بدأ محمد على باشا حكمه لمصر بقرار شديد العنف والدموية، فقد دعا خصومه واعدائة لتناول القهوة معه فى القلعة ثم تخلص منهم جميهاً فى مذبحة كبرى، لا يزال المصريون يتذكرونها ويتندروت بها الى اليوم.

يمثل الصراع الرهيب بين محمد على و المماليك فى مقتبل عهده الطويل فصلاً مثيراً من  فصول تاريخنا المعاصر، استعان فيه محمد على بكل ما أوتى من دهاء وحنكة وقدرة على المناورة فى ساحة السياسة وعلى المهارة فى حلبة الحرب، حتى تأتى له القضاء عليهم فى آخر الأمر قضاءاً مبرماً بعد صراع طويل ضارى، بلغ ذروته فى مذبحة القلعة فى أول مارس سنة 1811 التى لا تزال ماثلة فى وجدان المصريين إلى يومنا هذا رغم ما مر عليها من زمن طويل، يتندرون بها ويضربون الأمثال حولها، أو يقصونها لأولادهم كلما مروا جوار مكانها.

وليست مذبحة القلعة بحادثة مجهولة نزعم الكشف عنها أو صفحة مطوية ندعى كشفها، وإنما حادثة مشهورة يزيدها شهرة ما اكتنفها من تفاصيل مثيرة وقصص غريبة، وكل ما نحاول فى هذا البحث هو كشف الأصول التاريخية للحادثة والظروف التى أدت إليها. ونعالج نقاط هامة حول مدى حتمية تصاعد الصراع وبلوغه هذا القدر الصارخ من الدموية والعنف. نسبر أغوار القصة ونضعها فى سياقها التاريخى.

*   *   *

 عندما تولى محمد على الحكم كان يدرك تماماً أنها خطوة لا أكثر على طريق الوصول إلى حلمه بمُلك مصر، كان محمد على يعلم علم اليقين أن توليه السلطة بموجب فرمان من السلطان ليس إلا خطوة على طريق الإمساك بمقاليد الحكم، وأن المماليك هم أولى الحل والعقد فى مجريات الأمور فى مصر. فالقوة عسكرية لهم وهم الذين ما يجمعون الأموال والجبايات من الأهالى التى تمكنهم من تعزيز سيطرتهم على الحكم.

 لم تكن تلك الصورة بجديدة وقت اعتلاء محمد على دست الحكم، ولا كان الصراع  بين الوالى و المماليك بجديد، فتاريخنا يحفل بالعديد من قصص الصراع بين الوالى المعين من قبل الباب العالى والمماليك المقيمين فى مصر. بيد أن تلك القصص كانت بطبيعتها قصيرة مختزلة؛ فالولاة كانوا يدركون أن مدة بقائهم فى مصر قصيرة وإن طالت بضع سنين، يأتى بعدها فرمان بالعزل أو النقل، وذلك طبعا إذا قدر لهم تجنب المؤامرات التى أحيناً ما كانت تنتهى بقتلهم تخلصاً منهم وجعلهم عبرة لمن يأتى بعدهم. كان طبيعياً أن تثَبّط هذه الظروف من عزم هؤلاء الولاة على القضاء على هؤلاء القوم الذين ينازعونهم السلطة والحكم، فانصرفوا إلى الاستمتاع بالحياة الرغدة فى مصر  وأضحى جل همهم الثراء الشخصى، ناهيك عن جمع الأموال والهدايا وإرسالها إلى رجال الباب العالى بغية إرضاءه واتقاء شر تقلباته، فيضمنون بقائهم ما أمكن هانئين بما طالت أيديهم من عز وثراء.

بقى نفرٌ قليلٌ من المماليك كانوا لا يزالون بالصعيد وقت المذبحة، فلما علموا بها أمتلكهم الرعب والهلع وأدركوا أنهم هالكين لا محالة

من هنا ينبع الاختلاف الجوهرى فى طبيعة الصراع بين المماليك من جهة وبين محمد على ومن سبقه من الولاة من جهة أخرى. لم يتجاوز هدف أولئك الولاة الإطار التكتيكى، أى زيادة رقعة السيطرة وانتزاع أكبر قدر ممكن من السلطة من يد الخصم خلال فترة حكمهم وذلك دون توسيع دائرة الصراع بشكل يؤدى إلى قلاقل من شأنها أن تزعج الآستانة وتدفعها إلى تغيير الوالى الذى يسبب قلاقل وعدم استقرار فى ممالك الإمبراطورية. أما محمد على فقد انتقل بالصراع إلى إطار استراتيجى بغيته القضاء الجذرى على تلك الفئة التى دأبت على مشاطرة الوالى السطوة والنفوذ إن لم تفقه، ليظفر منفرداً بحكم البلاد التى خطط لجعلها نواة لمملكته القادمة. ومن ثم فالرأى عندنا أن تصاعد الصراع بين محمد على والمماليك بأكثر ممن سبقوه من الولاة لا يعود إلى طبيعة شخوصهم أو رغبة هذا فى المسالمة وجنوح ذاك إلى العنف، بل هى مسألة سياسية محضة حكمتها الأهداف التى اتخذها كل لنفسه والغايات التى طفق يسعى إلى بلوغها.

عندما وصل إلى مصر  فرمان تولى محمد على باشا الكبير حكم مصر فى 9 يوليو 1805 خلفاً لخورشيد باشا، كان عدد المماليك فى مصر حوالى ألفين وخمسمائة رجل، نصفهم فى الوجه القبلى يقوده إبراهيم بك الكبير وعثمان بك البرديسى، والنصف الآخر يتمركز فى الوجه البحرى تحت إمرة محمد بك الألفى وبالمناسبة نقول أن عثمان بك البرديسى سمى بهذا الاسم لتوليه كشوفية برديس بالصعيد، أما محمد بك الألفى فقد أهداه مالكه لمراد بك الذى سر به سروراً عظيماً لقوته ووسامته وأعطى مهديه نظير ذلك ثمناً خيالياً قدره  ألف أردب من الغلال، فتندر الناس بذلك وعرف الرجل بأنه المملوك الألفى!

ولم يكن محمد على بغافل عن قوة الألفى وخطورته عليه من أول يوم استلم فيه حكم مصر، فلم يكن الرجال والمال هما كل مصادر قوة الألفى وأسباب خطورته، بل كان مكمنها الأساسى فى علاقاته الوثيقة بإنجلترا التى كانت تؤيد تسليمه السلطة فى مصر فيزداد نفوذها وتتفوق على منافستها الرئيسية فى الصراع الدولى وقتئذ وجارتها اللدود، فرنسا.

 وكالعادة فى المناورات السياسية عبر العصور التى شهد فيها العالم قطبين أساسيين، يلجأ طرف إلى قطب يؤيده فيتخذ منافسه من القطب الآخر معضداً ونصيراً. لذلك لجأ محمد على إلى فرنسا لتؤيده فى تلك المرحلة تحسباً لتدخل عسكرى بريطانى محتمل لنصرة الألفى بك، واستطاع أن يدخل فى روع الفرنسيين أن فى تولى الألفى بك الحكم انتصاراً للنفوذ البريطانى فى البلاد تقلصاً لمصالح فرنسا فيها، وتقرأ فى رسائل دروفتى قنصل فرنسا فى الإسكندرية إلى وزير خارجيته عبارات التخوف من هذا الاحتمال واقتراحاته لدرء ذلك الخطر.

من ناحيته هو الآخر، لم تنقطع دسائس الألفى بك غريم محمد على الأول آنذاك فى الآستانة بمساعدة من الإنجليز، حتى أوشك أن يستصدر من الباب العالى كتاباً يعترف للمماليك بالسلطة على مصر ويولى الألفى بك مقاليد الأمور. ويتحرك الفرنسيون فى الاتجاه المعاكس فيسرع منجان قنصل فرنسا فى القاهرة ليطلع الوالى على ما يجرى فى الآستانة الذى أخذ يزيد من رجاله ويعزز قوته.

وعلى طريقة الباب العالى فى تدويل الولايات والحرص على ألا يستمر نفس الوالى فى بلد واحد لمدة طويلة يقوى فيها ويتخذ من أهلها أنصاراً وعزوة، أوفد السلطان قائد الأسطول العثمانى الذى وصل إلى الإسكندرية فى 27 يونيو 1806 لعزل محمد على من ولاية مصر. بيد أن السلطان لم يشأ أن يعصف بمحمد على كلية، وربما كان معجباً بكفاءته وذكائه، بل أراد فقط أن يضعفه ويحكم قبضته عليه، وعلى هذا فقد حمل القبطان باشا معه مقعدى ولايتى سلانيك وكريت ليختار محمد على بينهما. وهما بالقطع أقل شأناً آنذاك من نصر الأكبر مساحة والأهم موقعاً والأكثر ثراءاً.

اغتبط الألفى بك بطبيعة الحال بهذا الخبر وسارع ينضم إلى القبطان باشا ويعاونه بالمال والرجال، على أن القوة التى صاحبت القبطان باشا لم تزد عن تسعمائة رجل، وهى بالكاد تكفى لفرض رأى أو تفعيل سلطة. ومن ثم فقد أدرك محمد على أن القبطان باشا لن يستطع الزحف إلى القاهرة قبل فيضان النيل القادم حتى يستجمع المزيد من الرجال والعتاد، وأخذ يستغل الوقت لتعزيز دفاعه من جهة وعقد معاهدات صلح من جهة أخرى.

وعلى طريقته فى التحرك بسرعة فائقة وحنكة بالغة، أرسل محمد على إلى مماليك الوجه القبلى يفاوضهم ويمنيهم بتسوية مجزية إذا ما رفضوا الانضمام إلى الألفى بك، كما نجح فى إقناع قبيلة أولاد على المشهورة بالخروج عليه. فى الوقت ذاته عمد محمد على إلى قاضى مصر وعلمائها وشيوخها فأقنعهم بإرسال عريضة إلى الباب العالى يطالبون فيها باستمراره فى الحكم بدلاً من إحلال المماليك محله.

لوحة للفنان هنرى ريجنال بها تصور لقفزة أمين بك المستحيلة

وبعد أن أتم محمد على استعداده سياسياً وعسكرياً بدأ يفصح عن نيته تجاه مهمة القبطان باشا، لكنه لم يشأ أن يجابه أمر السلطان برفض صريح يستفزه إلى رد فعل عنيف مدافعاً عن هيبته وسلطانه، بل عمد إلى الحنكة والدهاء اللذين كانا دوماً أساساً لتحركاته وسمة خططه. أرسل محمد على إلى القبطان باشا بأنه مع استعداده لطاعة أمر السلطان والنزول إلى مشيئته، إلا أنه لا يستطيع مغادرة مصر قبل أن يدفع رواتب الجنود المتأخرة وقدرها عشرين ألف كيس، وطبيعى أن القبطان لم يكن مستعداً لدفع هذا المبلغ وعدّ ذلك رفضاً من محمد على وابتزازاً للباب العالى وقرر أن يخضعه بالقوة الجبرية. ويستعين القبطان باشا بصديقه الألفى بك على غريمهما المشترك، فحاصر الألفى دمنهور وأخذ يطلق عليها المدافع لتسلم، بيد أن أهالى المدينة تحالفوا مع حاميتها الصغيرة ورفضوا الإذعان فأرسل القبطان باشا لهم رسله فأسرهم الأهالى، واستمر القتال حتى أدرك الألفى بك أن دخول المدينة بات مستحيلاً فأنسحب ورفع الحصار.

لم يكن محمد على بساكن فى ذلك الوقت ولا كان مكتفياً بالمقاومة المسلحة وهو يدرك تمام الإدراك خطورة أن يبلغ السلطان تحديه له ورفضه لأوامره، ومن ثم فقد أخذ يوفد رسله بالهدايا الثمينة إلى الباب العالى لإقناعه بإبقائه فى الحكم. فى الوقت نفسه كان القبطان باشا يعيد حساباته بعد هزيمة الألفى بك فى دمنهور وقد بدأ يدرك صعوبة المهمة التى جاء من أجلها والأضرار التى ستنجم عن هزيمته وإخفاقه فى إنفاذ أمر السلطان، وأقلها بطبيعة الحال سيكون فقده لوظيفته ونفوذه، أو حياته! 

وربما كان لمحمد على جواسيس فى دوائر القبطان باشا أخبروه بما يشعر به القائد العثمانى من ضغط وإحباط،  فأرسل ابنه إبراهيم إليه ليفاوضه. وتنجح مظاهر القوة التى أبداها محمد على و الأموال التى نفحها إلى القبطان باشا فى إقناع الأخير بالعودة دون خلعه من مصر. و يغادر القبطان باشا الإسكندرية فى 18 أكتوبر 1806 عائداً إلى الباب العالى ليؤكد للسلطان أن فى بقاء محمد على فى ولاية مصر مصلحة للسلطنة، وقد أرسل معه محمد على ابنه  إبراهيم باشا ليؤكد للسلطان ولائه التام.

تأمل كيف كان محمد على يدير الصراع مع الباب العالى ورجاله، فهو يخوض فى معارك محسوبة حساباً بالغ الدقة ويحافظ بينه وبينهم على شعرة معاوية حفاظاً شديداً، من ناحية يكشر عن أنيابه إذا ما أرادوا فصله أو معاملته معاملة موظف تابع يعين ويرفت بجرة قلم، ومن ناحية أخرى لا يصل بالصراع إلى استفزاز الباب العالى بإشعاره أن هيبته فى خطر، فيكرس قواه ويستجمع عنفوانه ليسحق والى مصر. وقد استمر محمد على محافظاً على تلك السياسة طوال حكمه الطويل.

*   *   *

ويهدى القدر والى مصر الجديد مكافأة ثمينة، فيموت البرديسى بك فى ديسمبر 1806 وهو فى الثامنة والأربعين من عمره ثم يلحق به الألفى بك إلى الدار الآخرة فى يناير 1807 عن خمسة وخمسين عاما! والمصادفة بالفعل غريبة حتى نجد فى بعض المراجع إيماءات إلى أن لمحمد على دخل فى هذا الأمر، بينما تؤكد مراجع أخرى أن البرديسى مات بالحمى الصفراوية وأن الألفى بالكوليرا وقيل مسموماً بيد نسائه!

على أى الأحوال، فقد قدر الألفى بك أن وفاته ستكون ضربة قاصمة للمماليك حتى يُروى أنه عندما أيقن دنو أجله قال “لقد قضى الأمر، وبات القطر المصرى من نصيب محمد على، لا ينازعه فيه منازع”، بينما تروى مراجع أخرى أن محمد على هو الذى علّق على وفاة الألفى بأنه بذلك قد أحكم قبضته على حكم مصر، حتى أنه منح الإعرابى الذى أبلغه الخبر خمسة أكياس!

ولم يكن محمد على بالرجل الذى يكتفى بهدايا القدر وترتيبات الصدف، ولكن دأبه السعى والتدبير. وعلى هذا فقد رأى محمد على أن الفرصة مواتية لضرب أعدائه ضربة خاطفة وهم يلملمون الصفوف بعد وفاة كبيريهم، فجَرَّد ثلاثة آلاف فارس وثلاثة آلاف رجل ملأ بهم ستة مراكب وأبحر فى 12 فبراير 1807 إلى الصعيد ليلاقى أعدائه فيه.

كان المماليك متمركزين فى المنيا فسار محمد على إلى بنى سويف وضرب خيامه بها، وأخذ يرسم خطة لمهاجمتهم. بداية أرسل رسله إليهم للتفاوض معهم وتداول شروط الصلح. وبينما انشغل المماليك فى المفاوضة وترتيب الشروط مطمئنين إلى أن فى ذلك تأجيل للقتال على أقل تقدير، أنفذ محمد على مالاً للعربان الموالين لهم. واختار والى مصر ليلة حالكة السواد ليتقدم بألفى فارس من رجاله يرشدهم هؤلاء العربان الذى أوكل إليهم المماليك حراسة معسكرهم وأنقض عليهم وهم نيام ففتك بهم واستولى على أسلحتهم، ثم تعقب فلولهم حتى حدود الصحراء وأقام معسكره فى أسيوط، بعد أن أوقع بالباقين منهم فى منْقَبَاد.

*   *   *

وربما كان الباشا يخطط وقتئذ لاستمرار القتال حتى يقضى على غرمائه بالكامل، ولو أن ذلك كان قد حدث لغدونا اليوم نتندر بمذبحة المنيا بدلاً من مذبحة القلعة ونتخذها دليلاً على دهاء الرجل ومكره. على أن حادثاً هاماً طرأ على البلاد جعله يعيد حساباته وخططه. ففى شهر أبريل من نفس العام تأتى حملة “فريزر” إلى مصر ويفطن الوالى إلى الخطر الداهم الذى يحيق بالبلاد وبه شخصياً، فيلجأ إلى السياسة بعد أن استنفذ أغراض الحرب.

عقد محمد على صلحاً جديداً مع المماليك بواسطة العلماء، فأجاب طلباتهم بشرط أن ينضموا إليه فى قتال الإنجليز، باعتبارهم أعداء الجميع. وعلى ذلك شهد النيل نزول الجيشين إلى مجراه، جيش الباشا محاذياً للضفة اليمنى وجيش المماليك – أو الأمراء المصرلية كما يسميهم  الشيخ الجبرتى- محاذياً للضفة اليسرى، وبالفعل كتب لهم النصر وخرج “فريزر” مدحوراً يلملم بقايا رجاله.

كانت البلاد تعانى من الكساد وقتئذ، وباتت الأسواق خاوية وطفح الكيل بالفلاحي من فرط ما يعانون، فأراد محمد على أن يجنب البلاد شرور حرب جديدة، ولعله أيضاً أراد فترة هدنة يدعم فيها صفوف جيشه ويعيد بناء قواته. على ذلك رأى أن يعرض الصلح على شاهين بك الألفى خليفة محمد بك الألفى، واستطاع أن يستميله فعلاً لقبول صلح نهائى، واتفقا على أن يقيم شاهين بك فى الجيزة ويكون له إيراد عشر نواحى فيها وثلاثين ناحية فى البهنسا (من أعمال بنى مزار بالمنيا) وإيراد الفيوم بأكمله وذلك كله دون ضريبة.

وقع الفريقان الاتفاق فى 29 نوفمبر 1807 وقدم شاهين بك لزيارة محمد على محملاً بالهدايا والخيرات، ويعدد شيخ المؤرخين المصريين الجبرتى تلك الهدايا أو أهمها: “ثلاثون حصاناً ومائة قنطار بُن قهوة ومائة قنطار سكر وأربع خصيان وعشرون جارية سوداء”!

استقبل الوالى حليفه الجديد استقبالاً كريماً ودعاه على الغذاء فى قصر ابنه طوسون باشا، واستمر الود والصفاء بينهما حتى أن زوجة محمد على اختارت إحدى جواريها وزَوَّجُوها لشاهين بك فى مايو 1808 علامة على حسن العلاقة مع الباشا. ويقول الجبرتى ” .. وفرش له سبعة مجالس بقصر الجيزة وجمعوا لذلك المنجدين”‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!

رأى المماليك شاهين بك يعيش فى سِعةٍ ورغد بعد أن وقع الصلح، ونظروا إلى زعيميهما إبراهيم بك الكبير وعثمان بك حسن اللذين خلفا البرديسى، فوجدوا السنين قد مضت بهما وهدمت معاول الشيخوخة عزيمتيهما. فأغرى ذلك المماليك على أن يسيروا على درب شاهين بك فينعموا بالراحة والمال والبعد عن حياة العنف والقتال، ولم يقاوم الرجلان ميل رجالهما، بل أن إبراهيم بك نفسه أرسل ابنه مرزوق بك إلى القاهرة للقاء الباشا وكسب وده. وهكذا اتفق الطرفان على الصلح، و منح محمد على البكوات إيراد بُلدان بعينها وأكرم وفادتهم أو كما يروى الشيخ الرجبى ” أنعم عليهم الإنعام الزائد، وأعطاهم العطايا الجزيلة، وكانت لهم حرمة ومكانة، وصار لهم عنده منزلة عظيمة”.

لكن الباشا، كان يمنح ويمنع، يتودد ويعادى بحساب سياسى بالغ الدقة، لا محل للعواطف فيه ولا شأن للصداقة به. وعلى هذا لم يعفهم من الضرائب كما فعل مع شاهين بك، وقد أدرك أن موازين القوة تميل لصالحه، بل ألزمهم بتقديم كمية محددة من الغلال إلى الميرى.

 وبذلك رَوَّض محمد على البقية الباقية فيهم من تمرد وتحفز بالمال والعطايا بعد أن أفقدهم أغلبه بالسيف والنار.

*   *   *

والحقيقة أن ذلك المزيج من الوسائل كان سمة أساسية فيما اتخذ محمد على من سبل فى صراعه مع المماليك فى تلك الحقبة، فرغم أهمية القوة العسكرية للباشا واعتماده عليها فى تأكيد سطوته وفرض سيطرته عليهم، إلا أنها لم تكن السبيل الوحيد الذى طرقه، بل تميز ذلك الصراع بمزيج عجيب من استخدام السلاح السافر والحيلة السياسية وإغراء المال، حتى أننا فى مأمن من الغلو إذا قررنا أن الوسائل التى اتخذها محمد على أسلحة فى صراعه مع المماليك تعد مرآة دقيقة لمفاتيح شخصية الرجل ومحاور اهتماماته. القوة والحيلة والمال!

 ولعل فيما حدث فى مايو 1808 دليلاً مبيناً على ما نقول، فى ذلك الشهر توفى شاهين بك المرادى أحد زعماء المماليك وهو غير شاهين بك الألفى. وكان العرف مستقراً طوال الحكم العثمانى على أن خلافة المماليك لبعضهم هو أمر يختصون هم به دون تدخل من الوالى فيه. غير أن محمد على رأى فى استكانة المماليك ووهنهم فرصة لتسديد ضربة سياسية جديدة إلى غرمائه تميزت بما جُبِل عليه الرجل من ذكاء وحيلة، فعيّن سليم بك المجرمجى رئيساً للمماليك المرادية وفى ذات الوقت عيّن مرزوق بك ابن إبراهيم بك الكبير خصمه التقليدى حاكماً لجرجا ليشترى سكونه.

رمى الوالى من هذه المناورة البارعة من ناحية إلى إعلام  المماليك بأن مركزهم لا يعدو مركز موظفين تابعين لسلطانه، له أن يولى منهم من يشاء أو يعزله وأن ما كانوا يتمتعون به من استقلالية عن سلطة الوالى قد انصرم وانقضى عهده. ومن ناحية أخرى فقد رمى إلى دق إسفين شقاق جديد بينهم وتعميق خلافاتهم على النفوذ والسلطة، فلم يكن غائباً عنه أن بين المماليك صراعات عميقة يخفيها عن السطح اتحادهم لمواجهته. وقد فهم المماليك الرسالة وانزعجوا من جراء هذا التدخل السافر الذى لم يعتادوه طوال قرون الحكم العثمانى، لكنهم رضخوا فى آخر الأمر، وظفر الباشا برقعة جديدة من النفوذ والسلطان على حساب أعدائه.         

*   *   *

استمر الصلح فترة، بيد أن الطمع تمكن من البكوات بعد أن وضعوا أيديهم على الأملاك التى اتفقوا عليها مع الباشا وتلكئوا فى توريد الغلال، ويسارع محمد على بالرد العنيف مستغلاً أنه قد بات الطرف الأقوى، وهو يعى تماماً أن القوة العسكرية لا تزال مفتاح تفوقه على أولئك القوم، فيخرج إليهم على رأس جيش قوامه ستة آلاف مقاتل.

عندئذ أدرك المماليك أن الهزيمة حتمية إذا دارت رحى الحرب، فتوسط شاهين بك عند الوالى واتفقا فى مارس 1809 على أن يدفعوا ثلث ما عليهم إثباتاً لحسن النية. بيد أن الشهور مضت وهم يماطلون،  فجرد عليهم جيشاً لا قبل لهم به وسار فى سبتمبر 1809 للقائهم فى الصعيد. وما أن وصل محمد على إلى أسيوط حتى عادوا لطلب الصلح، وبالفعل وقعوا اتفاقاً جديداً فى أسيوط فى نوفمبر 1809 على نفس شروط الاتفاق السابق. غير أن داهية كمحمد على لم يكن ليدع فرصة كهذه تفلت دون أن يقتنص منها فوزاً جديداً، فألزم المماليك بالقدوم إلى القاهرة للسكنى تحت إمرته بعد أن كانت الشروط السابقة تمنحهم حق حكم الصعيد!

نلاحظ مما سبق أن سياسة المماليك بعد كل مواجهة مع الوالى كانت تقوم على إبرام اتفاق ثم المماطلة فيه، فإذا ما كشر الباشا عن أنياب القوة واستل سيفه، أذعنوا وسعوا لعقد اتفاق جديد، ولم تكن تلك الجولة باستثناء. ففى البداية طلب المماليك من الباشا مهلة ثلاثة أشهر لتنفيذ اتفاق أسيوط والقدوم إلى القاهرة ثم عادوا لطلب شهر آخر فأجابهم لذلك، لكنه استشعر نيتهم فى نقض العهد، فهددهم بحملة جديدة فأسقط فى يدهم وأدركوا أن وقت المماطلة قد انقضى واضطروا إلى القدوم إلى القاهرة صاغرين.

وما أن حل يوم 16 مايو 1810 حتى كان إبراهيم بك الكبير قد ضرب خيامه على البر الغربى بالجيزة. وقد توقع إبراهيم بك أن يلقى من محمد على استقبالاً كريماً يليق بمكانته، ولابد أن ترحيب الوالى بشاهين بك فى أواخر سنة     1807 وما نفحه من عطايا وجوارى كان ماثلاً فى الأذهان. على أن محمد على كان يتصرف تبعاً لميزان القوة بينه وبين أعدائه،  ويحكمه فى الأساس استعداده لخوض جولة جديدة فى الصراع معهم، فيكون الإكرام والحفاوة وسيلة لتأجيل الصدام والإعراض والجفاء طريقة للتعجيل به.

وإذ قدر محمد على أن جولة جديدة من المواجهة فى هذا التوقيت تكون فى صالحه، فقد تجاهل قدوم إبراهيم بك إلى القاهرة و لم يدعه أو يلقاه ولم تضرب المدافع تحية لمجيئه، فعز ذلك عليه وعدها إهانة، أو لعله أدرك ما ينتظره من هوان وقد بات تحت إمرة الوالى، فقفل عائداً إلى الصعيد ناقضاً الاتفاق. وقد استطاع إبراهيم بك قبل عودته أن يقنع شاهين بك بالانضمام  إليه فخرجوا جميعا من القاهرة، حتى أن شاهين بك أحرق ما لم يستطع نقله من أثاث قصره إشارة إلى أن عودته إلى الصعيد أمست نهائية!

*   *   *

جاءت الحرب ثمناً لكبرياء المماليك وزهوهم، ودارت فى سجالٍ وندية. فى بادئ الأمر هزم المماليك جنود محمد على الألبان فى موقعتين، فهب الرجل إلى الحرب بنفسه وقد أدرك خطورة انقلاب ميزان القوة على مستقبله، فلم يكن ليغيب عنه أن قدرته على إخضاعهم أو حتى إبرام صلح معهم، مرهون بقوته العسكرية وتمكنه من منهم متى دارت آلة الحرب. وبالفعل تمكن محمد على من ضربهم ضربة حاسمة عند جسر اللاهون بالفيوم.

 وفى 14 أغسطس 1810 دار المنادون فى أنحاء البلاد ببلاغ من الوالى يعلم فيه أهل مصر بأن سطوة المماليك قد انقضت وزالت وأن السلطة أضحت بيده مطلقة دون شريك. ويرى الأستاذ إلياس الأيوبى أن محمد على كان يظن أن تلك الضربة هى القاضية بالفعل، وأنه كلّف المنادين بإبلاغ الناس ما اعتقده حقيقة لا مراء فيها. على أننا نرى أن ‌ الوالى كان خبيراً بقدرة المماليك وخصالهم، ولم يكن يداخله شك فى أنه ما أن تمضى فترة ينظمون فيها صفوفهم ويستجمعون رجالهم حتى يبادرون بالالتفاف عليه ومشاكسته.

وعلى هذا فالرأى عندنا أن  بلاغ أغسطس 1810 لا يعدو مناورة سياسية أراد الباشا منها انتزاعاً لأرض جديدة فى رقعة الصراع بين الطرفين، إتباعاً للسياسة التى اعتاد عليها محمد على بعد كل جولة يفوز بها. وكعهده هو أيضاً بعد كل هزيمة يمنى بها، عاد شاهين بك يطلب الصلح، فوافق الباشا فى أكتوبر 1810 و أعطاه مالاً وقصراً بالأزبكية، فرجع مع رجاله للإقامة فى القاهرة تحت حكم الوالى وإمرته. أما إبراهيم بك وسليم بك المجرمجى وعثمان بك حسن فقد ولوا الأدبار مع من بقى من أعوانهم إلى أسوان بعد هزيمة منكرة فلّت عزمهم وأذلّت كبريائهم.

مرة أخرى تلحظ أن محمد على دائماً ما يتحرك على ثلاثة محاور متوازية، القوة والحيلة والمال، يقهر بالسلاح ويأخذ بالحيلة ثم يهادن بالمال!

*   *   *

أين كان السلطان من كل هذا، ومصر فى نهاية الأمر جزءاً هاماً من الإمبراطورية وواحدة من أهم ولاياتها؟ الحقيقة أن الباب العالى لم يكن بغافل عن هذا الصراع الرهيب الدائر منذ اعتلاء محمد على أريكة الحكم، بل كان يرقبه بحذر وترقب شديدين تحدوه عدة عوامل متلاطمة وأبعاد متقاطعة. فمن ناحية كان ولاء محمد على أمراً لا يؤتمن وقد رأى السلطان رفضه الإذعان لأمر نقله بعد عام واحد من ولايته على مصر، فما بالك وقد مرت بعدها سنوات زادت فيها قوته وتثبت نفوذه فى البلاد. ومن ناحية أخرى كان فى تمرد المماليك واتصال بعضهم بالإنجليز داعياً لتأييد محمد على فى مواجهته لهم، رغم دس الوشاة من رجالهم فى الآستانة بدعوى أنه يعصى أوامر السلطان. ومن ناحية ثالثة كانت قوة محمد على العسكرية المتنامية قد بدأت فى الظهور، رغم أنه لم يكن قد أنشأ جيشاً مصرياً بعد.

ولابد أن رجال السلطان قد حللوا كل هذه الأبعاد وأدركوا أن خلع محمد على من مصر سيسلمها إلى مماليك مشكوك فى ولائهم للباب العالى، على اتصال وثيق ببريطانيا، وهو فوق ذلك أمر عسير يستلزم قوة عسكرية كبيرة، فى وقت كانت الآستانة فيه تئن مما عليها من ضغوط فى أوروبا وتفضل تجنب فتح جبهة جديدة فى واحدة من أهم ولاياتها. من جهة أخرى، كان فى تزايد قوة محمد على وكسبه لجولة تلو الأخرى فى صراعه الدائر مع المماليك، فضلاً عن طول بقائه فى ولاية مصر أمور تزعج الباب العالى وتزيد خشيته من تمرد ذلك الوالى صعب المراس.

على هذا رسم الباب العالى خطة بارعة ترمى إلى أكثر من هدف، فقد طلب السلطان من محمد على تجريد حملة إلى الحجاز لتأديب الوهابيين وإخضاعهم للسلطنة. هدف السلطان من ذلك إلى عدة أهداف كما ذكرنا، كان أولها توريط محمد على فى حرب تنال من قواته وتفت عضده. ثانياً كان فى قيامه هو بإخضاع الوهابيين توفير لقوات السلطنة الواهنة والأهم، تكريس لتبعية محمد على المطلقة للباب العالى التى ستتجسد فى قيامه إلى الحرب بأمر من السلطان. وثالثاً الخلاص من الوهابيين وما يسببونه من قلاقل فى بقعة هامة من أراضى السلطنة، صحيح أنها كانت لا تزال أرضاً مقفرة لا خير فيها ولا رجاء منها، بيد أنها تضم أطهر أراضى المسلمين وأعز رموز الدين الحنيف. وفى إزعاج هؤلاء للحجاج إشعار لهم بأن نفوذ السلطان قد انكمش وتقلص.

من ناحيته لم يكن محمد على بغافل عن كل ذلك ولا مستكين لمجريات الأمور، بل أن تتبع المراسلات التى بعث بها محمد على إلى الصدر الأعظم فى تلك المرحلة، يثبت أنه قد رأى فى لجوء السلطان إليه فرصة ذهبية للمناورة وتحقيق المزيد من المكاسب السياسية. تارة تجده يطلب من الباب العالى طلبات عدة كان يشفعها دائماً بذكر الحملة المطلوبة حتى يضمن إجابة السلطان لها، كطلب المال والتصريح له بزيادة الجيش وبناء المراكب الحربية، وتارة أخرى يستغل طلب السلطان فى حمله على الموافقة على قتال المماليك، ففى سنة 1810 ـ قبل ثلاثة أشهر من موقعة اللاهون ـ يرسل  محمد على إلى الصدارة العظمى أنه  “صمم على استئصال الأمراء المصريين لعدم انقيادهم لأوامره على الاتفاق الذى حصل بينه وبينهم وحصول عوائق منهم فى أمر إنجاز الحملة الوهابية التى أعدّت لترسل للأقطار الحجازية وأنه حصلت وشاية فى هذا الأمر من بعض الذوات عند وقوعه فلا يصغى لأقاويلهم”.

 وفور انتصاره فى اللاهون يعزز رضا الباب العالى على فعلته أو على الأقل سكوته عنها فيرسل “انه مع الالتفات الكلى إلى الأمراء المصرليين الفراعنة قد حصل منهم عصيان بالقول منهم إننا لا نقبل أن نكون تحت أحكام العثمانية ولذلك صار سوق تجريدة عليهم وحصلت محاربة وأسر منهم عدة ذوات وجملة أشخاص من أتباعهم والبقية التجئوا إلى إقليم الصعيد ومع حصول ما حصل من الحركات لا يتأخر عن مأمورية تشهيل سفرية الحجاز”. وتلاحظ بالطبع أنه دائماً ما يقرن عصيان المماليك عليه بذكر عصيانهم على السلطان حتى يؤلبه عليهم.

وبعد شهر آخر يضغط الباشا على الباب العالى بطلب جديد ويلوح بالتهديد بتأخير الحملة  “يلتمس (محمد على) الإفراج عن يوسف باشا كنج المسجون وتعيينه والياً على ولاية الشام وعزل سليمان باشا عن ولاية صيدا لأنه له ميل ومسيس للأمراء المصرلية وحاصل ذلك تأثير فى تعطيل سفرية الحجاز”.

*   *   *

على أن الخطاب الذى يستدعى الدراسة المدققة فى هذا المقام هو الذى أرسله ‌الوالى فى أوائل ذى الحجة من عام 1225 هـ ، بعد أربعة أشهر من موقعة اللاهون وقبل المذبحة بشهرين  “بخصوص ما هو حاصل من التعدى من الأمراء المصرلية وعصيانهم ضده وضد الدولة العلية وتعطيل إنجاز وسائل سفرية الأقطار الحجازية”، ورغم أن الخطاب لا يختلف فى فحواه وأسلوبه عما قبله من المراسلات التى أوردناها سواء فى الجأر بالشكوى من المماليك أو التذرع بعصيانهم للدولة، إلا أن العجيب فى هذا الخطاب هو توقتيه! فلماذا يشكو محمد على من المماليك ولم تمض أشهر قليلة على هزيمته لهم هزيمة ثقيلة دعته – حتى ولو من قبيل المناورة- إلى الإعلان رسمياً فى أنحاء البلاد عن زوال سطوتهم وفناء دولتهم؟‍!

يأتى الجواب على هذا السؤال فى خطاب خطير أرسله شاهين بك الألفى إلى قائد الأسطول البريطانى فى البحر المتوسط فى أغسطس 1809 يقول فيه “إنه من الطبيعى أن يسعى كل امرئ لاسترداد أملاك انتزعت منه وسعادتكم لا تجهلون أن المماليك كانوا يحكمون مصر منذ زمن طويل وبناء عليه فإنى بوصفى الوارث الشرعى للمماليك أعتقد أن لى الحق فى أن أصبو إلى حكم هذه البلاد ولكن بما أنى لا أستطيع أن أنتزع الحكم فى الوقت الحاضر من يد القابض عليه الآن ـ وحتى إذا استطعت ذلك فلا يمكننى المحافظة عليه ـ من دون حماية بريطانيا العظمى فإنى أطلب حمايتها ومساعدتها بالشروط التى تريد هذه الحكومة ـ أى الحكومة البريطانية ـ أن تمليها علىّ. والشعب فى صفى. وجميع زعمائه يتمنون أن يروا السعادة فى اليوم الذى يعودون فيه إلى الحكم القديم …” ويضيف فى موضع آخر ” وإنى لا أستطيع أن أنفذ المشروع الذى اتفقتم عليه مع المسيو بتروتشى وكيلكم إلا عند ما أتمكن من دفع نحو خمسة عشر ألف كيس للجنود الألبانيين والترك والمماليك من أنصار البرديسى. وليس هذا المبلغ كبيراً على بريطانيا العظمى إذا قدمته لى وإنى لا أطلبه إلا على سبيل الاقتراض مؤكداً استطاعتى تسديده من منتجات مصر وأؤكد كذلك أننى مستعد لأن أخضع خضوعاً تاماً بكل قواى لمشيئة الحكومة البريطانية حتى لو كلفنى هذا السعى حياتى … ” ويكمل “.. وإذا أرادت بريطانيا العظمى أن تظهر مرة أخرى (يقصد بعد حملة فريزر) فى هذه الجهة بأسطولها وجنودها ففى استطاعة سعادتكم أن تؤكدوا لها أنه بفعل المبلغ الذى أطلبه مؤقتاً أَعِد من الآن بأن أخف لمساعدتها مع جميع رجالى وعرب القبائل فنجتمع تحت إمرة القائد البريطانى ونبذل دمنا عن طيب خاطر فى سبيل مجد الأمة البريطانية(!)”.

هكذا قايض الرجل بحرية بلاده وباعها رخيصة الإنجليز، لم يستنكف أن يركب على كرسى الحكم من قبل المحتل ولا تردد فى الوعد بتسليمه البلاد خالصة له، بل خضوع ومقايضة تبلغ حد الخيانة العظمى!

وقع هذا الخطاب بعد هزيمة اللاهون فى يد دروفتى قنصل فرنسا فى مصر فسارع بعرضه على صديقه محمد على. وسواء جاء إبلاغ دروفتى لمحمد على بوازع من الصداقة أو بغية دق إسفين فى العلاقة بينه وبين الإنجليز، فالمهم هو أن الوالى أدرك أن صراعه مع المماليك سيخرج حتماً عن إطاره المعتاد الذى كان يجرى حتى ذلك الوقت على المحاور الثلاثة التى ذكرناها والتى كان محمد على حريصاً على التفوق فيها؛ القتال والمناورة والعطايا. أدرك الباشا أن بعداً جديداً بالغ الخطورة عليه قد بدأ يفرض نفسه على الصراع الدائر، يتمثل فى اتجاه أعدائه للاستعانة بقوة خارجية قادرة على الإطاحة به وتثبيتهم على أريكة الحكم، فى وقت لم يعد ضعف الدولة العثمانية المتنامى سراً ولا كان تفوق إنجلترا الحربى بخافٍ على أحد. ورغم شك الباشا قبل ذلك فى وجود اتصالات تآمرية بين المماليك والإنجليز، إلا أن  هذا الخطاب بَلْوَرَ له بما لا يدع مجالاً للشك الخطر الذى باتت تلك الفئة تشكله على حكمه.

*   *   *

تلك كانت اللحظة فيما نرى التى عقد فيها محمد على العزم على القضاء على المماليك نهائياً وقد سدر بعدها يعد المسرح لتلك الضربة القاصمة، ولم يكن خطاب ذى الحجة الذى أوردناه فيما سلف سوى خطوة تكتيكية فى هذا الإعداد، أراد بها تحضير الآستانة لتقبل خطته الرهيبة.

فى نفس الوقت كان الباب العالى قد بدأ يفطن إلى أسلوب محمد على فى المناورة والضغط بورقة الحملة الوهابية، فشدد بدوره الضغط عليه لإنفاذ الحملة بسرعة. ويبادر محمد على إلى تهدئة الباب العالى حتى يكمل استعداده فتراه يرسل إلى نجيب بك وكيله فى الآستانة رسالة فى غرة المحرم من 1226 هـ، أى قبل شهر من المذبحة “يتضرر بها من الأقاويل الموجهة إليه من أولى الشأن هناك بالقول منهم بأن محمد على يحتج بالأمراء المصرلية وبجملة اعتذارات واهية ولا يؤمل منه تأدية خدمات عالية للدولة ومتضرر بها جداً ويطلب تبليغ ذلك للأولياء الأمور”.

بيد أن محمد على كان يعى أن تلك الرسالة لن تغير الوضع وإن خففت الضغوط قليلاً لمدة وجيزة، وأن صبر الآستانة عليه أوشك على النفاذ، ومن ثم فلا مندوحة من قيام الحملة. ومن ناحية أخرى كان يستحيل منطقياً أن يقوم حاكم بذكاء محمد على وحنكته بإرسال قوته العسكرية الضاربة إلى خارج البلاد، ويقبع هو تحت رحمة أعدائه فى الداخل.

 ومن ثم نرى أن محمد على فى ذلك الوقت وقبل سفرته المشهورة إلى السويس وقتها، كان قد بيّت النية على ضرب المماليك ضربة لا يقوم لهم بعدها مقام، وأنه كان يسعى بهذا الخطاب إلى كسب الوقت حتى ينفذ ما انتوى.

وعلى هذا يمكن القول بأن تأكد محمد على من تآمر المماليك عليه مع قوة عظمى لا قبل له بها كبريطانيا، دفعه إلى التصميم على خلع جذورهم نهائياً، و عندئذ صعَّد الصراع إلى مرحلة الحسم التى يقضى فيها طرف على الآخر قضاءاً باتاً، ويعد ذلك السبب الأساسى فيما نرى فى تدبير المذبحة. أما توقيتها، فيرجع أساساً إلى رغبته فى تأمين الجبهة الداخلية قبل حملة الوهابيين، التى تصاعدت ضغوط الباب العالى عليه لإنفاذها دون تأخير.

ولا يُعرَف متى وضع محمد على الخطة التفصيلية للمذبحة على نحو ما جرت، على أن عدم تسرب الخطة لأعدائه فى عصر اصطبغ بالوشايات والتجسس يعد مؤشراً على قصر الفترة الزمنية ما بين التخطيط والتنفيذ وعلى قلة عدد العالمين بها والمشتركين فى رسم خطتها التنفيذية.

*   *   *

 وتتلاحق الأحداث بعد ذلك، فيذهب محمد على إلى السويس قبل المذبحة بنحو شهر للإشراف على تعبئة المراكب المتجه إلى الحجاز، وبينما تتفق معظم المراجع على أن عودته إلى القاهرة جاءت مفاجئة وأنه قام فى جنح الليل ينهب الأرض نهباً حتى قطع المسافة فى ثمانى عشر ساعة، يختلف الرواة فى أسباب تلك العودة الغريبة. سير مرى يقول أنه تسلم رسالة من محمد بك لاظ أخبره فيها أن المماليك يُبَيِّتون النية لقتله فى طريق عودته، بينما يرى كريم ثابت أن عودته كانت بعد أن علم بضبط خطابات موجهة من المماليك إلى والى الشام تتآمر عليه. أما الجبرتى فيروى واقعة العودة المفاجئة دون أن يقدم لها أسباب!

وكل هذه الأقوال تحتمل الصواب، على أن ما نختلف فيه بشدة مع قائليها هو أنهم أوردوها بشكل يصور أن مذبحة القلعة كانت بمثابة رد فعل لحظى لاكتشاف ‌الحاكم مؤامرة على حياته، بغية التهوين من فظاعة المذبحة. أى أنه عندما علم بخطة المماليك لقتله قرر أن يبادر بالقضاء عليهم. وخطتهم تلك أشبه بالخطة التى قد يتبعها محامى لتصوير موكله القاتل على أنه كان فى حالة دفاع شرعى عن النفس بدلاً من القتل مع سبق الإصرار!

أما الرأى عندنا فهو أن محمد على ذهب إلى السويس ليضع اللمسات الأخيرة للحملة بعد أن خطط موقفه تجاه المماليك وخطته لاتقاء شرهم بعد أن يرسل بجيشه إلى بلاد الحجاز وفق ما أسلفنا. فلم يكن منطقياً أن يرسل محمد على جيشه فى عرض البحر ويبقى هو تحت رحمة قوم بينه وبينهم سنين من الحرب والضغينة ونقض العهد. وبهذا يكون التفسير الأوقع لعودته سراً وفى عجالة، علمه بوجود مؤامرة لقتله فى طريق العودة.

ويولد هلال شهر صفر من سنة 1226 هـ وقد أصبح مسرح السياسة المصرية معداً ليشهد صداماً بالغ العنف بين القوتين المتصارعتين، يحسم فيه طرف منهما الصراع لصالحه بشكل نهائى يصير بعدها القوة المحلية الوحيدة فى مصر التى تنفرد بالسيطرة المطلقة على مقدرات البلاد، إذا ما نَحّينا جانباً القوى الأجنبية لوهلة.

فور عودته من السويس، أعلن محمد على عن احتفال لتقليد ابنه أحمد طوسون باشا خلعة قيادة الحملة المسافرة إلى الحجاز لإخضاع الوهابيين. ووفقاً للتقاليد السائدة، استطلع الوالى رأى المنجمين فاختاروا الساعة الرابعة عصر يوم الجمعة. ونترك الشيخ الجبرتى ليروى لنا كيف تمت الدعوى “فلما كان يوم الخميس رابعه طاف آلاى جاويش (مناد عسكرى يعلن عن المواكب الرسمية قبل مسيرتها) بالأسواق على صورة الهيئة القديمة فى المناداة على المواكب العظيمة وهو لابس الضلمة (لباس مفتوح من الأمام يشبه الجبة بكمين واسعين، نصفها الأعلى ضيق والأسفل واسع، وكانت تصنع من الجوخ) والطبق على رأسه وركب حمار عالى وأمامه مقدم بعكاز وحوله قابجية (جمع قَابجى وهم حراس أبواب الدواوين الحكومية) ينادون بقولهم “يارِن ألاى” ( يارِن بالتركية معناها الغد والمراد غداً موكب، وتجدر الملاحظة إلى مدى معرفة عامة الشعب آنذاك بالمفردات التركية)  ويكررون ذلك فى أخطاط المدينة وطافوا بأوراق التنابيه على كبار العسكر والبينبات (الضباط) والأمراء المصرية الألفية (المماليك) وغيرهم يطلبونهم للحضور فى باكر النهار إلى القلعة ليركب الجميع بتجملاتهم وزينتهم أمام الموكب”.

*   *   *

هكذا استدرج محمد على أعدائه إلى الشرك الرهيب الذى نصبه للخلاص منهم دفعة واحدة. ولم يطلع أحداً على خطته الجهنمية غير أربعة رجال هم حسن باشا قائد الجنود الألبان وصالح قوج أحد الضباط ومحمد بك لاظ أوغلى (صاحب التمثال الشهير فى وسط القاهرة، والكَتْخُدَا هو الموظف المسئول أو المعتمد) وإبراهيم أغا حارس الباب. ولاشك فى أن قلة عدد العالمين بالخطة بالإضافة إلى القِصر المرجح فى الوقت بين رسم الخطة والتنفيذ كما أسلفنا، كانا عاملين أساسيين فى عدم تسرب الخطة ومن ثم نجاحها.

وفى صباح يوم الجمعة أول مارس سنة 1811، الموافق 5 صفر سنة 1226هـ حضر إلى القلعة أربعمائة وسبعون رجلاً هم جملة المماليك الذين كانوا فى القاهرة فى ذلك الوقت، مرتدين أبهى أزيائهم متدثرين بأردية الفراء الثقيل ومتقلدين السيوف الذهبية اللامعة فانتظموا فى ساحة القلعة كلٌ على صهوة أكرم جياده. وقد اصطف الناس على جانبى الطريق لمشاهدة موكبهم المبهر.

أذن الوالى لضيوفه فدخلوا عليه فى الردهة الكبرى من القلعة فاستقبلهم بكل حفاوة وترحاب وقدمت إليهم القهوة  تبعاً للعادات السائدة. ولبث الباشا يلاطف ضيوفه ويجاذبهم أطراف الحديث الودود فسحة من الوقت. ولنا أن نتصور كيف استطاع محمد على أن يسيطر على شعوره وهو يعلم ما أعد لهؤلاء القوم بعد أقل من ساعة! وأخيراً نهض الوالى إيذاناً بانقضاء المراسم، فنهضوا لقيامه وسلَّموا عليه مستأذنين فى الانصراف.

أمتطى الضيوف خيولهم المطهمة لينزلوا إلى المدينة مشاركين فى موكب الاحتفال الضخم، وكان المخطط خروجهم فى هذا الموكب الفخم وسيرهم فى شوارع المدينة بين الجماهير المصطفة لرؤيتهم حتى يبلغوا المعسكر المعد لسفر الحملة. وللنزول من ساحة القلعة إلى ميدان الرميلة (ميدان صلاح الدين الآن) كان يتحتم على المرء أن يدلف ممراً منحدراً متعرجاً بالغ الضيق، منحوت فى أصل صخرة ويحدوه من الجانبين بيوت وحصون، يسمى مضيق النقر ينتهى من ناحية ميدان الرميلة بباب ضخم اسمه باب العَزَب (لا يزال الباب موجوداً إلى يومنا هذا). وكان الممر من الضيق والتعرج بمكان بحيث يتعذر مرور جوادين متجاورين به.

 كان هذا هو مكان الحدث، أو مسرح الجريمة بلغة أهل القانون. وقد اختلف المؤرخون فى ترتيب الموكب الذى سار إلى مضيق النقر، فبينما يجمعون على أن الفرسان الدلاة (طائفة من الخيالة أنشئت فى القرن الخامس عشر لتعمل فى مقدمة الجيوش العثمانية) كانوا فى مقدمة الموكب، يختلفون فى الباقى. فالجبرتى والرافعى يرويان أن الجنود الأرناؤد (الألبان) الذين نفذوا القتل كانوا خلف المماليك، وهو ما لا يمكن أن يكون دقيقاً؛ وإلا استحال عليهم إغلاق باب العزب الموجود فى آخر المضيق دون أن يشعر المماليك.

بينما يذكر تشارلز مرى أنهم كانوا أمامهم بقيادة صالح قوج، وهو واحد من الأربعة الذين ائتمنهم الباشا على سره، وهو ما لا يمكن قبوله كذلك، إذ أن ضيق الممر بالصورة التى وصفها الرواة يؤكد استحالة تسلق الألبان الجدران أمام أعين المماليك خلسة دون أن يشعر ضحاياهم بذلك، كما يتعذر عليهم الاستدارة تجاه المماليك لبدء الضرب بعد إغلاق الباب.

ولذا تنتهى بنا محاولة تصور الحادثة إلى أن الألبان انقسموا إلى قسمين، الأول، والأغلب أن عددهم كان قليلاً بقيادة صالح قوج كان أمام المماليك، وكانت مهمتهم الخروج من  باب العزب وإغلاقه خلفهم فى الوقت المناسب، أما القسم الثانى الذى ضم أغلبهم فكان خلف المماليك لتنفيذ العملية، وهاك ما حدث.

*   *   *

 ما أن خرجت مقدمة الموكب من الفرسان الدلاة من باب العزب إلى ميدان الرميلة حتى أغلق الباب من خارج الممر، فكانت تلك إشارة البدء للجنود الألبان. ويروى بعض المؤرخين أن الألبان انسلوا من خلف المماليك فى تلك اللحظة وتسلقوا جانبى المضيق فى خفة وسرعة ثم بدأ إطلاق النار، بيد أن ذلك لو حدث للفت نظر المماليك وأشعرهم بالأمر، والأقرب إلى المنطق أن الجنود المكلفين كانوا مرابطين أعلى المضيق وما أن اكتمل تقاطر خيول المماليك بداخله حتى بدأت المعمعة.

دوت طلقة رصاص، وقيل مدفع، من إحدى الثكنات المشرفة عليه. وكأن أبواب الجحيم قد فتحت على مصراعيها ليهطل منها الرصاص أمطاراً على رؤوس المماليك المنكوبين يحصدهم حصداً، وصار الموت يأتيهم من كل حدب وصوب فلا يجدون منه مفراً.

 ويروى إلياس الأيوبى “وما هى إلا لحظات وتكدست فى الممر الضيق جثث الرجال والخيل، بعضها فوق بعض وجعلت الحركة متعذرة أكثر مما كانت (نظراً للضيق البالغ للمر). أما المماليك الذين وصلوا إلى باب العزب، ورأوه مقفلاً، فإنهم لووا أعنة جيادهم، وقصدوا الرجوع. ولكن حركتهم هذه زادت من الذعر ذعراً والخبل خبلاً. وأما المماليك الذين كانوا على رأس المنحدر (أى أعلاه)، فما دوى حولهم الرصاص إلا ولووا، هم أيضاً، أعنة جيادهم، وقصدوا البلوغ إلى داخل القلعة. ولكن فيلق البياده (أى الجنود المشاة) المنتشر على الأسوار أصلاهم ناراً حامية، أردتهم بالعشرات، فكبر الهول واشتد البلاء. ورأى المماليك التعساء أن لا فائدة من جيادهم، فترجلوا. وتعروا بسرعة من ملابسهم الثمينة الفاخرة، التى لم يكن من شأنها إلا أن تعيق حركات أيديهم وأرجلهم فى ذلك الموقف الرهيب؛ وأقبلوا يجرون، وسيوفهم فى يد، وطبنجاتهم فى الأخرى (الأيوبى ينفرد بذكر أن المماليك كانوا يحملون أسلحة نارية، بينما يجمع الباقون على أنه لم يكن لديهم غير السيوف المذهبة التى كانوا يتقلدونها مع ملابس التشريفات، وهو الأقرب إلى المنطق بالنظر إلى عدم وجود قتلى بين الألبان) يبغون لقاء عدو يثأرون بقتله للكارثة التى حلت بهم. ولكنهم لم يجدوا أحداً، واستمر الرصاص الخفى الممطر من كل صوب”.

 ويكمل الشيخ الجبرتى “وقد سقط أكثرهم وأصيب شاهين بك وسقط إلى الأرض فقطعوا رأسه وأسرعوا بها إلى الباشا ليأخذوا عليها البقشيش … حتى أنهم ربطوا فى رجلى شاهين بك ويديه حبالاً وسحبوه على الأرض مثل الحمار الميت … وقبضوا على من أمسك حياً ولم يمت بالرصاص أو متخلفاً عن الموكب وجالساً مع الكتخدا (أى محمد لاظ أوغلى) كأحمد بك الكيلارجى ويحيى بك الألفى وعلى كاشف الكبير وسلبوا ثيابهم وجمعوهم إلى السجن تحت مجلس كتخدا بك ثم أحضروا المشاعلى ( اسم كان يطلق على الشخص المنوط به تنفيذ أحكام الإعدام) لرمى أعناقهم فى حوش الديوان واحداً بعد واحد”.

ونستعير من سير مرى جانباً آخر من الصورة الدامية ” أما سليمان بك البواب (أحد قادة المماليك) فإنه عمد إلى قصر الوالى والدم يقطر منه وليس عليه من اللباس إلا فضلة ولاذ بالحريم (أى الحرملك) واستجار به بكلمات لا يزال يكررها كل لائذ وأسير “أنا فى عرض الحريم”. ونعود إلى الأيوبى ليكمل تفاصيل الواقعة “..وكانت استغاثة مقدسة فى ذلك العهد، ولكن السيف تناول رقبته، وجرت جثته، مهينة، إلى مكان بعيد. وتمكن سبعة أو ثمانية من الأمراء (أى المماليك) من الوصول إلى المكان الذى كان طوسون باشا مقيماً فيه. فتراموا على قدميه، وسألوه الأمان. ولكن الشاب لم يجسر على مخالفة أمر أبيه، وتخلى عنهم. فقتلوا صبراً بين يديه”.

استمر القتل من “ضحوة النهار إلى أن مضى حصة من الليل فى المشاعل حتى امتلأ الحوش من القتلى” وفق رواية الجبرتى، ولقى المماليك المدعوين جميعاً حتفهم فى ذلك اليوم، وأغلب المراجع تقدر عددهم بأربعمائة وسبعين مدعواً، أو بالأحرى قتيلاً‍‍!

*   *   *

 لم ينج من مذبحة القلعة غير اثنين، أحدهم أحمد بك زوج عديلة هانم ابنة إبراهيم بك الكبير، الذى اعتذر عن عدم الحضور لانشغاله والثانى أمين بك. والرواية المتواترة أن أمين بك هذا كان فى مؤخرة الموكب، فلما رأى الموت يحيق به من كل جانب، جازف بالقفز بجواده من فوق سور ساحة القلعة على ارتفاع نحو عشرين متر- أى من الدور السابع تقريباً من عمارة حديثة- ولما اقترب الجواد من الأرض، قفز من عليه فتهشم الفرس و نجا هو وفر إلى الشام.

 وقد تناقل الرواة هذه القصة عبر الأجيال حتى غدت من المسلمات، والأغلب أن السبب فى هذا يرجع إلى ما فيها من إثارة وغرابة أكثر مما تحوى من دقة وصواب، بيد أن تحقيقها يكاد يؤكد عدم وقوعها بهذه الكيفية. فعلمياً سرعة الفارس بالنسبة للأرض مساوية لسرعة الحصان، فإذا ما قفز من فوقه قبل ارتطامه بالأرض ببضعة أمتار (كما يروى الأستاذ الرافعى مثلاً)، كان كأنه هَوَى من على ارتفاع العشرين متراً إلى الأرض ولهلك حتماً. وإذا ما افترضنا أنه بقى على صهوة الحصان حتى ارتطامه بالأرض، تكون احتمالات نجاته بالنظر إلى الارتفاع الذى قفز منه ضعيفة.

والرواية الأقرب إلى الصحة، أن أمين بك حضر متأخراً، فرأى أن ينتظر زملائه أسفل القلعة عند باب العزب فينضم إليهم متى خرجوا منه، فلما سمع دوى الرصاص أدرك أن هناك مؤامرة وهرب. وقيل أنه هرب إلى سوريا أو طرابلس ثم لجأ إلى الآستانة ودخل فى معية السلطان. وربما كانت القصة خرافية من الأصل، كما يذهب بعض المؤرخين!      

*   *   *

أين كان محمد على فى غمرة كل هذه الأحداث؟ وكيف كانت حالته النفسية والعصبية؟ يجيب الجبرتى “وكان الباشا عندما ساروا بالموكب ركب من ديوان السراية وذهب إلى البيت الذى به الحريم”، بينما تروى الأميرة شويكار والأستاذ الرافعى أنه ظل فى القاعة مع رجاله الثلاثة الذين أطلعهم على السر، ويذهب جورج يانج إلى أن محمد على هو الذى أطلق الرصاصة الأولى بنفسه إيذاناً ببدء العملية. وقد حاول بعض المؤرخين والرسامين تصوير الباشا على أنه كان يجلس فى هدوء ورباطة جأش أثناء الحدث، وكأن ذلك يرجع إلى شجاعته و ثبات أعصابه وهو أمر بعيد عن المنطق؛ إذ لا يتصور أن أحداً مهما بلغت قدرته يستطيع أن يسيطر تماماً على هدوئه ومشاعره فى لحظات بتلك الرهبة والهول.

 ولا ريب أنه قد جال بخاطره احتمال فشل العملية أو تسرب خبرها أو وقوع خيانة بين الألبان وكلها كانت احتمالات قائمة وتفضى قطعاً إلى القضاء عليه. والأوقع ما يرويه مؤرخون مثل الرافعى ومرى وغيرهم من أن الباشا كان يذرع الغرفة جيئة وذهاباً وهو واجم وقد عَلَت وجهه صفرة شديدة، وربما بدأ الهدوء يعود إليه بعد أن لاحت بوادر نجاح العملية وزال عنه الخطر بعض الشىء.  ويقول سير مرى “ومع ذلك ظلت ملامح الاضطراب بادية على وجهه وعواطف الوهل تختلج فى فؤاده. وبعد فترة دخل عليه مندريشى الجنوى (أى إيطالى من مدينة جنوا) أحد أطبائه فى حجرة الجلوس وأقبل عليه وقال، وهو ضاحك الأسارير فى موقف لا يجرأ على البشاشة فيه غير أمثاله من الطليان(!) “مولاى قد قضى الأمر فهذا يوم من أيام سعودك ” فأطرق الوالى واجماً ولم ينبس ببنت شفه؛ بيد أن سكوته كان فصيحاً ولم يزد على أن فغر فاه المحترق من شدة الوجد طالباً جرعة ماء”.

أما المؤرخ حبيب جاماتى فيكشف لنا رأى محمد على نفسه وقد أسَّر به  لصديقه دى ليسيبس (والد فيردناند دى ليسيبس مهندس القناة المشهور)؛ معبراً عن استغرابه لتصوير الرسام الفرنسى هورانس فرنييه له هادئاً فى لوحته المشهورة عن مذبحة المماليك (هذه اللوحة موجودة الآن فى قصر الأمير محمد على بالمنيل). والحقيقة  – كما جاءت على لسان محمد على- أنه ظل مضطرباً يرقب تطور المذبحة وهو مختبئ، ويتساءل إذا كان جنوده الألبان سيظلون على ولائهم أم ينقلبون عليه. وصرح بأنه قد أعد عدته للهرب، فأتفق مع اثنين من أتباعه المخلصين على أن ينتظراه عند باب الجبل بجواد مسرج يحمله عند اللزوم إلى الصحراء!

*   *   *

لم يقف الأمر عند القضاء على المماليك المدعوين، بل امتد إلى باقى أنحاء المدينة ثم إلى بقية أراضى البلاد، يقول الجبرتى ” … وأما أسفل المدينة فأنه عندما أغلق باب القلعة وسمع من بالرميلة صوت الرصاص وقعت الكرشة (الذعر) فى الناس وهرب من كان واقفاً بالرميلة من الأجناد فى انتظار الموكب وكذلك المتفرجون واتصلت الكرشة بأسواق المدينة فانزعجوا وهرب من كان بالحوانيت لانتظار الفرجة وأغلق الناس حوانيتهم وليس لأحد علم بما حصل وظنوا ظنوناً وعندما تحقق العسكر ( يقصد الألبان) حصول الواقعة وقتل الأمراء انبثوا كالجراد المنتشر إلى بيوت الأمراء المصريين ومن جاورهم طالبين النهب والغنيمة فولجوها بغتة ونهبوها نهباً ذريعاً وهتكوا الحرائر وسحبوا النساء والجوارى والخَوَنْـْدات ( السيدات) والستات وسلبوا ما عليهن من الحلى والجواهر والثياب وأظهروا الكامن فى نفوسهم ولم يجدوا مانعاً ولا رادعاً”.

كذلك يذكر الجبرتى أن الجنود الألبان فى الأقاليم أخذوا يقتلون من يجدوه من المماليك “ويرسلون برؤوسهم أو يَتَحيّلُون على القبض عليهم وقتلهم فصار يصل فى كل يوم عدد من الرؤوس من قبلى وبحرى ويضعونها على باب زويلة وباب القلعة، ولم يقبلوا شفاعة فى أحد أبداً ويعطون الأمان لبعضهم فإذا حضروا قبضوا عليهم وشلحوهم ثيابهم وقتلوهم والباشا يعلم من كتخداه ( يقصد محمد لاظ أوغلى بك)  شدة الكراهة لجنس المماليك ففوض له الأمر فيهم”. وكان ضمن من قتل بالأقاليم عمر بك الألفى، وكان غائباً فى الفيوم فقتل هناك وأرسلوا رأسه مع خمسة عشر رأس آخرين وأرسل دبوس أوغلى حاكم المنيا خمسة وثلاثين رأساً! وقد قدر عدد المماليك الذين قتلوا فى الأقاليم فى الأيام القليلة التى تلت مذبحة القلعة بنحو ألف رجل.

استمرت حالة الفوضى فى القاهرة حتى أصبح اليوم التالى، فنزل محمد على إلى المدينة فى موكب بلغ غاية الفخامة والأبهة تَحُف به حاشية ضخمة وهو يرتدى رداءاً بنفس الفخامة، وصار يطمئن الناس على حياتهم ويتوعد الجنود الألبان بأشد العقاب إن استمروا فى السرقة والنهب، فعاد الهدوء إلى الأسواق وبدأ الناس فى ممارسة حياتهم العادية.

ويذكر الجبرتى والرافعى أن نزول الوالى إلى المدينة جاء بهدف إعادة الاستقرار، على أننا نرى أنه تعدى ذلك إلى غاية استراتيجية مهمة ألا وهى إعلان بداية مرحلة انفراده بحكم البلاد، وأنه قد بات يملك مقاليد حكمها منفرداً، فحَقَ له أن يسير فى عاصمة البلاد فى موكب من يتربع على عرشها. ولذا اهتم بفخامة الموكب وأبهة الملابس.

بقى نفرٌ قليلٌ من المماليك كانوا لا يزالون بالصعيد وقت المذبحة، فلما علموا بها أمتلكهم الرعب والهلع وأدركوا أنهم هالكين لا محالة، فأرسلوا يطلبون من الباشا أن يعين لهم بقعة يعيشون فيها، لكنه رأى أن يسقيهم كأس الموت حتى آخرها؛ فأرسل لهم جيشاً بقيادة مصطفى بك ابن أخته فقضى على أغلبهم وفَرَّ الباقون جنوباً حتى وصلوا إلى دنقلة وهرب قلةٌ منهم إلى الشام، حيث قضوا ما بقى لهم من عمرٍ أذلاء مهزومين.

أما رأى محمد على نفسه فيما حدث فى ذلك اليوم الرهيب فتقرأه على لسانه فى خطابه إلى السلطان فى 9صفر، أى بعد أربعة أيام من وقوعها. بعد أن يبدأ كعادته بذكر الحملة الوهابية ووقوف غدر المماليك حائلاً دون إنفاذها يسرد الأحداث “… فتذرعت بسفر ابنى طوسون واستقدمت إلى القاهرة الأربعة والعشرين أميراً لعنهم الله، لأنهم كانوا مداجين يعملون معى فى الظاهر ويكيدون لى فى الخفاء، فدعوتهم هم وأعوانهم وأشياعهم المعروفين بإتج أوغلان (لفظ تركى معناه الغلمان الداخليون، أى المكلفون بالخدمة داخل القصور) وصنائعهم وأتباعهم. ولما دخلوا بأجمعهم فى القلعة أمرت بالأبواب فأحكم إغلاقها، ثم أوردت أولئك اللصوص حياض الردى عن آخرهم”.

ونلاحظ أن الباشا يضع الأمر فى سياق تجهيز الحملة الوهابية حتى يخفف من وطأتها لدى الباب العالى، كذلك تراه يذكر عدد زعماء المماليك فقط دون أتباعهم تهويناً لوقع الحدث بتقليل عدد ضحاياه!

*   *   *

بهذا المشهد المروع قضى محمد على على المماليك نهائياً فلم تقم لهم قائمة بعد ذلك، وشرع الرجل فى بناء إمبراطوريته على النحو المعروف فى التاريخ. ولا يكتمل الحديث عن مذبحة المماليك دون محاولة لتقويم هذا الحدث ورسم أبعاده.

تتفق الآراء، سواء من شايع محمد على أو عارضه على أن المذبحة انطوت على قدر مهول من العنف والدماء التى امتزجت بقسوة بالغة فى إعمال القتل والتمثيل بالجثث ورفض الشفاعة، فضلاً عما اتسمت به من غدر وخديعة ونكوص بعهود الأمان. ولا نتفق مع آراء المؤرخين- وفى مقدمتهم الأستاذ شفيق غربال – الذين حاولوا الدفاع عن محمد على بالقول أن المذبحة كانت بتدبير الألبان وأن دور محمد على قد اقتصر على العلم بها.

ونرى فى هذا هجوماً على الرجل وتشويهاً له أكثر مما به من دفاع عنه وتبرير لفعلته. فلم يكن محمد على بالرجل الضعيف السلبى الذى يسمح بمثل هذه الخطة لولا سيطرته الكاملة عليها تخطيطاً وتنفيذاً،ليقينه أنه سيكون أول الضحايا إن فشلت. فضلاّ عن ذلك،فهو المستفيد الأول مما حدث، وفى تركيبته الشخصية والذهنية من الدهاء والمكر والأساليب الميكيافيلية ما يجعله بالقطع الرأس المدبر لما حدث، ويجعل الغرض مما قيل عن تهميش دوره ليس إلا محاولة لتجميل صورته وحتى لا يرسمه التاريخ وكأنه حاكم غادر سفاك للدماء. 

على الجانب الآخر فإننا نرى أن وضع المذبحة فى ميزان السياسة وأساليب الحكم قد يبررها، أو على أقل تقدير يفسرها. فالضحايا لم يكونوا بحال من القديسين أو الأفاضل، بل اشتهروا طوال فترات سيطرتهم على البلاد بالجور والطغيان فى ممارسة الحكم، وقد رأينا كيف قايض كبيرهم البلاد بجلوسه على العرش.

ومن ناحية ثالثة لم يكن أسلوب إراقة الدماء والقتل السافر بغريب عن ذلك العصر، ولا كانوا  – وهو الأهم – المماليك يترفعون عنه إذا ما وقع عدوهم فى قبضتهم. يزيد على ذلك أن منازعتهم لمحمد على السلطة، غَلَّت يده عن القيام بإصلاحات جذرية أو مشاريع ضخمة للنهوض بأحوال البلاد اقتصادياً وعسكرياً، وهو ما تم بالفعل بعد القضاء عليهم.

لهذا نرى أن القضاء على المماليك كان حتمية تاريخية اقتضتها الظروف وأملتها معطيات الموقف السياسى، فلم لمحدم على بداً منها ولا مندوحة عنها  إذا ما أراد نهضة حقيقية لمصر. كذلك يمكن القول أن المذبحة كانت الحلقة الأخيرة فى سلسلة من جولات الصراع، تساوى فيها الطرفان فى اتباع أساليب المكر والخديعة، ولم تكن بحال حدثاً مفرداً بذاته. أما أسلوب التنفيذ، فرغم ما فيه من مخالفة صارخة للأديان والشرائع ومبادئ الرحمة، إلا أنه من وجهة سياسية بحتة، جاء تنفيذاً دقيقاً لخطة ماهرة أفضت إلى نتيجة حاسمة فى تحقيق أهدافها، ولاسيما إذا ما وضعت فى إطار العصر الذى حدثت به والذى كان نصل السيف فيه وسيلة اعتيادية معترفاً بها فى أى نزاع.

وليست الحادثة بغريبة على تاريخنا على كل حال، بل أننا لا نمارى الحقيقة إذا ما شبهناها بدعوة الرئيس جمال عبد الناصر لصديقه المشير عبد الحكيم عامر إلى العشاء فى منزله ثم اعتقاله والقضاء عليه، وهى ليست ببعيدة كذلك عن أحداث 15 مايو 1971 التى قضى فيها الرئيس الراحل أنور السادات على أعدائه الذين كانوا ينازعونه الحكم والسلطة، على نحو مماثل لما فعله المماليك مع محمد على.

وإن جاء أسلوب قضاء الحاكم على غرمائه مختلفاً باختلاف العصر الذى دار فيه الصراع!!

وليست الحادثة بغريبة على تاريخنا ولا منفردة فيه، بل أننا لا نمارى الحقيقة إذا قررنا أن مذبحة المماليك ليست إلا واحدة من عدة متشابهات تمكن فيها الحاكم من القضاء على أعدائه الذين ينازعونه الحكم والسلطة، على نحو مماثل لما فعل محمد على مع المماليك. وإن جاء أسلوب قضاء الحاكم على غرمائه مختلفاً باختلاف العصر الذى دار فيه الصراع.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١ ، ٢٠١٠

الأكثر قراءة

أفراح الأنجال

عندما كانوا الجدود يريدون ابداء اعجابهم الشديد بإحتفال مبهر، او عرس فخم، كانوا يوصفوه بأنه "ولا أفراح الأنجال"! ولكن من هم هؤلاء الأنجال؟ ومتى أقيمت أفراحهم؟ ولما يضرب بها المثل؟ وايضاً..لماذا سمي شارع في حي المنيرة بـ"افراح الأنجال"؟

صيدناوية مصر
رواية الصعود والأفول

اخوان من روم كاثوليك مدينة صيدنايا السورية يأتيان الى مصر فى عصر الخديو اسماعيل، ويؤسسان امبراطرية تجارية بقى اسمها حتى يوم فى مختلف انحاء القطر المصرى.

مزمزيل جاردن سيتي

تمشى فى شارع مبانيه كما وصفت لك وتقرأ "شارع الطلمبات”، مع أنه لا أثر به لمكان يمكن أن يحوى طلمبات، وتحار أين هى "السراى الكبرى” ولماذا بنوا "ورشة التمباك” فى حى سكنى راقى وما علاقة "معمل السكر" بهذه المبانى الأصيلة؟ وسكتشف ان قراءة تاريخ حديقة القصر العالى هى التى ستحل لك طلاسم أسماء شوارع جاردن سيتى.

نازلى فاضل
أأميرة التنوير... ام عميلة الإحتلال؟

تمثل الأميرة نازلى فاضل نموذجاً نسائياً فريداً فى تاريخ مصر المعاصر، بل فى تاريخ الشرق بأسره. فلم تعرف أقطار المشرق امرأة تمكنت من اجتياز الحواجز الاجتماعية والسياسية والثقافية التى فرضتها معطيات ذلك العصر عليها كامرأة وكأميرة، على نحو ما استطاعت نازلى.

25 امرأة اثرن فى تاريخ مصر

كان من المستحيل حصر كل امرأة عظيمة اثرت فى حياة مصر والمصريين ولكننا هنا نتذكر 25 منهن ساعدن فى صناعة تاريخ مصر وحاضرها املاً ان يظل كفاحهن نبراساً يضىء الطريق امامنا اليوم ونحن نصنع مستقبل البلاد.

حي الأزبكية
من الخراب إلى القصور الجليلة

لألاف السنين، شاهد حى الأزبكية، اناس من كل حدب وصوب، من امراء ونبلاء وجنود الى رعايا اجانب، وفنانين، وحتى بائعات المتعة. كان الحي بمثابة بوتقة انصهرت فيها ثقافات وطرز معمارية وافكار متعددة، ومازال حي الأزبكية يثير الشغف بالإستكشاف حتى اليوم.