تمشى فى شارع مبانيه كما وصفت لك وتقرأ "شارع الطلمبات”، مع أنه لا أثر به لمكان يمكن أن يحوى طلمبات، وتحار أين هى "السراى الكبرى” ولماذا بنوا "ورشة التمباك” فى حى سكنى راقى وما علاقة "معمل السكر" بهذه المبانى الأصيلة؟ وسكتشف ان قراءة تاريخ حديقة القصر العالى هى التى ستحل لك طلاسم أسماء شوارع جاردن سيتى.

تسير فى شارع به عمارات دقيقة أنيقة تصميمها يمتع بصرك وفيلات بهية منمقة تقسيمها يشرح خاطرك وقصور فخمة رائعة زخارفها تبعث فيك البهجة، فتشعر وكأنك تخطو بهواً واسع الأرجاء به حفل ساهر زاخر بحوريات فاتنات يتسابقن جمالاً ويتنافسن أناقة. ربما أعيتها سنون العمر ونال منها الزمان نصيباً، بهت لونها أو وقع بياضها، ولكنها لا تزال على قول المصريين المأثور “حافظة مركزها”!

فى طفولتى كنت – ولا زلت – مولعاً بقراءة أسماء الشوارع كى أتعرف من خلالها على بعض صفحات التاريخ؛ أقرأ لافتة “شارع سعد زغلول باشا” فأسأل لأستمتع ممن هم أكبر منى بقصة مثيرة عن ثورة 1919 أو لافتة “شارع سراى الجزيرة” لأعيش رواية طريفة عن ذلك القصر الأندلسى الجميل. أحياناً كثيرة كنت أسأل عن نفس الاسم أكثر من مرة فأسمع قصص مختلفة أو روايات متباينة لنفس القصة. المهم أن الحيلة كانت دائماً تنجح، إلا فى حى جاردن سيتى!

تمشى فى شارع مبانيه كما وصفت لك وتقرأ “شارع الطلمبات”، مع أنه لا أثر به لمكان يمكن أن يحوى طلمبات اللهم إلا على مواسير العمارات! وتحار أين هى “السراى الكبرى” ولماذا بنوا “ورشة التمباك” فى حى سكنى راقى وما علاقة “معمل السكر” بهذه المبانى الأصيلة. وتتوقع أن تجد مشتل مثلاً فى شارع “النباتات” وماءاً جارياً فى “الفسقية”، وتكاد تجن من التفكير فى الغرض من “حوض اللبن”، ناهيك عن شارع “البرجاس” الذى لا تعرف له معنى أصلاً! وإذا أخبرك صديق أكثر منك ثقافة أنه يعنى حلبة سباق الخيول ازدادت حيرتك وطار صوابك!

وتمضى فى شوارع حى جاردن سيتى الأصيل وأنت تستحضر أيام عزه فى النصف الأول من القرن العشرين، هذا قصر على باشا إبراهيم وجاره نجيب باشا محفوظ، ومكان ذلك المبنى السقيم قصر عدلى باشا يكن، وهذا هو البيت الذى سكن به مصطفى النحاس باشا وجرت به إحدى أشهر محاولات اغتياله، حين قذفه الجناة بقنبلة يدوية كادت شظاياها أن تفتك به لولا أن تعلقت بناموسية فراشه، فقال الوفديون وقتئذ أن فيه شىء لله!

وجد ديستورميل فى أحد أطراف الحديقة مبنيين صغيرين يعلوهما قبتان، الأول ضريح لاظ أوغلى والثانى سبيل ماء أقيم صدقة على روح رجله المخلص، ولا يزال الضريح موجوداً أسفل إحدى عمارات حى جاردن سيتى إلى الآن!

والبيت يقع فى شارع أحمد باشا، هكذا؟ أحمد باشا من؟ فيجيبك معظم أهل الشارع “الله أعلم”. فى يوم قيل لى أن الذى يجيبك على كل هذه الأسئلة هو الحاج مسعود شيخ بوابى الحى، وذهبت أسأله وأنا أمَّنى نفسى بكشف أسرار المنطقة فقال لى بصوت العارفين ببواطن الأمور “كان أصله واحد خواجة، كانت الأرض دى كلها ملكه، الله يرحمه كان سيره بطاّل، وبعدين ربنا هداه فأسلم وسمى نفسه أحمد باشا”! وأسايره لعلى أخرج بمعلومة ولو بسيطة من هذا الحديث العجيب “طيب ومين جاردن سيتى يا حاج” فيومئ برأسه ويتنحنح قبل أن يزيد “كان له بنت وحيدة جميلة زى البدر ليلة تمامه، كنت أشوفها كل يوم ساعة العصارى وهى تتهادى على حصانها الأبيض المطهم، أيام كان الأرض كلها غيطان”، ويمضى مسهباً فى وصف أميرة من أساطير القرون الوسطى حتى أقاطعه أو بالأحرى أوقظه سائلاً “هى مين ده يا حاج مسعود” فيجيب فى شىء من الحدة وقد أفقته من تخيل فتاة أحلامه “مزمازيل جاردن سيتى”!

مضرب النشاب!

دع منتجع رأس محمد جانباً وتعالى معى فى رحلة غوص فى رأس إبراهيم؛ إبراهيم باشا بن محمد على، وقد ازدانت القاهرة وتلألأت سبعة أيام بلياليها ابتهاجاً بانتصاره على الوهابيين. ويدخل القائد الفاتح القاهرة يوم الخميس 9 ديسمبر 1818 وفى اليوم التالى يشق المدينة على رأس موكب ضخم ثم يعود إلى قصره الجديد، القصر العالى.

السرايا الكبرى (حرملك القصر العالي) في سنة 1906

من ارشيف ماكس كاركيجي

لم أجد فيما قرأت تاريخاً محدداً لإنشاء القصر العالى، على أن الجبرتى يخبرنا أنه كان جديداً يوم عودته، فالأرجح أن إبراهيم باشا أمر به قبل سفره على رأس الحملة سنة 1816 فكان عامراً ينتظر سيده حين عاد ظافراً. لم يكن إبراهيم باشا أول من عمّر هذه المنطقة، بل سبقه الناصر محمد بن قلاوون فى القرن الرابع عشر حين مهد الأرض ليتدرب بها جنوده على أساليب القتال وأنشأ بها ميدان لرمى السهام كان بعضه لا يزال باقياً فى أواخر القرن التاسع عشر.

والجبرتى يعزز هذا؛ فقد روى أنه حين سافر محمد على إلى الإسكندرية للاصطياف كعادته فى 16 يوليو 1819، عيّن إبراهيم باشا قائماً مقامه، “وكانت إقامته بقصره الذى أنشأه بشاطئ النيل تجاه مضرب النشاب”، أى المكان الذى تضرب به السهام. بينما يذكر على باشا مبارك أن القصر أقيم مكان بيت محمد بك، ولم يحدد مبارك من هو محمد بك هذا، ولم أشأ أن أسأل الحاج مسعود حتى لا يحكى لى أنه كان خطيب مزمازيل جاردن سيتى الذى لم يرض أبوها أن يزوجها له!

حين أنشئ القصر العالى كان حده الجنوبى قصر العينى والغربى شاطئ النيل والشرقى الشارع الموصل من مصر القديمة إلى ساحل بولاق ومحله الآن شارع قصر العينى. أما الحد البحرى فهو محل خلاف، إذ أن كثير من المراجع تذكر أن القصر العالى كان يحده من الشمال قصر الأمير أحمد باشا رفعت بن إبراهيم باشا الأكبر، غير أن الخرائط توضح أن ذلك القصر كان فى أول الأمر جزء من القصر العالى نفسه، وعلى ذلك يكون الحد البحرى للقصر العالى هو مقر السفارة البريطانية، أى أن القصر كان محل معظم حى جاردن سيتى الآن!

 شلال ماء يروى نخل بلور!

كان إبراهيم باشا متأثراً بمقر إقامة والده بالقلعة حين شيد القصر العالى، لذا أراد القصر أن يكون مقراً لإقامته وعمله معاً، فبنى السلاملك فى الجانب القبلى ليستقبل به زواره وبنى الحرملك فى الجانب البحرى غير مبانى خدمات ومكاتب ملحقة بالقصر، أما المطابخ الملحقة بالقصر فكانت مجهزة لإعداد مائدة للمئات كل يوم. كذلك بنى قصراً خاصاً لعباس باشا ابن أخيه المتوفى وكان لا يزال صبياً، وبعد سنوات كبر عباس ونما العداء بينهما واستحكم ثم خلفه فى الحكم!

القصر العالي مزيين بمناسبة عودة الخديوي من الأسكندرية الى القاهرة.

مأخوذة من مجلة لندن المصورة، عدد 14 اكتوبر عام 1882

بنى القصر العالى فى وقت كانت عمارة القصور فى مصر لا تزال تتأرجح بين الطرز الأوروبية الحديثة والطرز التركية الشرقية؛ فبينما تجد ديستورميل مثلاً يصف القصر حين زاره سنة 1833 بأنه منزل ريفى أمام جزيرة الروضة تصل إليه عبر طرق واسعة وتحيطه بساتين واسعة جميلة وتصميمه وتقسيمه مشابه لقصر محمد على فى شبرا وإن بدا أن اختيارهم هنا لقى عناية أكثر، من ناحية أخرى تجد أحد المستشرقين الذى زار القصر يوم 15 ديسمبر 1855 معجباً بغرفه التى لا توجد بها طرقات ولكن تفضى واحدة منها إلى الأخرى على نسق القصور الأوروبية الفخمة كفرساى وإرميتاج، وقد خصصت لكل أميرة أربع أو خمس حجرات مفروشة بسجاجيد ثمينة وبعض قطع الأثاث الأوروبى المنحوت برسوم جميلة، وإن بدا قليلاً!

وبعكس تصميم المنازل المطلة على النيل الآن، يفاجئنا ديستورميل بأن واجهة القصر الرئيسية كانت تطل على القلعة والمقطم، ولعل إبراهيم باشا أراد أن يواجه قصر أبيه ومقر حكمه! أما واجهته الخلفية فقد أطلت على النيل، يفصلها عن مياهه بضع مئات من الأمتار من حدائق مظللة، وقد رصفت ضفافه بحيث يمكن رؤية مياه النهر من الطابق السفلى، وزرعت هذه الأرصفة بالشجيرات وزينتها تماثيل من المرمر الرائع الذى منحها طابع أوروبى بحت. ورغم ذلك يرى سكوت الذى ترك لنا هذا الوصف أن القصر أجمل من أقرانه من قصور القاهرة القائمة وقتئذ، وإن كان مبنياً بذوق تركى غير مريح!

لو كان قد قدر لك أن تزور إبراهيم باشا لاستقبلك سلم رخامى عريض يتحلى بدرابزين من البلّور يتسق مع عظمة القصر ومكانة صاحبه، وقد نقل الأمير محمد على جزءاً من هذا الدرابزين إلى قصره بالمنيل، وقد شاهدت فى قصر عابدين كذلك سلم يتحلى بدرابزين بلّورى، وإن لم أتحقق إن كان قد نقل إليه من القصر العالى أم شابهه فقط.

كنت ستدعى للجلوس فى إحدى صالونات القصر فى انتظار الباشا، فتجد نوافذها متسعة متعددة حتى تكاد تكون مكشوفة لولا ما يغطيها من ستائر صنعت من أجمل الأقمشة وأثمنها، يفصل بينها عوارض ضيقة رسم عليها مناظر طبيعية. وفى حائط إحدى الغرف ستبهرك نافورة بنيت على ارتفاع ستة أقدام من الأرض تصب مياهها على شكل شلال فى حوض من الرخام ثم تجرى فى قنوات رخامية مزينة بأسماك منحوتة فى أوضاع مختلفة حتى تصب مرة أخرى  فى حوض أكبر وأعمق. وإذا كنت مدعو إلى العشاء فستدخل حجرة الطعام فتلفاها فخمة واسعة يتدلى من سقفها ثريا كبيرة تضيئها وفى جوانبها الأربع شمعدانات على شكل نخل صنع من أنقى أنواع البلّور يسقط عليه الضوء من ثريا مثبتة أعلاه فيتوهج بألوان الطيف مبهجاً.

هالفيت!

ابراهيم باشا والي مصر (1789-1848)

لوحة لشارل فيليب لاريفيير (الصورة من معهد العالم العربي)

إبراهيم باشا كان مولعاً بالزراعة، أنا شخصياً أترحم عليه كلما تناولت الزيتون الشهى الذى جلب أشجاره من اليونان حين فتح بلدة “كالاماتا” ضمن انتصاراته هناك، وقد بلغ ما زرعه حتى سنة 1835 أكثر من خمسة مليون شجرة من خمسة وعشرين نوعاً من أشجار الغابات ونصف مليون شجرة من واحد وأربعين نوع فاكهة مختلف أهمها المانجو الموالح والفراولة والتوت والكروم وغيرها وقد أرسل خبراء إلى مختلف الأنحاء من الهند حتى جاميكا لاستيراد شتلات جديدة، وصدرت تحت إشرافه أول جريدة فى مصر متخصصة فى الزراعة. ومن ثم كان طبيعياً أن تأتى حديقة قصره بالغة الجمال؛ بدأ إبراهيم باشا فى تمهيد الأرض وزراعة الأشجار فى فبراير 1821، وكلف المهندس الفرنسى فرانسوا بوفور بإنشاء الحديقة التى أسهب كل من رآها فى وصف جمال أشجارها وحسن تنسيقها.

 ويروى ديستورميل أن بوفور قاده إلى حديقة الحرملك حيث التقى بالأمير الشاب يتنزه مع حاشيته وسط الأكشاك والنافورات والأشجار. إلى هنا ولا عجب، فطبيعى أن يوجد فى حديقة قصر كهذا تماثيل مرمرية ونافورات، ولكن الغريب أن يكون به مدفن! أراد إبراهيم باشا أن يكرم محمد لاظ أوغلى باشا وهو من أخلص رجال محمد على وكان واحد من أربعة فقط الذين ائتمنهم على خطته لذبح المماليك، ولذا وجد ديستورميل فى أحد أطراف الحديقة مبنيين صغيرين يعلوهما قبتان، الأول ضريح لاظ أوغلى والثانى سبيل ماء أقيم صدقة على روح رجله المخلص، ولا يزال الضريح موجوداً أسفل إحدى عمارات حى جاردن سيتى إلى الآن!

وقد ظل إبراهيم باشا طوال حياته يطور السراى ويوسع فيها ويمارس هواية الزراعة كما فتح ممرات واسعة فى حديقة السراى كانت الأميرات يتنزهن بها فيصيح الأغوات بصوت عالى “هالفيت” لينبهوا الرجال، الأمر الذى يذكرنى بقول بعض ذوى الأصول الريفية حين دخولهم أحد المنازل “يا ساتر”!

لم يكن ميل إبراهيم باشا الشديد لقصره فقط حباً فى الزراعة وشغفاً بالحديقة، يقول مستشرق اسمه جارنر ويلكنسون أنه رأى فى القصر حين زاره سنة 1843 مكتبة ضخمة بدأها إبراهيم باشا فى ثلاثينيات القرن بها كتب عربية وتركية هامة بجانب متحف مصريات احتفظ فيه بمجموعة منها وأهدى بعضها لكبار زواره وتعد نواة كثير من المجموعات الخاصة الموجودة فى أوروبا. من هؤلاء كونت جوزيف دى ستورنال الذى روى أنه زار إبراهيم باشا سنة 1833 وانتقى قطع منها، حتى محمد على كان يروم زيارة ابنه بالقصر العالى وقد أقام به عدة مرات وإبراهيم باشا فى فتوحاته.

وأول ما سجل التاريخ من أحداث هامة شهدها القصر لم يكن فرح أو احتفال أو حتى مأتم، بل جاء مختلفاً لا يخلو من طرافة؛ فى يوليو 1819 أقيم حفل ختان الأمير الطفل عباس حلمى!

 زرنا الحرملك حيث عاش صاحب القصر مع عائلته فتعالى بنا إلى إطلالة على السلاملك حيث استقبل ضيوفه وباشر عمله، أمامى محضر اجتماع مجلس المشورة فى21 سبتمبر 1829، وفى اليوم التالى قرر المجلس أن يحمل كل مواطن وثيقة تختم بختم مصر عند خروجه من أبوابها وعند انتقاله من بلد إلى آخر، هكذا ولد جواز السفر لأول مرة فى مصر فى القصر العالى!

وقراءة تاريخ حديقة القصر العالى هى التى تحل لك طلاسم أسماء شوارع جاردن سيتى، “الطلمبات” استوردها إبراهيم باشا من أوروبا لتكون أول مرة ترفع فيها مياه الرى فى مصر آلياً و”البرجاس” لتدريب الخيول العربية التى جلبها صاحب القصر من الحجاز وشيد لها إصطبلات بالقصر كان بها نحو 400 من كرام الخيل، و”النباتات” عند المشتل و”السلاملك” و”السراى الكبرى” و”الفسقية” و”الحرس” أمرهم سهل. أما “معمل السكر” فكان واحداً من أول معملين للتقطير فى مصر، بناه إبراهيم باشا سنة 1840 فى أحد أركان القصر وبنى الآخر فى فرشوط، ولا تسألنى عن “حوض اللبن” حتى لا أحكى لك قصة الحاج مسعود عن استحمام الخديو فيه!

القسمة!

 نجح الطالب الشاب وكان مخططاً أن يلتحق بمدرسة سان سير الشهيرة لكن وفاة والده يوم 10 نوفمبر 1848 اضطرته للعودة. ربما تتخيل أن هذه سطور من قصة كفاح شاب عصامى رقيق الحال، لكن الحقيقة أنها سطور من قصة حياة خديو مصر الأعظم إسماعيل باشا!

بعد وفاة إبراهيم باشا آل القصر العالى إلى جهة الميرى، أى الحكومة بلغة ذلك العصر، وتعرف من حجة الهبة والبيع المؤرخة فى 7 نوفمبر 1849 أن ولديه اقتسماه، فأخذ الابن الأكبر أحمد رفعت الجزء الشمالى وسراى الحرملك وهى الأفخم والأكبر، بينما حصل الأوسط إسماعيل على الجزء الجنوبى وسراى السلاملك مقابل 5160 كيس، وذهب قصر القبة إلى أصغرهم الأمير مصطفى بهجت فاضل. ومنذ ذلك الحين اقتصر اسم القصر العالى على الجزء الذى اختص به إسماعيل فقط لا سيما بعد أن اعتلى العرش وأمسك مقاليد الحكم فى البلاد، حتى أن الكثير من المؤرخين الذين استقوا معارفهم من المراجع والخرائط التى صدرت فى عهده يقعون فى خطأ اعتبار قصر أحمد رفعت باشا هو الحد البحرى للقصر العالى، بينما هو الجزء الأكبر والأجمل منه أصلاً!

بعد عودته من فرنسا أميراً يافعاً واعداً، اتخذ إسماعيل عدة مقار له منها نصيبه فى القصر العالى، ولم أستطع تبين ما إذا كان إسماعيل قد أنشأ قصراً جديداً أم أنه طوَّر المبنى الموجود وحسَّنه؛ فعلى مبارك قال أن “العمل استمر بها” ولم يزد! على أى حال، فالثابت أنه استخدم القصر العالى عند عودته بعض الوقت، فقد ولد فيه ابنه الأكبر محمد توفيق الذى صار خديو بعده فى 30 أبريل 1852. كذلك يروى مستشرق سويسرى اسمه شارل ديديه زار القاهرة فى سبتمبر 1853-يناير 1854 أنه زار إسماعيل فى القصر العالى وقال أنها سراى على الطراز الغربى ليس بها سمات شرقية بل ديكورات وأثاث على الطراز الغربى وعلى الحوائط رسومات فرسك وأجمل ما فيها إطلالها على النيل وبها معمل سكر يديره إسماعيل بنفسه!

خبايا الحرملك!

“فى الأربعين وشعرها بنى ولها أخلاق راقية ووجه جميل ذكى” ذلك هو وصف مسز سنيور لها حين زارتها فى 24 نوفمبر 1855، ويؤكد شفيق باشا أنها كانت جميلة فى شبابها وقد بقى أثر هذا الجمال طوال حياتها. لم أجد صورة أبداً لهذه السيدة؛ خوشيار قادين، ولكن من دراسة تاريخ القصر العالى تبدى لى جلياً أنها كانت أول من لعب دور السيدة الأولى فى تاريخ مصر المعاصر، على أن دورها النشط فى الحياة الاجتماعية لم يكن فى حياة زوجها، بل فى عهد ابنها إسماعيل الذى ما أن تولى العرش حتى أضحت أهم سيدات البلاط الخديوى، وقد جاء إطلاق لقب “الوالدة باشا” عليها تكريساً لهذا المقام. كذلك ارتبط تاريخ القصر العالى باسم الوالدة باشا طوال وجودهما.

اشترت الحكومة القصر مرة أخرى فى 26 مارس 1856 مقابل ثلاثين ألف كيس ولكن الخديو فى مستهل حكمه، أصدر أمراً أو إرادة كما كانت تسمى فى  30 ديسمبر 1863 إلى مصطفى الكريدلى باشا محافظ مصر “بوهب القصر العالى لحضرة صاحبة الدولة والعصمة والدتنا المحترمة”، وقد نص الأمر على أن حدود القصر العالى البحرية هى قصر الأمير أحمد رفعت  ومن هنا صار هذا الجزء وحده يحمل اسم القصر العالى.

وقد غلب الطابع التركى على شكل الحياة فى القصر العالى وإن داخله بعض العادات الغربية، فكانت الوالدة باشا تجلس وفى يدها عصا مرصعة بالألماس وحولها الأميرات والزائرات على شلت موشاة بالقصب مرتبة على شكل دائرة يوضع فى وسطها منضدة منخفضة عليها صينية من الفضة وأدواتها كذلك، أما فى المناسبات الرسمية فتكون من الذهب.

وكان للوالدة باشا شغفاً خاصاً بالفن والموسيقى، فضم قصرها فرقة موسيقى مصحوبة بمغنيات مصريات وتركيات جميلات الأصوات وفرقة راقصات جميلات القدود وفرقة لتمثيل روايات مضحك وكلهن يرتدين السراويل المزركشة بالقصب، وفى تشريفات العيد والاستقبالات الكبرى تجلس فرقة موسيقية فى كشك خشبى متصل بالحريم، وعند دخول الزائرات تعزف الأغانى العربية والتركية والغربية تحية لهن.

والوالدة باشا كانت تنتقى الجوار الحسان من ذوات الأصل شركسى وتأتى لهن بالمعلمين والمعلمات مصريين وأتراك وأجانب، وقيل أن القصر العالى كان يضم من هؤلاء الحوريات وأتباعهن السودانيات ما يبلغ الألف عداً!

فرح بالصدفة!

أما استقبال الزائرات فكان على نسق البروتوكول فى عابدين وكانت الزائرات تجلسن على كراسى عالية وتقدم لهن القهوة والشُبُك ثم يقدمن إلى الوالدة باشا فترحب بهن، بعدها يعدن إلى الصالون مرة أخرى ليشربن “السوبيا” قبل أن يغادرن القصر العالى.

العوالم يرقصن في حفل غذاء اقيم لمجموعة من السيدات الأوروبيات.

رسمة لهنري دي مونتو يرجح انها من سنة 1825 نشرت في الجريدة المصورة الإيطالية، العدد 33 لعام 1866

وكان يتحتم على الوافدات زيارة الوالدة باشا فى القصر العالى، وتروى الأميرة ألكسندرا زوجة الأمير أدوارد Prince De Galle عن غذاء رسمى كبير أقيم فى القصر العالى  فى 5 فبراير 1869، ودخلت المدعوات الخمسمائة حجرة الطعام التى توسطتها فسقية وجلسن على وسائد أرضية إلا الأميرة الإنجليزية التى عجزت عن ذلك ربما لما ترتديه أو لأنها لم تعتده، فأمرت الوالدة باشا لها بكرسى كما أمرت بإحضار يشمك لتجربه الأميرة! وجاء الطعام فى أطباق من ذهب، وقدم لحم “تابيوكه” فى أخرى صنعت من ظهر السلحفاة ضمن أربعة وعشرين صنفاً، لكن السيدات أكلن القليل ثم شربن الماء بالزهر وختمن بتناول ملعقة صغيرة من العسل قبل أن يدخن الشُبُك بينما بدأت الموسيقى العزف. وكانت زوجات الخديو الأربعة وباقى المدعوات يرتدين فساتين أنيقة ولكن ضيقها يعوق قدرتهن على السير بها!

ومن أطرف الأفراح التى أقيمت فى القصر العالى فرح إبراهيم توفيق باشا الذى كان سنة 1869 لا يزال فى مبدأ حياته، فقد أعربت الإمبراطورة أوجينى أثناء زيارتها التاريخية لمصر عن رغبتها فى مشاهدة فرح شرقى، فأمر الخديو أحد موظفيه بالزواج من إحدى جواريه وأقيم الفرح فى القصر العالى فى نفس الليلة بعد أن تلقت العروس جواهر نفيسة نفحة خديوية!

وقد أقيم فى القصر العالى العديد من أفراح الأسرة الخديوية كان أولها فرح الأميرة توحيدة فى 21 مارس 1869،  أما أفخم الأفراح التى شهدها القصر العالى، بل شهدتها مصر فى تاريخها المعاصر، فكانت أفراح أنجال الخديو إسماعيل الأربعة فى يناير 1873، وقد شهد القصر أهم مظاهرها وأبهاها على مدى أربعين يوماً بلياليها.

ويفقد الخديو إسماعيل عرشه سنة 1879 وفى 16 يونيو 1880 أصدر الخديو توفيق فرمان بضم عدة قصور وسرايات منها القصر العالى إلى أملاك الدولة، وما هى إلا سنوات قليلة حتى يدخل الخديو الجديد عاصمته تحت حماية جيش الاحتلال فتضاء مبانى القاهرة الرئيسية ومنها القصر العالى احتفالاً بهذه المناسبة التعيسة!

ودارت الأيام واستقبلت الوالدة باشا آخر ضيوفها فى القصر العالى يوم 20 يونيو 1886 ثم فاضت روحها فجر اليوم التالى وخرجت جنازتها الساعة السادسة من مساء نفس اليوم من القصر العالى فى موكب مهيب طوله عدة كيلومترات، وعلى الفقراء وزعت ثمار البلح ولحم أربعة عشر ثوراً ذبحوا أمام النعش فى سيره ونثرت النقود بينما اصطف الجنود تحت قيادة تشرتشل بك الكونوستابل الإنجليزى على طول الطريق إلى ميدان عابدين ثم جامع الرفاعى الذى أقامته المتوفاه قبل أن تدفن به!

القصران يتصاهران!

 قلنا أن القصر العالى قسم بين إسماعيل وأحمد رفعت، و”أحمد باشا” يا حاج مسعود لم يكن خواجا ولا يحزنون ، بل هو الأمير أحمد باشا رفعت بن إبراهيم باشا الذى ورث الحرملك ولعل مكانه تقريباً مكان الشارع، وقد روينا الكثير عن قسم إسماعيل الأشهر، أما القسم الآخر فأغلب ما شهد كان مشاهد تعسة حزينة!

غير أننا نروم البداية بواحدة من القلائل البهيجة، سنة 1873 تصاهر قسما القصر، يعنى أهليهما، فقد تزوج الأمير إبراهيم أحمد بن الأمير أحمد رفعت من الأميرة زينب بنت الخديو إسماعيل، وتقرأ فى 4 مايو 1873 أن الخديو دفع 56832 جنيه إسترلينى ثلث قيمة قصر أقامه الأمير إبراهيم أحمد لإقامته مع عروسه ووالدته شمسى هانم، لكن الأميرة العروس كانت تعانى مرضاً صدرياً فأدركتها وفاة مبكرة فى 19 أغسطس 1875 ثم توفيت شمسى هانم فى القصر العالى فى أول مايو 1891. وتزوج الأمير إبراهيم مرة أخرى من نوجوان هانم فأنجبت له شيوه كار وأحمد سيف الدين ومحمد وحيد الدين الذين ورثوا القصر عن أبيهم إبراهيم أحمد بن أحمد رفعت وأقاموا به بعد وفاة أبيهم سنة 1894.

ليلة الحناء!

 وتروى البارونة دو مالورتى كيف شكت لها الأميرة من سوء حال القصر وقد تصدعت جدران بعض غرفه حتى خشى خدم القصر دخولها، وإن أعجبت بفخامة سلم القصر الرئيسى وصالوناته التى زينته قطع أثاث ضخمة وغطت شبابيكه ستائر ثقيلة اعتقدت البارونة أنها تخفى عيون بعض أهل القصر الذين وقفوا خلفها يتلصصون!

كان 13 فبراير 1895 آخر الأيام السعيدة فى حياة قصرنا، على ندرتها، يومها أقامت الأميرة شيوه كار احتفالاً كبيراً بمناسبة خطبتها للأمير أحمد فؤاد، وشملت الدعوة أميرات الأسرة وعلية سيدات القوم، فكانت كليلة الحناء التى تقيمها عرائس اليوم. وجلست شيوه كار على مقعد مرتفع أشبه بكرسى العرش تستقبل زوارها قبل أن تزف من القصر العالى فى اليوم التالى إلى سراى عريسها بالزعفران التى كانت فى أوج بهائها آنذاك بعكس القصر العالى الذى طفقت آثار الشيخوخة و علامات الهرم تزحف على جدرانه!

الوصية الغامضة!

 قررت الحكومة إعادة القصر العالى إلى صاحبه الأصلى الخديو إسماعيل فى 29 يناير 1888 بعد خروجه من مصر بتسع سنوات، وكان قد بدأ فى التدهور بعد وفاة الوالدة باشا وخلوه ممن يبغى سكناه، باستثناء الأمير حسين كامل الذى أقام به فترة سنة 1894، فى الوقت الذى أخذت حالة الخديو السابق المالية تضيق، ومن ثم شرع إسماعيل باشا فى بيع القصر العالى لكنه لم يجد مشترياً!

والغريب أن إسماعيل باشا أراد أمراً بشأن القصر العالى فى ساعاته الأخيرة، ففى يوم 2 فبراير سنة 1895 وردت من اسطنبول أنباء بتدهور صحة إسماعيل باشا تدهوراً خطيراً وقد استدعى أحمد بك أسعد وكيل أوقاف قولة والقصر العالى فسافر ومعه حجج الوقفين ليلتقى بالخديو السابق، ولم نجد ما يفيد عما انتواه إسماعيل باشا من ذلك وإن كان قد نفذه أم داهمته النهاية دونه.

وفى 2 مارس تحمل أسلاك البرق نبأ وفاة إسماعيل فى الآستانة وقد تقرر نقله ليدفن بالقاهرة كما تقرر أن يقام العزاء فى القصر العالى، وجلس الأميران حسين كامل وأحمد فؤاد يتلقيان العزاء وقد غص القصر بزواره من علياء القوم للمرة الأخيرة، ثم وقف الجميع لقدوم الخديو عباس حلمى ليقدم واجب العزاء لأعمامه أبناء الخديو وزوجاته الثلاث فى آخر مرة تشهد جدران القصر حاكم مصر!

بعد انتهاء أيام الحداد اجتمع الأمراء أبناء الخديو السابق برئاسة ابن أخيهم الخديو الحالى ودرسوا وصية أبيهم فتبينوا أنه رغم أن القصر العالى باسمه إلا أنه فى الحقيقة ملك زوجاته الثلاث، وقد وافق الورثة على وصية مورثهم إلا الأمير أحمد فؤاد وأخته الأميرة جميلة، من ناحيتهن لم تكن الزوجات الثلاثة مرحبات بالوقفية وقد علمن أن زوجهن اشترط عليهن فيها تسديد دين قدره مائتى ألف جنيه!

القصر لا يزال موجوداً!

وتجرى أول محاولة لبيع القصر سنة 1898 إلى شركة ألمانية أرادت تحويله إلى فندق لكنها اكتشفت أنه مرهوناً فتعثرت الصفقة ثم أقيم مزاد فى نفس العام بيعت فيه المنقولات والرخام والأبواب والأخشاب وجرد القصر من كل ما به، حتى الحديقة تدهور حالها وذبلت أشجارها.

وفى أول نوفمبر 1898 بيع القصر العالى إلى الدايرة السنية التى شرعت فى مارس 1899 فى بيعه بمبلغ خمسة وثمانين ألف جنيه إلى شركة Philippart, Simon, Tamvaco & Co.، لكن الأمير أحمد كمال وأولاد أخيه الأميرة شيوه كار وشقيقيها مارسوا حق الشفعة واشتروا القصر العالى بموجب أمر من المحكمة فى 29 مايو  1899 وتوحد القصر مرة أخرى بعد نصف قرن بالتمام.

وفى سنة 1903 حانت النهاية وبدأ الهدم؛ السلاملك ثم الحرملك، وحين هدم الحرملك حاولت شركة فنادق Ritz شرائه لكن حكومة لندن سبقتها وكبرت السفارة. وفى سبتمبر 1905 عرضت الأنقاض للبيع فاشترى الخديو عباس وأسرته الكثير منها، وقد بنت الأميرة شيوه كار قصره بعد هدم القصر العالى واستخدمت الرخام وعناصر أخرى فيه لعل أهمها الفسقية التى أهديت إلى إبراهيم باشا حين زار أوروبا، وفى حديقة قصر  شيوه كار الذى صار مقر مجلس الوزراء، فسقية بديعة لعلها نفس تلك الفسقية التاريخية!

ومن غرائب القصر العالى أنه القصر الوحيد الذى لاتزال بعض جدرانه قائمة فى مكان آخر رغم أنه اندثر منذ قرن! القصة أن شخصاً اسمه على الوقاد اشترى كثير من أنقاضه وأحجاره وقت بيعها وبنى بها مقبرة له لأسرته، ويبدو أنه كان له شغفاً خاصاً بها فأعاد بناء الأحجار بنفس الشكل، ورغم أن حريقاً قد شب فى حوش المقبرة سنة 1924 التهم معظم هذه الأنقاض، إلا أن الأبواب لا تزال موجودة تغلق على جدران يعلوها الأحرف الأولى من اسم الخديو إسماعيل.

شكور باشا ومسيو باكوس!

أنشئت شركة The Egyptian Enterprise & Development Company  سنة 1904 وكان مديرها منصور نجيب شكور باشا وتم تقسيم الأرض إلى شوارع وفى مايو 1906 طلبت مصلحة التنظيم إنشاء كورنيش وفتح فى سبتمبر 1910 وكان من سور السفارة حتى قصر العينى ثم فتح من ناحية قصر العين.

وبدأ بيع القصر من سنة 1906 وقد بيع بمبلغ سبعمائة ألف جنيه لشركة Nile Land & Agricultural Company التى أقامت حى جاردن سيتى، وكان العقد بين ورثة الأمير أحمد رفعت ومسيو شارل باكوس، وحتى سنة 1907 كانت الأرض لا تزال فضاء فتقرأ عن اعتماد 2976 جنيه لكنس ورش الشوارع المستجدة عدة أماكن منها أراضى القصر العالى.

بعد هذه الرحلة يمكنك أن تفتى برأيك عن سر أسماء شوارع جاردن سيتى، ويمكنك أن تدلو بدلوك فى خبايا تاريخه، فتشير فى ثقة تماثل ثقة صديقنا الحاج مسعود دون أن يفهمك أحداً بأن البرجاس أنشئ محل مضرب النشاب!

رحم الله إسماعيل باشا وأحمد باشا والوالدة باشا، وكل من ذكرنا أياً كانت ألقابهم، وعلى رأسهم طبعاً الحاج مسعود، وإن كنت كثيراً ما أشعر الآن أن الذى يستحق منا الدعاء بالرحمة أو حتى الشفقة هى بالفعل … مزمازيل جاردن سيتى!

 

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٥ ، ٢٠١٣

الأكثر قراءة

قصر الزعفران بين الضرائر والسفراء!

من قصر الحصوة، الى قصر الزعفران ثم مقر لأحد اكبر جامعات مصر... نظرة الى تاريخ احد اقدم قصور القاهرة

أفراح الأنجال

عندما كانوا الجدود يريدون ابداء اعجابهم الشديد بإحتفال مبهر، او عرس فخم، كانوا يوصفوه بأنه "ولا أفراح الأنجال"! ولكن من هم هؤلاء الأنجال؟ ومتى أقيمت أفراحهم؟ ولما يضرب بها المثل؟ وايضاً..لماذا سمي شارع في حي المنيرة بـ"افراح الأنجال"؟

صيدناوية مصر
رواية الصعود والأفول

اخوان من روم كاثوليك مدينة صيدنايا السورية يأتيان الى مصر فى عصر الخديو اسماعيل، ويؤسسان امبراطرية تجارية بقى اسمها حتى يوم فى مختلف انحاء القطر المصرى.

عندما يلتقى اللون الأخضر بصحراء ابو صير

في أبوصير، خلق المهندس طارق لبيب مساحة فريدة للمعيشة والعمل. وفى المقال، نقوم بجولة حول هذه التحفة المعمارية الحديثة المستلهمة من التراث والطبيعة.

المجمع.. وأخواته

بعد حرق المجمع العلمى الذى لم يسمع عنه معظم المصريين من قبل، كان لزاماً علينا ان نلقى الضوء على تاريخه واهميته، وعلى بعض من المعاهد العلمية الأخرى المنسية فى مصر.