بقلم
ترجمة نسمة جبر

مارى كويني هي نجمة سينمائية مصرية كبيرة، شهد عام 1929 أولى خطواتها فى عالم صناعة السينما المصرية. من التمثيل، إلى الراكور، إلى المونتاج، مرت كويني بجميع مهام صناعة الفيلم. حالياً، تشترك ماري كويني مع ابنها نادر في ملكية "ستوديو جلال"، حيث ينتجان الأفلام التي تحوز أفضل التقديرات في سوق الفيلم العربية.

يرجع الفضل فى دخولي عالم السينما المصرية إلى خالتي، آسيا داغر، التى إنتزعتني نزعاً عدة مرات من داخل الفصل الدراسي بمدرسة “سان فنسان” بالحلمية الجديدة فى عام 1928، لتمنحني دوراً صغيراً فى فيلمها الأول – غادة الصحراء – الذي قام بإخراجه وداد عرفي. وكان عرفي هو من أطلق عليَ لقب “كوينى”، والتي تعني “نجمة المستقبل” باللغة التركية.

كان وداد عرفي كاتباً مسرحياً تركياً، يجري تقديم عدة من أعماله – التي تُرجِمت إلى اللغة العربية – على خشبات المسرح المصري آنذاك. وقد أتى إلى مصر – بلا موارد تقريباً – ليخطو أولى خطواته في عالم الأعمال، فنجح في إثارة حماسة بعض النجمات المسرحيات لإنتاج باكورة الأفلام المصرية. وكانت أولى ضحاياه ثلاثة من النساء: عزيزة أمير، وفاطمة رشدى، وخالتى، آسيا داغر. بدأ ثلاثتهن إنتاج أفلام منفصلة تحت قيادة عرفي، تركها جميعاً في منتصف التصوير ورحل.

غير أن النساء الثلاثة لم ييأسن، واستكملن الإنتاج مستعينات بأبطال أفلامهن كمخرجين. وهكذا، قام استيفان روستي بإخراج أول فيلم مصري: ليلى، بينما تولى أحمد جلال استكمال فيلم غادة الصحراء الذى قام ببطولته جنباً إلى جنب مع خالتي، ومعي.

فى هذه الفترة، كان علينا أن نقوم بكل الأعمال بأيدينا: لم تكن هناك ستوديوهات، فكنا نصور داخل منازل أو خارجياً، ونبني الديكورات التي يصعب إيجادها بشكل طبيعي في الشرفات. وكان علينا أن ننفذ الديكورات بأنفسنا، متسلحين بالشواكيش والفرشات، وننقل إليها قطع الأثاث والإكسسوار، قبل البدء في تمثيل مشاهدنا.

كان (وداد) عرفي هو من أطلق عليَ لقب “كوينى”، والتي تعني “نجمة المستقبل” باللغة التركية

وفيما بعد، صرنا ننظم أنفسنا بشكل أفضل، ونقسم المهام فيما بيننا. فتولى أحمد جلال – الكاتب  والصحفى – كتابة السيناريو والحوار، بينما كنت أنا أساعده كسكرتيرة. وفى البلاتوه، كان يقوم بالتمثيل والإخراج فى الوقت ذاته، بينما أتحول أنا لمساعد مخرج، وفتاة راكور، وممثلة. أما مدام آسيا – صاحبة العمل والممولة – فكانت تشرف بالكامل على عملية الإنتاج، إلى جانب قيامها ببطولة الفيلم.

لاحقاً، سيصبح تخصصي هو عملية المونتاج. ما زلت أذكر حتى الآن الوقت الذي كنا نضطر فيه إلى وصل شرائط الفيلم واحداً تلو الآخر باستخدام الدبابيس، ثم تتم إضافة الـ”تترات” بنفس الطريقة. وعندما ننتهى من المونتاج باستخدام الدبابيس بأعيننا المجردة، نقوم بلصق الشرائط بعضها ببعض، لنتمكن بعدها من مشاهدة الفيلم على ماكينة عرض عادية.

وبعد فترة وجيزة، إستقدمنا طاولات مخصصة للمونتاج، وقمنا بتجهيز ستوديو متكامل فى قلب القاهرة: كان هذا هو ستوديو “كاتساروس” ، الذى تحول الآن إلى صالة مزادات بعد أن كان فى السابق يستخدم كاسطبل وجراج للسيارات. فيه قمنا بتركيب كاميرا بدائية، وبعض آلات العرض القديمة، ومجموعة من الألواح الخشبية المغطاة بالورق – كانت تقوم بدور العواكس. بمثل هذه المعدات المتواضعة، كان على صناعة السينما المصرية أن تحفر لنفسها موطئاً في السوق العالمية. وها نحن في عام 1931، وقد انتصرت مثابرة الرواد السينمائيين وثقتهم في مستقبل السينما المصرية على كل المعوقات.

كان علينا أن ننفذ الديكورات بأنفسنا، متسلحين بالشواكيش والفرشات، وننقل إليها قطع الأثاث والإكسسوار، قبل البدء في تمثيل مشاهدنا

أما فيلمنا الثانى – وخز الضمير، فكان فيلماً صامتاً أخرجه لخالتي إبراهيم لاما بعد أن هجر الإسكندرية واستقر فى القاهرة. وفى الفترة ذاتها، كان أحمد جلال يصور الفيلم الثانى لعزيزة أمير: بنت النيل، الذي سيعمل بعده معنا بشكل حصري حتى وفاته فى عام 1947. وهكذا بدأ الثلاثي (آسيا – جلال – كويني) في تحقيق النجاح.

وهنا ظهرت المزيد من المشاكل حيث لم يكن لدينا فنيون متخصصون، نظراً لأن ميزانياتنا المتواضعة آنذاك لم تكن تسمح باستقدام فنيين من الخارج. وما زلت أذكر أنه فى أحد أوائل أفلامنا لم يكن الفنيّ يعرف كيفية توزيع الإضاءة، واضطررنا أنا وأحمد جلال أن نقوم بهذا العمل نيابة عنه.

ومع هذا، فقد نجحنا فى جذب انتباه الممولين من جميع أنحاء العالم العربى لصناعتنا الوليدة. وانتقل بعض المتخصصين السكندريين للقاهرة – بعد أن كانوا قد إستوردوا كاميرات وبدأوا فى إنتاج بعض الأفلام في الإسكندرية، فتأسست بعض الستوديوهات فى حدائق وشرفات الفيلات. وهنا أصبح إنتاج الأفلام الطويلة – أخيراً – عملاً يدر ربحاً معقولاً.

وكان أحد أوائل هؤلاء المهاجرين إلى العاصمة هو توجو مزراحي، الذي أرسله والده لدى صديقه السيد إدوارد بهنا بالقاهرة، بعد أن يأس من جعله يمتهن عملاً جاداً – أمام شغفه الحاد بالسينما وإنفاقه كل ما يتحصل عليه من مال عليها. وأرسل الأب إلى بهنا 300 جنيهاً مصرياً راجياً إياه أن يقرضها بالفائدة لإبنه، الذى كان يبدد كل الأموال التي يحصل عليها مباشرة من الأب.

بهذا المبلغ البسيط، أنتج مزراحي عام 1930 فيلماً جيداً هو “الكوكايين”، أدرّ عليه ربحاً وفيراً. فشجّع ذلك الأخوين بهنا في العام التالي على إنتاج أنشودة الفؤاد، أول فيلم مصرى ناطق، أنفقوا عليه رأس مالٍ عملاقاً، وصُورَ فى ستوديوهات “إكلير” فى باريس. غير أن هذا الفيلم لم يحقق أية أرباح. فرأي الأخوان بهنا أن من الحكمة أن يقصروا نشاطهم على تمويل الأفلام وحسب. وهكذا ظهرت “مختارات بهنا” – التي يمكن ان نعتبرها بمثابة بنك تمويلي للأفلام – إلى الوجود، وصارت نموذجاً ناجحاً في يومنا هذا. تقدم “مختارات بهنا” قروضاً لإنتاج الأفلام قيد التصوير، وتتولى توزيعها، مع الاحتفاظ بها تحت التعهد لحين استرداد مجمل قيمة القرض. وهم يستحوذون حالياً على حصة تقارب ثلث الأفلام المصرية التي يتم إنتاجها. وقد لجأت العديد من الشركات إلي إتباع النموذج ذاته، وتقوم الآن بتمويل وتوزيع الأفلام المصرية بنجاح.

في العالم التالي (1932)، نجح محسن سابو  فى ابتكار جهاز لتسجيل الصوت سمح له ببناء قاعة لإجراء عملية الـ”دبلجة”  للأفلام. ولم يغير ذلك من أسلوب العمل، فكانت أفلامنا تُصَوّر على الطبيعة، وبعد إتمام عملية المونتاج، نبدأ عملية تسجيل الصوت. هكذا أنتج ثلاثتنا أفلام: عندما تحب المرأة – عام 1932، و عيون ساهرة – عام 1933، وشجرة الدر – عام 1934.

وفي عام 1935، أتمت “شركة مصر” بناء ستوديوهاتها. وعاد الدراسون – الذين كانت الشركة قد أوفدتهم للتعلم فى الخارج – إلى مصر لإنتاج أفلامها الأولى بصحبة فنيين فرنسيين وألمان. وفي الفترة ذاتها، تم إنشاء ستوديوهات ناصيبيان – التي كانت أفضل تجهيزاً رغم أنها أصغر حجماً – وأصبحت متاحة للتأجير لمنتجي الأفلام بأسعار معقولة.

ظهر أول فيلم ناطق من إنتاجنا – زوجة بالنيابة – عام 1936، ولم يتغير بعد توزيع الأدوار فيما بيننا: فبينما نقوم ثلاثتنا بأدوار البطولة، كان لكل منا مهامه المحددة في مجالات الإنتاج والإخراج. وفي الإطار ذاته، أنتجنا فيلم بنت الباشا المدير عام 1937، وفيلم فتاة متمردة عام 1938.

ولّد التواصل المستمر بيني وبين أحمد جلال، والمجهودات المهولة التي كنا نبذلها سوياً لتحقيق النجاح، بذرة الحب فيما بيننا. فاحتفلنا بالزواج في عام 1940، وبولادة ابننا نادر عام 1941. وكان هذا بمثابة إعلان النهاية للثلاثي (آسيا – جلال – كويني): فأسست أنا وزوجي أحمد جلال شركة “أفلام جلال”، بينما اتحدت مدام آسيا مع مع المخرج الشاب هنرى بركات لاستكمال مسيرتها.

شهد عام 1942 إنتاج فيلمنا رباب، وفي عام 1943 أنتجنا ماجدة، الذي قرر بعده زوجي أن يتفرغ للإخراج بشكل كامل.

بحلول عام 1944، وصل إنتاج الأفلام المصرية إلى ذروته، وأصبح من الضروري حجز الستوديوهات قبل ستة أشهر من ميعاد بدء التصوير. فصارت المخازن والجراجات في كل مكان تتحول لستوديوهات، ويتم تزويدها بمعدات حديثة عالية التكلفة. وبما أننا كنا نمتلك قطعة أرض تقع بالقرب من ستوديو “لاما”  تبلغ مساحتها 20 ألف متر مربع تقريباً، فقد قررنا إنشاء ستوديو يشتمل على بلاتوهين للتصوير بكامل معداتهما، دون أن نعي أن ذلك سيكلفنا كل ما نملك.

كنا نطمح أن نجعل من هذا الستوديو مثالاً يحتذى به. فلكل بلاتوه مدخله المستقل، وتحيط بكل منهما 30 غرفة للممثلين والخدمات. وجهزنا الستوديو مؤقتاً بكاميرا ماركة “دوفري” مستوردة من العراق بسعر منخفض بعد الاستغناء عنها هناك، واستأجرنا ماكينة الصوت الخاصة بـمحسن زابو، وصنّعنا أجهزة العرض محلياً. وكنا قد أوشكنا أن نفقد الأمل في مد التيار الكهربي، إلى الدرجة التي نصحتنا بها مصلحة الكهرباء بنقل الستوديو إلى حي آخر تخدمه مرافق أفضل. غير أن كل هذه الصعاب تبددت واحداً تلو الآخر لحسن الحظ، وشهد عام 1946 نشوتنا بتصوير أول أفلامنا فى الستوديو الخاص بنا: أفلام أم السعد، وأميرة الأحلام، وعودة الغائب.

غير أن هذه المجهودات قد تركت آثارها المدمرة على صحة زوجى، الذي توفي فجأة عام 1947، تاركاً إياي وحيدةً مع طفلي لأدير هذا المشروع الذي شهد ولادة عثرة.

وبعد فترة توقف دامت عامين، عدت لأقوم ببطولة فيلم كان ملاكاً – الذي كان زوجي قد كتب السيناريو الخاص به قبل رحيله، وأخرجه أخوه، عباس كامل. ولاحقاً، قمت بإنتاج عدة أفلام لم أمثل فى أي منها، سمحت أرباحها لي بإعادة تجهيز البلاتوهات بالكامل: فاشتريت كاميراتين جديدتين ماركة “ميتشل” ، وكابينة عازلة لتسجيل الصوت تعمل بنظام “بلو سيل” ، وجهازي تسجيل صوت (35 مليمتراً) من ماركة “كايلي” ، وحوامل أمريكية الصنع للكاميرات، وشاريوهات  ماركة “فينتن” ، وطاولات مونتاج ماركة “بريفوست” ، وقاعة استماع حديثة، ومعمل تحميض متكامل، بما يسمح لنا حالياً بتوفير احتياجات أكثر المنتجين تطلباً.

أما إبني نادر، فهو يشهد بسعادة بالغة نمو الستوديو الخاص به شيئاً فشيئاً. وسيصبح بلاشك شريكاً يمكنني الاعتماد عليه يوماً ما. تبدو عليه من الآن بوادر الميل نحو الإخراج السينمائي. ولم لا ؟! فقد كان أبوه هو رائد هذا المجال فى مصر، ويعتبر أعمامه الاثنين – عباس كامل وحسين فوزى –  من أهم المخرجين السينمائيين في يومنا هذا.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٩ ،

الأكثر قراءة

سنوات البوتقة في تاريخ السينما المصرية
(٥٢-١٩٤٥)

شهدت السينما المصرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مرحلة غير مسبوقة من النضج والتطور الفكري على يد جيل من المخرجين الذين سيكون لهم شأن كبير فيما بعد

أرشيف الفيلم المصري
حكاية إهمال.. مثابرة.. وشغف

جولة في أرشيف السينما المصرية، الذي يكاد لا يكون موجوداً، تصحبنا فيها مسؤولة أرشيف "“سيماتك”"؛ مركز الفيلم البديل بوسط القاهرة، ومساحة تحتفي بتنوع وجمال وقوة الأفلام المحلية والعالمية.

رواية لم تكتمل
الأفلام التسجيلية المصرية في الفترة من 1912 إلى 1980

مشروع قومي تأثر بالأجواء والتوجهات السياسية ولم يحظ بالنجاح المطلوب رغم دعم الدولة له.

الرقص والراقصات في السينما المصرية

على الرغم من صعوبة تقبل المجتمع لمهنة الراقصين، ألا ان هذا المجتمع نفسه مولع بالرقص والإستعراض حتى ان الفيلم الذي يخلو منهما غالباً ما يفشل جماهيرياً

آفاق جديدة

تدين السينما المصرية بالكثير لمخرجين طموحين تمردوا على قاعدة "الجمهور عاوز كده"

سينما بديلة، من إنتاج الدولة
في يوم من الأيام..

رغم عدم استمرارها، كانت المؤسسة المصرية العامة للسينما، بما أنتجته من أعمال هامة، مثالاً لأهمية دور الدولة في دعم السينما الغير تجارية.


Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qpixweb4/public_html/rawi-magazine.com/wp-content/themes/qpix/single-articles.php on line 834