بقلم شهيرة محرز
ترجمة نوران ابراهيم

جولة في المطابخ الكبرى والاحتفالات الفخمة للأرستقراطية المصرية في القرن العشرين.

بدأتُ في جمع وصفات الطعام في العقود الأخيرة من القرن العشرين؛ بعد أن لاحظت في أعقاب التغيرات الاجتماعية الاقتصادية التي رافقتْ ثورة 1952، أن كثيرًا من عادات الطعام التي ألِفتها في طفولتي بدأت في الاختفاء. لذلك أودّ أن أنوِّه بأن الوصفات الآتي ذكرها مبنيَّة على ذكرياتي الخاصة بالسنوات الممتدة من أواخر الأربعينيات إلى نهاية الخمسينيات أو بداية الستينيات.

كانت هذه الوصفات شائعة في أوساط المنتمين إلى خلفيات اقتصادية اجتماعية متقاربة، من طراز عائلات أصحاب الأراضي الذين قد

كان الطهاة يبتكرون أشكالًا مُجوَّدَة ومُحسَّنة من الزينة للأطباق الباردة من أجل التباهي بمهاراتهم، بدءًا من الخضراوات المقطَّعة بحرفية والمرتَّبة بشكل فني فوق الطبقة الشبيهة بالمايونيز (اليمين)، وصولًا إلى أوراق البقدونس وقشور الطماطم المرتبة معًا لتصوغَ نمطًا متشابكًا يُشبه ذاك المرسوم على الأطباق الإزنيقية (اليسار).

الأعلى: أطباق الخضراوات. شهيرة محرز. الأسفل: طبق إزنيقي تزيِّنه أنماط من النباتات المزهرة (القرن السادس عشر م.). متحف المتروبوليتان.

تتراوح أملاكهم ما بين مئات وآلاف الأفدنة … وكانت هذه العائلات تنقسم إلى فئتيْن مختلفتيْن من المجموعات العِرقية: ذوي الأصول التركية الجركسية (أولاد الذوات) ممن تربطهم صلات القرابة بالنخبة الحاكمة، مثل حالتنا، والأعيان المصريين الذين عادة ما يكونون من ذوي الأصول المختلطة. وبالرغم من أن جذور الفئة الثانية تعود إلى الريف، فإنه بحلول نهاية القرن التاسع عشر، كان كثير منهم قد انتقلوا إلى القاهرة للتمتع بطرق الحياة “الغربية” الحديثة التي تتيحها العاصمة، أو – كما كان الحال مع جدي – لأن رب الأسرة كان قد تلقَّى تعليمًا يؤهله لأن يصبح موظفًا حكوميًّا. ومن ثَمَّ، تشارك في الأوساط الحضرية، كلٌّ من أولاد الذوات والأعيان في العادات ومستويات المعيشة وأواصر المصاهرة.

لم يشعر هذا المجتمع بالارتياح في مصر ما بعد الثورة، وعمَدَ أعضاؤه قدر الإمكان إلى تجنُّبِ لفتِ الأنظار إليهم حتى لا يجذبوا الانتباه إلى ما بينهم وبين النظام الملكي من وشائج. فبيعت القصور والعزب الضخمة، وتفرَّقت أطقم الخدم التي كانت تديرها، وانشطرت العائلات الكبيرة. وكُبتت الذكريات المؤلمة لطرق الحياة الغابرة، وبالتدريج سقطت الوصفات التي مثلت جزءًا من هذه الحياة الفاتنة في طي النسيان. ولعلَّ الظروف المالية الحرجة مسئولة جزئيًّا عن طمس هذه الذكريات.

كان هناك نقصٌ في المواد المكتوبة بخصوص الوصفات التي كنت أحاول توثيقها. لكني نجحت ، في النهاية، في العثور على بعضها في كتاب شديد الندرة نشره طهاة الملك فؤاد، على الرغم من أن كتاب نظيرة نقولا (المعروفة بأبلة نظيرة) المرجعي الشهير الذي نشر في فترة لاحقة، حذف معظم هذه الوصفات. باستثناء الشركسية، أو الدجاج بصلصة الجوز، كما لم تأتِ كتب الطهي المعاصرة حتى على ذكر هذه الوصفات. غيرَ أنه لحسن الحظ، أن بعض العائلات التي طوَّرت وصفاتها الخاصة لم تزلْ تحافظ عليها، وإنْ كانت استعادتها على نحوٍ كليٍّ عملية يشوبها التعقيد والبطء، وتعتمد على مقابلات متفرِّقة للأحياء من هذه العائلات، ومقارنة نسخهم المختلفة بعضها ببعض.

لا أعرف الكثير عن تاريخ هذه الوصفات سوى أنها كانت تُورَّث من الأم للابنة حتى لو لم تعرف أيٌّ منهما كيف تطبخ. كما أنه من الأهمية بمكان أن نشير إلى أنه حتى الخمسينيات، كان خدم البيوت الكبيرة، وبالتحديد الطهاة، يحيوْن فيها طوال حياتهم؛ فقد كانوا عادةً ما يأتون للعمل مساعدين صغارًا بالمطبخ (مرمطون) للطاهي الحالي، ويتعرفون على وصفات الأسرة بمراقبة كل حركة من حركاته خِلسة. إلَّا أنه في الواقع، ونظرًا إلى أن الطهاة المخضرمين كانوا يُخفون وصفاتهم من باب الغيرة، لم يتدرب مساعدوهم بشكل رسمي وتعلموا ما تعلموه عن طريق التلصُّص عليهم. كما كانت سيدة المنزل أيضًا تُقدِّم أطباقًا جديدة رأتها على مائدة إحدى صديقاتها وراقَها تذوُّقها، وفي كثير من الحالات كان الطهاة يوفدون للتعلُّم من بعضهم البعض (على الرغم من أنهم كانوا لا يُرحِّبون بهذا الأمر تحديدًا ويجدونه مهينًا، ولكنْ لم يكن لديهم ما يفعلونه سوى الانصياع له!)، وعلى صعيد آخر، عندما كان الطهاة يوظَّفون في سن أكبر، كانوا يأتون أيضًا بوصفات مخدوميهم السابقين. وكان لهذيْن العامليْن – لا شكّ- أثرٌ في التأسيس لعملية شبه تناضحية تمَّ من خلالها تبادل الوصفات من بيت إلى آخر، ولكن مع وجود فروقات صغيرة ولمسات خاصة مختلفة. 

وبدا من الواضح أنه مع مرور الوقت ظهر تقسيم ضمني: من ناحية، توجد الأطباق التي تقدم بوصفها جزءًا من قائمة الطعام اليومية، ومن الناحية الأخرى، توجد الأصناف التي اعتمدت بوصفها “طعام العزائم”. وبناءً عليه، نشأت ثلاثة أنواع من قوائم الطعام: الأطعمة المقدَّمة بشكل يومي للأسرة في الغداء والعشاء، وتلك المجهَّزة للمناسبات العائلية الرسمية الصغيرة والكبيرة، وكان الفارق الوحيد بين النوعيْن الأخيريْن يكمن في عدد الأصناف المقدَّمة.

كانت الوجبات المنزلية عادةً عبارة عن غداء أو عشاء يُقدَّم للجالسين إلى المائدة، ويتضمن إما اللحوم وإما الطيور وإما الأسماك إلى جانب الخضراوات أو المعجنات؛ إضافة الي نوع من الخضراوات يُصاحبه أرز أو مكرونة، أو خضراوات محشوَّة، أو فطائر مملَّحة. كما كان من المألوف أيضًا أن يكون هناك صِنف من الحلويات إلى جانب الفاكهة الطازجة. وعلى الرغم من أن “طعام العزائم” كان كثيرًا ما يظهر في الوجبات اليومية، فإن الوصفات الأبسط للمائدة اليومية لم تكن تُقدَّم قطُّ على موائد المناسبات الخاصة. وفي حالة أطباق اللحوم مثلًا، فإن الصِنف التقليدي هو كباب الحلة، وكذا أطباق اللحم المفروم مثل كفتة داوود باشا وحتى بعض الوصفات الغربية مثل الإسكالوب بانيه، التي كانت تتكرَّر في الوجبات المنزلية، وتُستبعد لكونها غير فاخرة بما يكفي للضيوف. كما اعتُبر الدجاج المحمَّر أو المشوي ممَّا لا يليقُ تقديمُه في المناسبات المهمة، وكان يُستبدل بوصفات أكثر تعقيدًا.

وبشكل عام، لو لم يزدْ عدد الضيوف عن قدرة المضيف على توفير مقاعد لهم، كانت الوجبات الرسمية تُقدَّم في غرفة السفرة بالبيت، وكانت تتألف إجمالًا من أطباق اللحوم والطيور والأسماك بالإضافة إلى الفطائر المملَّحة، وصِنفيْن من الخضار، وصِنفٍ من المحاشي وسَلطة. وفي نهاية الوجبة، تُقدَّم الفواكه الطازجة أحيانًا في شكل سلطة فواكه، علاوة على ثلاثة أنواع من الحلويات على الأقل.

أما التجمعات الأكبر، مثل تلك المرتبطة بالأعراس والاحتفالات بالنجاح في الانتخابات أو التعيين في المناصب المهمة، فكانت تُعقد في حديقة البيت؛ حيث كان يُنصَب صيوان في الشتاء، وفي هذه الحالة، كان الطعام يُقدَّم على موائد ممتدة، فبالإضافة إلى أطباق طباخ العائلة المتميزة، كان يلزم الحصول على خدمات أحد متعهدي تقديم الأطعمة المحترفين.

لقد كانت موائد المآدب تتألف من أصناف لا حصر لها من جميع أنواع الطعام؛ من خلال تشكيلة من أطباق اللحوم المبهرة مثل الخراف

نبذة عن أصول الوصفات: عند نشأتي، كان للعديد من الأصناف المُقدَّمة في المناسبات المهمَّة في قصور الأعيان المصريين أسماءُ تركية، مثل “تورلي” و”سو بوريك” و”إكميك بوريك” و”إمام بايلدي” وطاووق سو. وكانت هناك نظائر عربية لأطباق أخرى؛ ومن ثَمَّ، تحوَّلَ شركس طاووق إلى الشركسية، وحلَّت الدُّولمة الكدابة محل “يالانجي” دولمة. ولوقت طويل شغلتني مسألة أصل هذه الوصفات وأسمائها، حتى أدركت يومًا ما كان يجب أن أدركه بجلاء من البداية: أن كون الاسم تركيًّا لا يعني بالضرورة أن الوصفة تركية. فنادرًا ما تُركِّز الدراسات على ما تدين به الثقافة العثمانية للحضارات السابقة عليها. وفي الواقع، كثيرًا ما يتمّ تجاهل التأثير المملوكي على الفنون والحرف العثمانية، مثل الخزف والنسيج والحدادة والنجارة. لذا كانت ذخيرة زخارف أوراق النباتات التي تظهر على البلاط الإزنيقي، بالإضافة إلى القفاطين الفاخرة التي ارتداها السلطان سليمان وذريته من الأمراء، موجودة بالفعل في مصر المملوكية على نحو ما نشهده في العديد من العينات والبقايا الأثرية التي تعود إلى القرن الخامس عشر م. على الأكثر. الأمرُ الذي يدعونا إلى التفكير مَليًّا في أمر هذا “الاقتباس”، وغيره كثير، وأنه قد مرَّ دون إحالات واضحة؛ مما قد يُشير إلى حدوث الشيء ذاته مع الطعام والشراب.

إبريق فضي للقهوة (صُنع 1809 – 1860) يُماثل ما كان يستخدم في بيوت الطبقة الراقية بمصر في أثناء الحقبة العثمانية. متحف المتروبوليتان.

الكاملة والفخذ البتلو، وأخرى من اللحوم الباردة المُجهَّزة بداخل هلام المرق والمُعدَّة على هيئة مستطيلات طويلة وسهلة التقطيع. كما كان يُتوقَّع في هذه المناسبات تقديم تشكيلة من الطيور؛ حيث كانت الديوك الرومية مكونًا أساسيًّا، وكانت تُقدَّم بعد تقطيعها إلى شرائح، فوق الرُّز “أبو خلطة “(الأرز الأحمر الذي تتناثر عليه حبات الزبيب والمكسرات المحمصة)، وكان من المعتاد أن تتضمن هذه الولائم البط المجهَّز بشكل فاخر، بالإضافة إلى الحمام، ولكن بدلًا من الحشو بالأرز أو الدقّ والدفن في القمح المدشوش كما هو الحال في الوجبات العادية، كان الطائر يُقسَّم إلى نصفيْن ويُخلى من العظم ويُقدَّم في صورة كرات مملوءة باللحم البتلو المفروم يعلوها حلي من الورق المفضض. ولم توفِّر طريقة التقديم تلك شكلًا أكثر أناقة وحسب، ولكنها بالتأكيد سهَّلت عملية تناول هذه الطيور. وبالرغم من ظهور الفطائر المقرمشة والمالحة بشكل أسبوعي على موائد الأيام العادية في أشكال وصور مختلفة، سواء كانت محشوَّة بالجبن أو اللحوم المفرومة والخضراوات، فإنها كانت أحد الأصناف التي لا تخلو منها الولائم الرسمية.

كان الخضار المحشوّ أو المحشيّ يقدَّم باردًا، وبالتحديد الدُّلمة الكدابة (“دُلمة يالانجي” في تركيا) بطعمها الذي يجمع بين مذاقي الحلو والحامض، وكانت إحدى اللوازم التي لا يُستغنى عنها في حفلات الاستقبال. وكانت أطباق الخضراوات المزيَّنة بشكل بديع شائعة على موائد العائلة وكذا الاحتفالات الخاصة، وعادة ما كانت تطهى في قدور خاصة تتسم بقصرها وبجوانبها المشطوفة وتدعى دِّقِّيَّة؛ وإذا ما كانت الخضراوات صغيرة في الحجم مثل البامية، كانت ترصُّ واحدة بواحدة في صفوف مائلة، ولكن إذا كانت أكبر، مثل الكوسة، فكانت تقطَّع إلى شرائح مائلة، ومن ثَمَّ توضع الشرائح بنظام وراء بعضها البعض بداخل الدِّقِّيَّة. وبمجرد الانتهاء من الطهي، يُقلب القدر على أطباق التقديم ويرفع ليكشف عن قبة مكوَّنة من طبقات الخضار المرصوص بشكل بديع يشبه الدوامة. وكانت ثمار الجزر المطبوخ والخيار المخلل تُقطَّع على شكل الزهور والمراوح وتُضاف كلمسة تزيين أخيرة. وكان أحد أشكال التزيين المفضلة لديَّ هي تغطية القبة المؤلَّفة من الفاصوليا الخضراء الباردة بعجينة الصنوبر ذات اللون الأبيض المصفر المدعوة بالـ”طراطور”، مع زخرفتها بنمط متكرر من الزهور المصنوعة من قشرة الطماطم وأوراق البقدونس أو الكزبرة. وكانت نتيجة ذلك، كما أدركت بعدها بسنوات، هي أننا كنا على مائدتنا نقلِّد نقشات الفخار الإزنيقي الذي يرجع إلى القرن السابع عشر! كما كانت هناك طريقة أخرى لتقديم الخضراوات الكبيرة مثل الخرشوف والباذنجان؛ عن طريق تقوير الثمار وهي بعدُ نيئة، وحشوها بمجرد طهوها بأنواع مختلفة من اللحوم أو الخضراوات، ومن ثَمَّ تحميرها في الفرن وتقديمها بعد رشِّ المكسرات عليها أو تغطيتها بالقشدة ورصِّها بشكل جميل على أطباق فضية كبيرة.

وبما أن ولائم المناسبات المهمة كانت تمتدُّ لما يقرب من الساعتيْن، فقد كانت الأطباق التي تؤكل ساخنة تمثل مشكلة. وبالطبع كانت

هناك تشكيلة من تجهيزات التسخين التي توضع تحت الأطباق الفضية لتدفئتها، ولكن لتبسيط الأمور، كان يُتعمَّد تضمينها عددًا كبيرًا من الوصفات الباردة القادرة على حمايتها من الإفساد. كما كان من العوامل الأخرى المهمة اقتصاديًّا في اختيار قوائم الطعام في المناسبات الرسمية، كما أظن: أن يُقدَّم للضيوف أغلى الأطعمة وأجودها بعد تجهيزها لتظهر بصورة منمقة للغاية.

حملت بعض الوصفات أسماءَ عثمانية، ولكن ذلك لا يعني أنها كانت أصنافًا تركية، بل يعني أنها كانت نتاجًا لإحدى الثقافات القديمة التي خضعت للحكم العثماني. أعتقد، مثلًا، أن معظم الأطباق المعتمدة على الزبادي قد تعود في الأصل إلى الأرمن. ومن الأهمية بمكان أيضًا أن نشير إلى أنه بمحض مصادفة عجيبة، لم تظهر كثير من أطباق القاهرة التي توصف بكونها “عثمانية” في بلدان أخرى عاشت تحت الحكم العثماني. هل يمكن أن تكون تلك الأطباق مصرية أصلًا، وما كان من الطهاة العثمانيين إلا أن استعادوها من ساحة التَّاريخ؟ في نهاية الأمر، نحن أمام حقيقة تاريخية راسخة تقول إن سليم الأول عاد إلى إسطنبول مصطحبًا معه كل صنَّاع مصر وحرفييها المهرة؛ مما أسبغ أبعادًا جديدة على الثقافة العثمانية لا ريب.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩