في السنوات الأخيرة ازداد الإقبال على الإستثمار من خلال اقتناء اللوحات والقطع الفنية المصرية. سوق واعدة، يجدر الاهتمام بها

مساء السابع والعشرين من ابريل لعام 2010 عرضت لوحة “الشادوف” لمحمود سعيد للبيع بالمزاد العلنى فى قاعة “كريستيز” بدبى, قدر سعر اللوحة الصغيرة الحجم ما بين  150 و 200 ألف دولار. وما أن بدأ المزاد حتى انهالت عروض الشراء و استعرت المنافسة على اقتنائها، حتى وصل السعر إلى مليون دولار في وقت قياسي، ثم ارتفع إلى 2 مليون دولار، لينتهي الأمر إلى بيعها مقابل 2.4 مليون دولار وسط تصفيق حاد للحضور، معربين عن دهشتهم بالرقم القياسي الجديد الذي سجله للمرة الأولى عمل فني مصري حديث.

كانت لوحة “الشواديف” هي تاسع عمل فني لمحمود سعيد يباع في مزاد علني والسابع  الذي يباع بدبي للفنان نفسه. وكان هذا الرقم القياسي الجديد هو السابقة الأولى من نوعها و التي قد تمهد الطريق أمام فنانين آخرين. وبالفعل بعدها بحوالي شهرين بيعت لوحة أخرى لمحمود سعيد بعنوان “الدراويش”، مقابل 2.5 مليون دولار.

ما الذي تغير إذاً؟ و ما الذي جعل الفن التشكيلي المصري المعاصر يحظى بهذا الاهتمام المتنامي داخل قاعات المزادات؟ و هل هو استثمار جيد؟

لوحة محمود سعيد، الشواديف (1934، زيت على ابلكاش، 89 فى 117 سم)اثناء المزاد عليها فى عام 2010 بقاعة كريستيز للمزادات.

هنالك عدة عوامل قد ساعدت على تصاعد سوق الفن التشكيلي المصري، أهمها مثلا أن المتاحف الفنية في قطر والإمارات سعت في الآونة الأخيرة إلى اقتناء مجموعات كاملة من اللوحات لفنانين مصريين. هذا بالإضافة إلى وجود قاعتين هامتين للمزادات الفنية أصبح لهما تمثيل في الشرق الأوسط وهما: كريستيز وسوثبيز. وقد كان لمزادين أقامتهما (كريستيز)على وجه الخصوص أثرا كبيرا على ازدهار سوق الفن المصري، الأول أقيم في شهر أبريل سنة 2010 والثاني في أكتوبر من العام نفسه، وقد بيعت خلالهما قطعا أثرية هامة من مجموعة الراحل  الدكتور محمد سعيد الفارسي، أمين مدينة جدة سابقا، تلخص تاريخ المنطقة بأسرها من خلال قطع ثمينة ولوحات لفنانين مصريين من بينهم محمود سعيد. وقد لفت هذا المزاد الانتباه وحقق نجاحا كبيرا وأرقام مبيعات غير مسبوقة في الأوساط العربية.  

محمود سعيد، الدراويش “المولوية”، 1929، زيت على ابلكاش، 97.5 فى 69.8سم. اللوحة التى تصور ستة دراويش مولوية، حققت اعلى سعر بين جميع اعمال الفن المصرى الحديث عندما طرحت للبيع

كريستيز 2016

مما لاشك فيه أن الاستثمار في الفن المصري وأعمال التراث هو مجال واعد يتسع للمزيد من الأنشطة والفرص، لكن على المهتمين بالطبع أن يعوا بعض النقاط جيدا قبل أن يبادروا بالشراء، فالاستثمار في الأعمال الفنية يحتاج إلى بحث ودراية قبل خوض التجربة، ويحتاج إلى الأخذ برأي المتخصصين.  وفيما يلي بعض النصائح المفيدة لراغبي شراء عمل فني:

* التأكد من الجودة الفنية للعمل وأن يأتي معبرا عن أسلوب الفنان:

ليس كل الأعمال الفنية بالجودة نفسها، فبعضها لا يرقى إلى مستوى الفنان في الاهتمام بالتفاصيل وإبراز المهارات، وبالتالي من الضروري الاطلاع على تاريخ الفنان جيدا وارتباطه بمعاصريه وبالحركة الفنية وقتها، قبل اتخاذ القرار بالشراء. مثل هذا البحث سيسمح للمهتمين باختيار القطع الهامة، بل و سيمكنهم أيضا من معرفة من هي الأسماء التي سيبزغ نجمها قريبا أو يرتفع سعرها، لخوض استثمارات مستقبيلة. حتى الآن تعد أعمال محمود سعيد هي الأغلى ثمنا عربيا، إذ حقق أعلى أرقام للمبيعات ( حوالي 53 عملا) بوصفه من أهم فناني جيل الرواد.

* التفرد وأهمية العمل الفني:

ينطبق مبدأ الندرة على الفن أيضا، أي كلما كان موضوع العمل الفني متفرداً كلما ارتفعت قيمته، فلوحة “الدراويش” لمحمود سعيد استمدت قيمتها أيضا من كونها مختلفة قياسا على باقي لوحات الفنان الذي عرف أكثر ما عرف بالمناظر الطبيعية والبورتريه. هذا بالطبع دون اغفال أهميتها الفنية، خاصة فيما يتعلق بالاهتمام بالتفاصيل الدقيقة. 

وتكتسب كذلك الأعمال الفنية أهمية كبيرة عندما تصور أحداثاً تاريخية ضخمة أو تحمل تصورا للمستقبل أو تحظى بجائزة مميزة. و خير مثال على ذلك هو لوحة “حفر قناة السويس” للفنان عبدالهادي الجزار ولوحة “فرحة النوبة” لتحية حليم التي تصور فرحة الناس ببناء السد العالي بأسوان. امتلاك أحد هذه الأعمال هو بمثابة امتلاك جزء من تاريخ مصر المعاصر، الأمر الذي جعل دراسة بالألوان المائية للوحة الجزار حول قناة السويس تباع بمليون دولار في مزاد أقامته كريستيز في مارس 2014.  وهو رقم قياسي بالطبع، نظرا لأنها مجرد دراسة للوحة وليست العمل الأساسي، و هي من أبرز لوحات مجموعة “فاروس” للأعمال الفنية المصرية الحديثة.

عبد الهادى الجزار، حفر قناة السويس، 1965، الوان مائية وجواش وحبر على ورق، 35.5 فى 70.5 سم.

كريستيز

* المصدر:

لمعرفة مصدر اللوحة وإمكانية تتبع ملكية العمل الفني حتى آخر مقتني له  أهمية قصوى لضمان كون اللوحة أصلية. إذا وردت اللوحة ضمن مجموعة فنية كبرى مثل “فاروس” أو مثل مقتنيات الدكتور محمد سعيد الفارسي فهذا يرفع من قيمتها كثيراً. وهو ما حدث بالفعل بالنسبة لأعمال حامد ندا الذي بيعت له 45 لوحة بالمزاد العلني، معظمها كانت تنتمي لمجموعة الفارسي، من بينها “ليلة الحنة” التي وصل سعرها إلى 602,500 دولار بمزاد كريستيز في أبريل 2010. و قد بيعت بهذا السعر لأنها ذات طبيعة فنية عالية، و لأنها قد وردت ضمن مطبوعات فنية هامة مثل الكتاب الموسوعي لليليان كرنوك حول الفن المصري الحديث ما بين 1910 و2003. و من الجدير بالذكر أنه بعد عقد المزادين الخاصين بمقتنيات الفارسي ازداد الإقبال على لوحات حامد ندا و الجزار، واعتبرهما الكثيرون فرصة ذهبية للاستثمار.

لوحة “المجنون الأخضر”  لعبد الهادي الجزار هي مثال آخر على ذلك، إذ اشتراها سنة 2004 رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس من أرملة الفنان بمبلغ قيل إنه وصل إلى مليون جنيه مصري (حوالي 180 ألف دولار)، وهي قيمة قطعا ستتضاعف بمرور الزمن.

عبد الهادى الجزار، المجنون الأخضر، 1951، زيت وحبر على قماش مشدود على ابلكاش، 68.5 فى 62.5 سم.

تصوير/احمد ايهاب – مجموعة نجيب ساويرس

لقد أصبح من الضروري الآن أكثر من أي وقت مضى وضع خطة استراتيجية شاملة لسوق الفنون البصرية في مصر، فوجود مجموعات راعية للفن وأخرى مطلعة على المقتنيات المختلفة تسعى لتنظيم الاستثمار الذكي في هذا المجال كفيل بأن يحدث تطورا ملحوظا وبأن يحمي تراثنا الفني  ويرفع من قيمته التسويقية في المستقبل.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٨ ، ٢٠١٦

الأكثر قراءة

جاليري الصور

بعض المختارات من لوحاتنا المفضلة

فن يحمل ذاكرة وطن
مجموعة مؤسسة الأهرام الفنية

تحظى مؤسسة الأهرام الصحفية بواحدة من أهم المجموعات الفنية التي تؤرخ للحركة التشكيلية في مصر. لوحات وقطع نحتية وجداريات تروي الكثير عن الواقع المعاصر، دون إطناب أو ثرثرة، خارج إطار المتاحف العامة.

بيت في روما

الأكاديمية المصرية للفنون الجميلة فى روما كانت في البداية مجرد حلم راود الرسام راغب عياد في
عشرينيات القرن الماضي،وسرعان ما تحول إلى واقع يطالعنا حتى الآن في حدائق فيلا بورجيزي.

في حضرة الرسامين

جولة في عشرة متاحف للفن المصري الحديث، بعضها كان مقراً ً أو مرسما ُ للفنانين ثم ضمت أعمالهم لتخلد حياة كاملة من الإبداع.

النقد والصحافة الفنية
حتى بداية السبعينات

رغم الزخم الذي شهده تاريخ النقد الفني في مصر منذ بدايات القرن العشرين، إلا أن الفن التشكيلي لم يحظ إلى وقتنا هذا بالاهتمام الذي يسمح له بتحقيق قاعدة جماهيرية أو بمواكبة الزيادة في عدد قاعات العرض.