بقلم نوال نصرالله
ترجمة نوران ابراهيم

كتاب الطهو المصري "كنز الفوائد في تنويع الموائد" الذي يعود إلى القرن الرابع عشر والمترجم حديثًا، يمنحنا لمحة نادرة عن المطبخ المصري والتأثيرات الخارجية متعددة الأطياف التي أضفت نكهتها على الكثير من الطعام الذي لم نزل نتناوله حتى يومنا هذا.

لم يتوقَّف المشهد الزراعي المصري قط عن إبهار زوار مصر في القرون الوسطى. فالنيل، كما قالوا، ينبع من الجنة. والأرض ذاتها بفصولها الأربعة لم تكن أقلَّ إدهاشًا للرائين: ففي الصيف، هي لؤلؤة بيضاء لامعة بفعل ارتفاع النيل وفيضانه، وفي الخريف، تبدو كالمسك الأسود حين تتراجع المياه كاشفة عن التربة السوداء الفوَّاحة، وفي الشتاء، هي زمردة خضراء تتألق ببهاء المحاصيل الوليدة، وفي الربيع، موسم الحصاد، تغدو كهرمانة ذهبية متوهجة.

مصر، “أم البلاد”

لعب الفتح العربي لمصر في عام 641 ميلادية دورًا محوريًّا في إغناء محاصيل البلاد الوفيرة بالفعل، وذلك عن طريق تقديم محاصيل مهمة مثل الأرز وقصب السكر والموالح. وأمَّنت الأراضي الخصبة اليانعة على طول النيل ظروفًا مواتية لزراعة هذه المحاصيل المهاجرة.

كانت الأسواق شديدة الازدحام إلى الدرجة التي احتاج المتسوِّقون معها إلى تعلُّم طرقٍ للمناورة عبر تيارات البشر المتدفِّقة. أكبرها كانت سوق القصبة، التي حوت في أوجها 12.000 متجرٍ تَعجُّ كلُّها بالمتسوِّقين وبأصنافٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصى من الطعام والشراب. وفي أسواق الطعام، كان هناك الجزار، والفرَّان الذي كان يدير فرن الطوب التجاري المستخدم لعمل الخبز وتسوية الطواجن للزبائن من أهالي الحي. وكان “النقانقي” متخصصًا في صنع النقانق، بينما يبيع “الكبودي” الكبدة المشوية. و”البواردي” الأطباق الباردة الخالية من اللحوم التي كانوا يأكلونها بوصفها وجبات خفيفة، مثل الخضراوات المسلوقة، ومشتقات الألبان، والعُجج (العجة). وكان “الرواس” متخصصًا في بيع لحمة الراس والكوارع والكرشة، مطبوخة أو نيئة، والخضري يبيع الخضراوات الطازجة، والفاكِهانيّ الفاكهة.

رسم-ماجد السكvي

وإلى جانب المحاصيل، جاء الفتح العربي أيضًا بتنوع من نوع آخر إلى المِنطقة. مع توالي الخلفاء والسلاطين عليها على مرِّ القرون؛ فأرست مصر دعائم وصفها بأم البلاد. وتضاعف تعداد سكانها من العرب المسلمين والأقباط بينما أصبحت قطبًا ثقافيًّا جاذبًا، وملاذًا للمناطق المجاورة وشعوبها من مختلف الجنسيات والعرقيات، وبخاصة بعد هجمات المغول في آسيا الوسطى. وأضحت مصر بالتدريج موطنًا للأتراك والأكراد والمغاربة والسودانيين والفرس والعراقيين وغيرهم كثير.

وكان حتمًا على مثل هذه التعددية وافرة الأطياف أن تثري الذخيرة المطبخية المحلية للمِنطقة. وكانت هذه، على سبيل المثال، الكيفية التي ظهرت بها وصفة مغربية تقليدية للكسكس في كتاب الطهي المصري “كنز الفوائد” الذي يعود تاريخه إلى القرن الرابع عشر. الذي يعطي وصفة كردية لشواء خروف كامل، وأيضًا عدة وصفات فارسية وبيزنطية للمخللات. ومثل هذه التنويعات تُشير بكل تأكيد إلى جو مطبخي نابض بالحياة؛ حيث يستمتع الناس بطعام بعضهم البعض، ويشتهون الجديد وغير المألوف.

كما اتسمت أيضًا التجارة مع المناطق المجاورة، وبالتحديد مع الشام، بالازدهار والنشاط.، فشملت المنتجات المستوردة من تلك المنطقة الجوز والفستق والبندق والتفاح والسفرجل والكمثرى. أما مصر، فقد صدَّرت للبلدان المحيطة بالبحر المتوسط فائض منتجاتها المحلية، مثل سمك القديد المملح، وجبن الحالوم، وصِنفًا محليًّا من الحلاوة الخالية من السكر والمصنوعة من القمح المستنبت يدعى نيدة، وزيوت بذور الفجل واللفت والبقول والسكر المكرَّر. وكان استيراد التوابل والعطور الأخرى من الهند وما وراءها مستمرًّا على مدى قرون (1181 – 1484) على يد مجموعة موسرة من التجار المصريين تدعى “الكارمية”. وكان جُلُّ نشاطهم الاقتصادي يتمحور عبر اليمن مركز توريدهم، وكذلك دول المتوسط..

ثقافة الطعام

في سنوات الرخاء كانت القاهرة مركزًا حضريًّا نابضًا بالحياة. وقد ترك لنا مؤرخو العصور الوسطى حكايات مستفيضة عن الحياة الرغدة التي عاشتها الطبقة الحاكمة والصفوة. وفي الوقت ذاته، تتواتر الحكايات عن أن الفقراء من عامة الناس لم يجوعوا قط لأن الخبز كان رخيصًا ووفيرًا. ومما يلفت النظر أن أحد الأماكن غير المتوقعة التي كان يمكن للفقراء الحصول فيها على الطعام اللذيذ والمغذي هو البيمارستان (المستشفى) الذي كانوا يُقيمون فيه مع مرضاهم. وكانت اللحوم، وبشكل أساسي الطيور، والفاكهة والدواء تقدَّم إليهم بكرم دون مقابل. ويُروى أن البعض منهم كان يدَّعي المرض من أجل أن ينالَ قسطًا من الطعام فحسب.

كما كانت هناك أوقات يُقدَّم فيها للشعب طعام القصور. وفي أثناء فترة حكم الطولونيين، كانت مطابخ الأمير بن طولون (ت 884) تُعِدُّ يوميًّا وجبات محمولة في أوعية فخارية يحتوي كلٌّ منها على طبق من اللحم وبعض الخبز وصِنف من الحلويات. وكانت أبواب القصر تُفتح على مصاريعها ترحيبًا بالجميع. وتُروى النوادر عن طهاة الحرملك الذين اعتادوا بيع ما يتبقَّى من الطعام الذي يطهونه. ربما لم يكن ذلك الطعام بحالة ممتازة، كأنْ ينقص الدجاجة ورك أو صدر، أو أن يتكوَّن من القطع المتبقية من خروف مشويّ، ولكنه – في الجُملة – كان طعامًا جيدًا ورخيصًا ومتاحًا دائمًا. ويُؤْثَر أنه عند حلول ضيوف بغتة، كان ربُّ البيت يتوجه من فوره إلى بوابات الحرملك لشراء هذا الطعام، والذي لم يكن بإمكانه أن يطهو مثيله أو حتى أن يتحمل تكلفته من الأساس.

السُّكُردان: صينية من الأطايب الصغيرة – صينية كبيرة وجميلة، يُطلق عليها السُّكُردان.. محمَّلة بأصناف من الأطباق الصغيرة الشهية، وتقدَّم باعتبارها وجباتٍ خفيفة وتساليَ في أثناء المناسبات الاجتماعية، بما فيها تلك التي تتضمن تناول المشروبات الكحولية. وفي الواقع، كانت الأخيرة هي ما نتجَ عنها طقس السُّكُردان، فحتى الاسم ذاته، يقال إنه مزيج من كلمتي “السُّكْر” (حالة التشبع بالمشروبات الكحولية) العربية و”دان” (وعاء) الفارسية. وعادة ما كانت الصينية تزخر بخشاف المشمش ومخللات الجزر والسفرجل وسلطة زبادي، والليمون المحفوظ في الملح، والزيتون، والقبار المملح، والعصافير المملوحة، والأنشوجة (الصير).

صينية نحاس من القرن الرابع عشر من مصر. متحف المتروبليتان. - رسم: ماجد السكري

بَيْدَ أن الأسمطة الفاطمية كانت مآدب رسمية ضخمة للاحتفال بأحد الأعياد الدينية، مثلًا؛ حيث كان يُعَدُّ سماط رائع للخليفة وحاشيته؛ فيُرَصُّ الخبز والضأن المشويُّ والطيور، وغيرها كثير، حتى يصل الطعام إلى ارتفاع يساوي طول رجل فارع القامة. وكان وصول الخليفة لافتتاح المأدبة يُرافقه في توقيت دقيق دخول قصريْن ضخميْن من السكر، كانا يُحملان عبر الشوارع المؤدية إلى القصر من أجل أن تُمتِّع الحشود المجتمعة أعينها بهما. وكان قصرا السكر يكتسيان بورق الذهب وتزينهما تماثيل من السكر مرتبة في صفوف، ويوضعان كلٌّ على إحدى ناحيتي السماط. ولدواعي الترفيه، يشاهد الضيوف مسابقة بين جندييْن يشتهران بشهيتيْهما العارمتيْن؛ بحيث يلتهم كل منهما خروفًا مشويًّا كاملًا وعشر دجاجات حلوية وطبق حلوى يزن عشرة أرطال. أما المتبقي من الطعام، وكانت كمياته لم تزل وفيرة، فكان يخرج للعامة ليلتهموه حقًّا!

ولكن سماط إحياء المناسبات الدينية المهيبة لديهم له قصة أخرى. فبالنسبة إلى الفاطميين الذين كانوا يعتنقون المذهب الشيعي في وسط شعب معظمه من السنة، كان العاشر من شهر محرم (عاشوراء) مناسبة من هذا النوع بالتحديد. فكان يُمَدُّ سماط بسيط بطريقة يغلب عليها الوقار في مكان متواضع، مع دعوة الجميع إلى هذه المناسبة. وكان الطعام يتألف من سلطانيات الجبن والزبادي وعيش الشعير المخبوز بلون غامق عن عمد، والمخللات. ويتلو ذلك حساء العدس والهريسة، ثم تُختتم الوجبة بسلطانيات العسل.

وترد في الأثر مرويات عدة عن الملوك والسلاطين الذين كانوا إما طهاة ذوَّاقة وإما أكولين شرهين. وكان الأخ الأصغر لصلاح الدين؛ الملك العادل (ت 1218)، معروفًا بشراهته؛ حيث كان يأكل فلا يُبقي ولا يَذر، مُنهيًا وجباته برطل من الحلوى بوصفها مُهضِّمًا. ومن بين المماليك، دعا السلطان الصالح صالح (ت 1354) يومًا والدته “قطلوبك” ومجموعة من الأصدقاء المقرَّبين إلى مأدبة باذخة. فلفَّ خصره بمريول المطبخ، وطها كل الطعام؛ ومن ثم جهَّز المائدة بالأطباق وفرشها بنفسه.

وفيما بين الطبقات الاجتماعية المتعددة في مصر في القرون الوسطى، لم ينظر إلى التميز المطبخي من حيث تنوع الأصناف المقدمة بقدر جودتها. ويُعدِّد ابن شاهين الظاهري (1468)، على سبيل المثال، في كتابه “زبدة كشف الممالك” 54 صِنفًا من الأطباق التي كانت عادةً ما تُطهى للقصر والمآدب الأخرى. وتوجد وصفات في “كنز الفوائد” لمعظم الأطباق المذكورة، متضمنة حتى الأصناف التي كانت تُعتبر، بشكل عام، من مآكل عامة الشعب مثل البامية والملوخية والفول.

وكما يُروى، فإن العامة كانوا لا يأكلون اللحم إلا قليلًا، ولكنهم كانوا يستهلكون الكثير من الأطعمة الأرخص مثل “الدّلّينس” (المحار النهري) و”الصير” (الأنشوجة) والجبن الحالوم والخبز. وكانوا يأكلون النيدة للتحلية، ويتسلوْن بالحُمُّص المُحَمَّص. وعندما يفيض النيل، كانوا يصطادون الزغبات ويطهونها، وكانوا يعتبرونها من أطايب الطعام.

التسوُّق وتناول الطعام بالخارج

كانت إحدى ذكريات المقريزي المفعمة بالكثير من الحنين إلى أسواق مصر الجميلة التي دمَّرها الحريق الهائل الذي اندلع في ربيع 1354 تتمحور حول مساحة تتألف من 20 محلًّا تبيع المشروب الرغوي الشهير المعروف بـ”الفقاع”، مصطفة على جانبي الشارع. وكانت المحالّ على الجانبين مبنية من الرخام الملوَّن مع النوافير التي كانت تَرُشُّ المياه على الرخام حيث كانت تتراصُّ مرطبانات الفقاع المُحكمة.

وكانت هذه السوق واحدة من العديد من الأسواق التي كان يقصدها أهل القاهرة للتسوُّق. وكانت كغيرها شديدة الازدحام إلى الدرجة التي احتاج المتسوِّقون معها إلى تعلُّم طرقٍ للمناورة عبر تيارات البشر المتدفِّقة. غير أن أكبرها كانت سوق القصبة، التي حوت في أوجها 12.000 متجرٍ تَعجُّ بالمتسوِّقين وبأصنافٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصى من الطعام والشراب. كما كانت هناك سوق الحلاويين التي كانت، أكثر الأسواق متعة عند التردُّد عليها، وفقًا للمقريزي. وكانت علاليق (تماثيل) السكر التي تصنع خصيصًا للاحتفالات الدينية تتشكَّل على هيئة الحيوانات وتُعلَّق في واجهات العرض بالخيوط.. كما كان من المبهج، على نحو ما يُضيف المقريزي، رؤية تلال الكعك والمشاش (المصاصات) الملوَّنة المجهَّزة للاحتفال بعيد الفطر الذي يتلو شهر رمضان.

أما بالنسبة إلى التسوُّق اليومي السريع، فلم يكن الناس في حاجة للذهاب إلى الأسواق الكبيرة؛ حيث لكلِّ حيٍّ متاجرُه الصغيرة التي يكملها حمام عمومي ومخبز. ووفقًا للمقريزي، فقد اعتاد سكان القاهرة أن يُلقوا بمخلَّفاتٍ تُقدَّرُ بألف دينار يوميًّا في القُمامة وعند تلال المزابل خارج المدينة. متضمِّنة أوعية فخارية تُستخدم للزبادي والجبن وفي تقديم الطعام لمرتادي المطاعم وأكشاك الطعام، بالإضافة إلى أي أوراق وخيوط استخدمها البقالون في لفِّ البضائع المشتراة.

وفي أسواق الطعام، كان هناك الجزار، والفرَّان الذي كان يُدير فرن الطوب التجاري المستخدم لعمل الخبز وتسوية الطواجن للزبائن من أهالي الحي. وكان “النقانقي” متخصصًا في صنع النقانق، بينما كان يبيع “الكبودي” الكبدة المشوية. و”البواردي” الأطباق الباردة الخالية من اللحوم التي كانوا يأكلونها بوصفها وجباتٍ خفيفة، مثل الخضراوات المسلوقة، ومشتقات الألبان، والعُجج (العجة). وكان “الرواس” يبيع لحمة الراس والكوارع والكرشة، مطبوخة أو نيئة. والخضري يبيع الخضراوات الطازجة، والفاكِهانيّ الفاكهة.

كذلك كانت للطيور سوقها الخاصَّة: سوق الدجاجين؛ حيث كانت تُباعُ الطيور من دجاج وإوز وعصافير وغيرها. وكان معمل الفروج للتفريخ الصناعي هو المُورِّد لمعظم الدجاج الموجود في مصر، أما فراخ الحمام، فكان يوفرها الفلاحون الذين كان يبنون أبراج الحمام من أجل أن يبيض الحمام البري ويفقس فيها.

عندما تمَّ حظر الملوخية والقلقاس – لعبت الطائفية دورًا في تقييد النظام الغذائي للمصريين في أثناء فترة حكم الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (ت 1021) الذي كان ينتمي إلى المذهب الشيعي الإسماعيلي، واتسمت فترة حكمه بالاستبداد وغرابة الأطوار. فقد منع الناس، على سبيل المثال، من تناول الملوخية المُحبَّبة إليهم؛ لأنها كانت من الأكلات المفضَّلة للخليفة الأموي معاوية (ت 680). كما حظر صِنفًا شهيرًا كان يُطهى بالقلقاس ويسمى بالمتوكلية؛ لأنه سُمِّيَ باسم الخليفة العباسي المتوكل (ت 861) الذي كان سُنيًّا. ولكن بعد وفاة الحاكم بأمر الله، عاود المصريون تناول أطعمتهم المُفضَّلة، واتخذت المتوكلية اسمًا آخرَ هو: ست الشنع (أفضل الأطعمة المُفترى عليها).

رسم-ماجد السكري

لكن أحد الجوانب الحيوية لثقافة الطعام التي تطورت في مصر وقتئذ كان تطوير نظام نشط للتفتيش على السوق مع وجود ضوابط تتعلق بالتداول الآمن للطعام وكشف الغشاشين والمُدلِّسين، وكان هناك تركيز على النظافة الشخصية. وكان على العجانين تحديدًا حلاقة شعر أيديهم وارتداء ملابس ذات أكمام محكمة. كما كان عليهم تغطية أفواههم وأنوفهم بالأوشحة خوفًا من أن يعطسوا أو يسعلوا فينتهي المطاف بلعابهم ومخاطهم في العجين. كما كان عليهم ارتداء عِصابات الرأس لتجنُّب تساقط عرقهم في العجين. وفي أثناء فترة النهار، كان لابد لآخرين أن يقفوا إلى جانبهم حاملين مراوح يدوية لهشِّ الذباب بعيدًا.

وقد اعتمد معظم سكان المدينة على الخدمات التي تقدِّمها أسواق الطعام إما جزئيًّا وإما كليًّا. أما بالنسبة إلى من كانت مطابخهم صغيرة، فربما كان الخيار المفضَّل هو خلط مكونات الطبق معًا في طاجن؛ ومن ثم إرساله للفرن. إما ذلك وإما أنهم كانوا يلجئون للشرائحي؛ الطاهي المحترف الذي كان يطبخ الأطباق بالمقادير اللازمة التي يحضرها له زبائنه. أما من كانوا يعيشون في وحدات مستأجرة في المجمعات السكنية متعددة الطوابق التي ميزت الظروف المعيشية لمنخفضي الدخل، فقد كان خيارهم الوحيد هو الانتفاع بالخدمات التي تقدمها المطاعم وأكشاك الطعام شديدة التنوع. وكان هناك “الهرائسيون”؛ صانعو الهريسة، و”الشواؤون”، و”القلاؤون”؛ من يقلون اللحم والسمك والزلابية، وغيرهم كثير. وكان الخوف من التسبب في الحرائق في مراكز المدينة المكتظة دائمًا بالأهالي هو أحد العوامل الرئيسية لمثل هذه الظروف، بالإضافة إلى التكلفة المرتفعة للوقود.

في المطبخ

كان الطبخ في مطابخ بيوت العصور الوسطى في المراكز الحضرية المصرية عادةً ما يتمُّ في البيوت الثرية أو في الضواحي؛ حيث كانت المطابخ مهيأة جيدًا وكانت المياه النظيفة متاحة بوفرة ويُسر.

ويعرض “كنز الفوائد” الذي يزخر بأكثر من 820 وصفة لظروف البيوت؛ حيث كانت الكثير من الأيادي تشارك في العمل لتحضير الأطباق التي تتطلب مهمات متعددة مثل الدقّ والنخل والهرس والتقليب والعصر ومراقبة النار، وهكذا. وكان الطهي الجيد يتطلب استخدام عدة أنواع من السكاكين: ساطور لشطر العظام، وآخر قوي لفصل اللحم عن المفاصل، وآخر رفيع وحاد للغاية لتقطيع اللحم إلى شرائح، وسكين ولوح منفصليْن لتقطيع البصل والثوم.

ولأغراض الطبخ والخبز، كان الموقد يستخدم إلى جانب التنور أو الفرن المبني خارج المطبخ. وكان التنور عبارة عن فرن طيني ثابت على شكل جرس مفتوح من الأعلى. بالإضافة إلى خبز أنواع الخبز المبططة عن طريق لصقها على جوانبه الداخلية المسخنة؛ حيث كان يستخدم أيضًا لشواء اللحم، أو لطبخ قدور البقوليات في حرارته المتبقية. أما الفرن، فكان عبارة عن قبة من الطوب بفتحة أمامية وأرضية مسطحة، يأتي وقودها من جزء منفصل تحتها. إما ذلك وإما كان الوقود يحرق على أرضية الفرن نفسها، وعندما تسخن، يزال الرماد ويبدأ الخبز. وكان الفرن يستخدم لإعداد الخبز ولخبز صاج الكعك بالإضافة إلى مهام أخرى أكثر بساطة. فكان فرن الحي أيضًا يستخدم لإعداد السمك على وجه التحديد.

لكن التوابل والأعشاب كانت تستخدم في جميع الأطباق التي كان كل منها يتطلب خلطة وتتبيلة خاصة به. ولكن ما يلفت النظر هنا هو استخدام علك المستكة (أو المُصْطكاء كما كانت تُلفظ) في جميع أطباق اللحوم. وقد يُعزى المنطق وراء هذه الممارسة المطبخية، والتي هي مصرية قلبًا وقالَبًا بالفعل، إلى رائحة الزفر القوية للحوم المحلية، وقدرة المستكة على طرد العفن الذي اشتهرت به مصر نتيجة لطبيعة هوائها ومناخها، كما أقرَّ أطباء تلك الفترة.

وبالإضافة إلى الأطباق المألوفة، فإن بعض الوصفات كانت تجهيزات لمؤن المسافرين، مثل مشروب السكر والليمون. كما كان الهدف من بعض الوصفات الترويح عن المرضى، والبعض الآخر علاج الغثيان، وأخرى مهضمات. وكانت جميعها مسئولية طاهي المنزل. لكن المصريين مثل بقية العالم الإسلامي القروسطي من حولهم، يؤمنون بالقوى الشفائية للأطعمة، وفقًا للنظرية الجالينوسية التي تقول ببساطة إن مفتاح التمتع بصحة جيدة يكمن في الاحتفاظ بتوازن أخلاط الجسد، بلا إفراط ولا تفريط.. وكانت حالات انعدام التوازن تعالج بموازنة مقابلة بالمواد الغذائية. على سبيل المثال، كان يُسرَّى عن المحموم بالأطعمة المشتملة على القرع نظرًا إلى خواصه الباردة.

كما تشيع في “كنز الفوائد” بعض المزاعم المتكررة بشأن تحسين أطباق بعينها للنكاح (الباه) وتنشيطه. وذلك أمر كان مألوفًا نظرًا إلى أن أحد مبادئ النظرية الجالينوسية المذكورة آنفًا تنصُّ على أن سلامة هذا الجانب من الوظائف الجسدية ضرورية من أجل سلامة الجسد بأكمله. على كل حال، سواء كان المستهدف هو الأمور الصحية أو غيرها، فإن وصفات الأطعمة المقوية للشهوة كانت رائجة ومرغوبة لأبعد حدٍّ، وكان كنز الفوائد يزخر بها.

وصفة مضمونة للمتملقين – إذا أردت أن تكتب كلمات باللون الأخضر على التفاح أو البرتقال الحامض (النارنج) أو الأُتْرُنْج؛ بحيث تظهر بشكل جميل عند تقديمها في أطباق الفاكهة “من أجل أن تنال حظوة سيدك”، فامزج الحجر الجيري (الكلس) بالمُغْرَة والخل، ثم اكتب بهذا المزيج على الفواكه وهي ما زالت خضراء على الشجر. عند نضوج الفاكهة تمامًا، امسحْ ما كتبته عليها. ليظهر مكان الكتابة باللون الأخضر، بينما تظهر باقي ثمرة الأترنج، أو أي ثمرة أخرى استخدمتها، باللون الأصفر.

رسم ماجد السكري

بالإضافة إلى ذلك، فإن أحد الأنظمة الحيوية للحفاظ على السلامة كانت النظافة الشخصية. وتوجد بكنز الفوائدوصفات وتوصيات للخلال ذات الجودة في تنظيف ما بين الأسنان، والتحضيرات العطرية لغسيل الأيدي بالأُشنان والصابون. أضف إلى ذلك التحضيرات العطرية المتعددة التي تتراوح بين الزيوت المعطرة والأدهان المبخرة ومزيلات العرق وحبوب تعطير الفم والمياه المقطرة والمساحيق المعطرة.  ولم تكن العطور تقدر بناءً على طيب روائحها وحسب، ولكن أيضًا لخواصها العلاجية والمطهرة، مثل تنقية الهواء وتصفية الذهن وتحسين المزاج. وأيضًا لممارسة الحيل، فعلى سبيل المثال، توجه إحدى الوصفات مستخدمها لتحضير قطعة من القطن المغموس في المسك وماء الورد في بيته، وبعدها:

فإذا وصلت للحمام مع من أردت، فاجعل القطنة في مزرات الماء واصلب عليها عودًا حتى لا تقع القطنة، فإن الماء [في الحوض] يصير ماء ورد، وكل من يغسل في الحمام من ذلك الحوض لا يشك أنه ماء ورد.

نموذج للأداة المصرية القديمة المسماة بالـ”مفراك”. – كنز الفوائد” هو المصدر الوحيد من القرون الوسطى الذي ذكرت في إحدى وصفاته أداة التقليب المسماة بالمفراك. وما زالت هذه الآلة تستخدم إلى يومنا هذا في جنوب مصر وفي السودان؛ لخلط أطباق الويكا (البامية) ولخفق حساء الملوخية التقليدي، وتستخدم عن طريق فرك مقبضها بين راحتي اليد. وقد عثر على أداة مماثلة تنتمي إلى الفترة الإغريقية الرومانية في أثناء التنقيب في مصر.

تصوير كريستوف جريك- من متحف مكتبة الأسكندرية

الماضي والحاضر

إن ظهور مطبخ متنوع ومتطور في مصر في القرون الوسطى لهو أمر يتجلى أكثر ما يتجلى في كتاب “كنز الفوائد” مجهول المؤلف. وهو حتى الآن كتاب الطهي الوحيد المتبقي من تلك الحقبة وآخر كتب الطهي الرئيسية من المنطقة العربية الإسلامية قبل صعود العثمانيين للسلطة وانتقال دائرة الضوء إلى المطابخ الإسطنبولية والغربية.

ولكن على الرغم من ذلك، استمرَّ التراث المطبخي المصري. على سبيل المثال، ولم يزل الخلاط الخشبي البسيط المسمى “المِفراك” والمذكور في إحدى وصفات كنز الفوائد يستخدم إلى يومنا هذا في جنوب مصر وفي السودان لخلط أطباق الويكا (البامية) ولخفق حساء الملوخية التقليدي. ويمكن تتبع تاريخ المِفراك إلى ما هو أبعد من ذلك: حيث عثر على أداة مماثلة تنتمي إلى الفترة الإغريقية الرومانية في أثناء التنقيب في مصر. ولكن ربما لا يوجد ما يجسد أقدمية المطبخ المصري بعبقرية أكثر من الأطباق التقليدية التي لم نزل نستمتع بها حتى اليوم، مثل الملوخية والفول والبامية والقلقاس والمشروبات مثل السوبيا وغير ذلك كثير.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩