسست جمعية النهضة المسرحية والغرض منهما تمصير المسرح من خلال تشجيع تأليف روايات تمثيلية تستلهم الواقع الاجتماعى والسياسى المصرى وتعالج مختلف قضايا المصريين آنذاك.

جمعية محبى الفنون الجميلة

جمعية محبي الفنون الجميلة

تصوير طارق المري

أنشأها الأمير يوسف كمال، كما أنشأ مدرسة الفنون الجميلة، على نفقته الخاصة سنة 1923 لتنمية الفنون وأربابها من خلال إقامة معارض دورية تساهم فى تنشيط الحركة الفنية وتمنح فرصة ليقدم الفنانون الناشئون أعمالهم لتسهيل بيعها. وبالفعل أقيم أول معرض فى فبراير 1924 وسط تشجيع واسع الأصداء تجسد فى حضور الملك فؤاد وسعد زغلول باشا رئيس الوزراء وكبراء الدولة حفل الافتتاح. وقد سدرت الجمعية فى تشجيع الفنون ورعايتها بإقامة معارض ومسابقات دورية، كما أقامت أول معرض دولى لفن التصوير الفوتوغرافى، كذلك ضمت متحف الفن الحديث لعدة سنوات حين قرر الملك فؤاد إنشائه، قبل أن يستقل بمبناه.

والباقيات الصالحات !

لم تكن هذه الجمعيات والصروح العلمية وحيدة، بل لحق بها كثيرات غيرها، فتأسست الجمعية التاريخية مثلاً فى 30 يوليو 1945 وأهم أهدافها جمع الوثائق والمذكرات المتعلقة بتاريخ مصر فى الداخل والخارج فضلاً عن باقى الأنشطة المماثلة لشقيقتها الكبرى الجغرافية، ولكن فيما يتعلق بالتاريخ. كذلك تأسست جمعية طبائع الحشرات سنة 1908  والجمعية الطبية سنة 1917 ومجلس مباحث القطن سنة 1919 وجمعية فؤاد الأول لعلم أوراق البردى سنة 1930 والمجمع المصرى للثقافة العلمية سنة 1930 وجمعية الصيدلة سنة 1930 ورابطة مملكة النحل سنة 1930 وجمعية الآثار القبطية سنة 1932 والجمعية الرمدية المصرية والجمعية الصحية التى أنشئت سنة 1936 وجمعية جراحى الأسنان سنة 1937 وجماعة علم النفس سنة 1938 ومجلس فؤاد الأول للبحوث سنة 1939 واتحاد خريجى مدرسة الفنون سنة 1945. أما نادى الطيران الخديوى فتأسس سنة 1910، بعد سبع سنوات فقط من قيام الأخوين رايت بأول رحلة جوية!

الخاتمة

تذكرت الميدالية وجلست أفكر؛ سنة 1798 بنينا المجمع العلمى وسنة 1898 سككنا ميدالية تباهياً واحتفالاً بمرور قرن على إنشائه، وفى سنة 1948 سككنا ميدالية أخرى بمناسبة مرور مائة وخمسين عاماً، اعتزازاً وافتخاراً، وبعد ثورتين حرقناه!

غالبتنى رغبة عارمة فى التشبث بأهداب هذا الصرح العبقرى، ولو بقطعة معدنية لا تغنى عن علم ولا تسمن ذهن، وأقنعت نفسى بأن الآلاف الأربعة ستكون بمثابة استثمار وليست خسارة! دخلت محل “صديقى” وفى نيتى أن أبدو وكأنى أَمُر بشكل عفوى فأتذكرها وأقرر شرائها، لكنه ما أن رآنى حتى عاجلنى بابتسامة شماتة، تجاهلتها وتظاهرت بأنى أتجول فى المحل بلا هدف محدد حتى وصلت إلى مكانها، وفى محاولة لحبك التمثيلية مددت يدى التقط الميدالية وكأنى قد تذكرتها لتوى، ولكن قبل أن أصل إليها ابتسم ابتسامة صفراء فنضحت شماتته ونتأت أسنان صفراء متعوجة وهو يقول دون أن أسأله “عشرة آلاف… ما هو ما فضلش غيرها”!

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٤ ، ٢٠١٣

الأكثر قراءة

قصر الزعفران بين الضرائر والسفراء!

من قصر الحصوة، الى قصر الزعفران ثم مقر لأحد اكبر جامعات مصر... نظرة الى تاريخ احد اقدم قصور القاهرة

أفراح الأنجال

عندما كانوا الجدود يريدون ابداء اعجابهم الشديد بإحتفال مبهر، او عرس فخم، كانوا يوصفوه بأنه "ولا أفراح الأنجال"! ولكن من هم هؤلاء الأنجال؟ ومتى أقيمت أفراحهم؟ ولما يضرب بها المثل؟ وايضاً..لماذا سمي شارع في حي المنيرة بـ"افراح الأنجال"؟

صيدناوية مصر
رواية الصعود والأفول

اخوان من روم كاثوليك مدينة صيدنايا السورية يأتيان الى مصر فى عصر الخديو اسماعيل، ويؤسسان امبراطرية تجارية بقى اسمها حتى يوم فى مختلف انحاء القطر المصرى.

مزمزيل جاردن سيتي

تمشى فى شارع مبانيه كما وصفت لك وتقرأ "شارع الطلمبات”، مع أنه لا أثر به لمكان يمكن أن يحوى طلمبات، وتحار أين هى "السراى الكبرى” ولماذا بنوا "ورشة التمباك” فى حى سكنى راقى وما علاقة "معمل السكر" بهذه المبانى الأصيلة؟ وسكتشف ان قراءة تاريخ حديقة القصر العالى هى التى ستحل لك طلاسم أسماء شوارع جاردن سيتى.

عندما يلتقى اللون الأخضر بصحراء ابو صير

في أبوصير، خلق المهندس طارق لبيب مساحة فريدة للمعيشة والعمل. وفى المقال، نقوم بجولة حول هذه التحفة المعمارية الحديثة المستلهمة من التراث والطبيعة.