شهدت السينما المصرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مرحلة غير مسبوقة من النضج والتطور الفكري على يد جيل من المخرجين الذين سيكون لهم شأن كبير فيما بعد

الشائع في معظم الكتابات حول تاريخ السينما المصرية، أن الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وحتى قيام ثورة 1952، سادت فيها ما يمكن أن نطلق عليه – باستخدام مصطلحات صُكّت لاحقا – “أفلام المقاولات”، حين دخل إلى صناعة السينما عدد من “أثرياء الحرب”، بأموالهم التي كسبوها من أزمة اقتصادية عصفت بالوطن، وعبر عنها فيلم كامل التلمساني “السوق السوداء” (1945)، لكن الحقيقة أن الأمر كان على العكس تماما، فقد كانت تلك هي الفترة التي عرفت فيها السينما المصرية طريقها إلى أنماط جديدة، ليس على طريقة المسرح كما كانت في المرحلة السابقة، كما لم تكن تقليدا لأنماط هوليوودية، وكان ذلك بسبب هجرة عدد كبير من الفنانين والفنيين الأجانب، الذين كانوا يمثلون تأثيرا قويا في صناعة السينما، وحل مكانهم فنانون مصريون، وجدوا أن عليهم تقديم صياغة جديدة لهذه السينما، شكلا ومضمونا.

جاء فيلم “السوق السوداء” في بداية هذه الفترة، ليقتحم “موضوعا” معاصرا ومحليا، وهو ما يُحسب له بالتأكيد، لكنه كان من ناحية “الشكل” ما يزال أسيرا لأسلوب التعبيرية الألمانية، لذلك بدا أن هناك تناقضا واضحا بين الشكل التعبيرى والمضمون الواقعي، مما أدى إلى اضطراب في سرده، ومبالغة في أدائه، فانصرف عنه الجمهور، وبدا أن ذلك درس على صناع السينما المصرية استيعابه، أولا بالبحث عن أشكال ذات مذاق مصري خاص، وثانيا بالعناية في وضوح السرد، وهو الأمر الذي كان الدافع الرئيسي لهذا العدد الوافر من الأفلام التي أنتجت في تلك الفترة، وقفز إلى أضعاف ما كان عليه في الفترة السابقة، بخمسين فيلما كل عام في المتوسط (ولتقارن ذلك بحال السينما المصرية خلال العقد الأخير من عصرنا، إذ لا يتجاوز إنتاجها رقم الثلاثين، رغم أن عدد السكان أصبح حوالي ستة أضعاف ما كان عليه!).

 البحث عن صيغة مصرية

يمكنك أن تجد مثالا واضحا على الطريق الذي سارت فيه السينما لكي تصل إلى صيغ مصرية، إذا تأملت مسيرة المخرج صلاح أبو سيف، فقد بدأ باقتباس ميلودرامي لحبكة الفيلم الأمريكي “جسر ووترلو”، لكي يصنع فيلمه الأول “دايما في قلبي” (1946)، بينما كان قريبا إلى حد كبير من إتقانه للتفاصيل المصرية الواقعية في “الأسطى حسن” (عرض في يونيو 1952)، الذي لا يخلو أيضا بالتأكيد من الميلودراما، ولكن بمذاق لاذع يختلف عن رومانسية “دايما في قلبي”، ويقترب من ذوق المتفرج المصري، لكن الأهم هو أنه استطاع توظيف هذا الشكل من أجل مضمون نقدي حاد للواقع، إذ يصور عالمين لا يفصل بينهما إلا جسر قصير، لكن شتان بينهما، فالعالم الأول هو حي بولاق الشعبي الذي يحتضن الفقراء، وعلى الضفة الأخرى يقطن الأغنياء في حي الزمالك. ورغم أن الفيلم قد ينضوي تحت الأفلام التي تحتفي بنبل الفقراء وغدر الأغنياء (وهي رسالة تقوم بشكل غير واعٍ بالإيحاء للمتفرج بالرضا بحاله)، فإنه أيضا يعتبر رسالة تحذير قوية من هذا التفاوت الطبقي، وهي الرسالة التي ترددت كثيرا في أفلام أبو سيف التالية.

لكن الأقوى تأثيرا في مسار السينما المصرية آنذاك لم تكن الأفلام ذات الصبغة السياسية الصريحة، وإنما تلك التي تعرف تماما أن هدفها الأساسي هو الترفيه (وإن لم تخلُ أبدا من ظلال اجتماعية ضمنية أو مستترة)، وكان ذلك بسبب أنها الفترة التي اتسعت فيها رقعة المتفرجين، لتشمل شرائح من الطبقة الوسطى، التي وجدت في السينما وسيلة ترفيه مناسبة، خاصة مع زيادة متسارعة في أعداد دور العرض، التي لم تعد مقتصرة على الدور الفاخرة في الأحياء الراقية، بل امتدت إلى الأحياء الشعبية والمدن الصغيرة، مما كان يمثل إمكانية بالغة الأهمية في استمرار حصد الأرباح وصناعة أفلام جديدة، حين كانت الأفلام تدور في مستويات مختلفة من دور العرض، حتى تصل إلى ما يسمى “سينما الترسو” أو الدرجة الثالثة، التي شكلت – رغم رخص قيمة تذكرة الدخول – جزءا كبيرا من إيرادات شباك التذاكر.

 تنويعات متباينة

من بين مخرجي سينما الترفيه الشعبية آنذاك جاء أنور وجدي، الذي كان “رجل سينما” بحق، فهو منتج ومخرج وكاتب سيناريو وممثل، وكانت موهبته الرئيسية هي إتقانه لصنع “توليفة” إنتاجية ناجحة، تجمع بين فنون الفرجة من المطاردات والمعارك والغناء والرقص، مع “حدوتة” ميلودرامية يتصالح فيها الفقير عادة مع واقعه، أو تزول الفوارق بين الطبقات بمصادفة ميلودرامية مفاجئة. وتمثلت مهارته الإنتاجية تلك في استثماره لموهبة ليلى مراد الغنائية في سلسلة متنوعة من الأفلام، أو اكتشافه للطفلة فيروز التي تجيد رغم صغر سنها فنون الاستعراض، أو الجمع بين فريق تمثيل يندر تحقيقه كما في “غزل البنات” (1949)، الذي لم يقدم فقط نجيب الريحاني، بل أيضا ممثلين كبارا مثل سليمان نجيب ويوسف وهبي، بالإضافة للمطرب والملحن الشهير محمد عبد الوهاب.

على جانب آخر من الفرجة الشعبية تأتي أفلام عباس كامل، التي قد تعتمد على الحدوتة البسيطة الساذجة، وربما تعمد أحيانا إلى االاقتباس عن المسرحيات الأجنبية المتواضعة، لكنك لا تخطئ في أفلامه أبدا اقترابه من روح المسرح الشعبي، الذي يذكرك بفن الأراجوز أو خيال الظل. (لم يكن غريبا أن يصنع عباس كامل في المرحلة التالية فيلما كاملا بعرائس “الحلاوة” في فيلم “عروسة المولد – 1955”). لقد انعكس ذلك على صورة البطل في أفلامه، فهو مثلا صانع احذية في “منديل الحلو” (1949)، أو نجار في “شباك حبيبي” (1951)، أو بائع جرائد في “خبر أبيض” (1951)، كما استعان بنوعية جديدة من النجوم الذين يختلفون عن مظهر “فتى الشاشة” التقليدي، الذي يحاكي ممثلي هوليوود، وإنما كانوا مطربين شعبيين مثل عبد العزيز محمود وكارم محمود. والغريب أن أفلام عباس كامل آنذاك، في أربعينيات القرن العشرين، كانت تحتوي على لمسات “ما بعد حداثية”، قبل أن تولد ما بعد الحداثة، إذ كان يسخر كثيرا داخل الفيلم ذاته من حبكة الفيلم الساذجة، أو من منتجي السينما الجدد الذين لا يتمتعون بأي حس فني!

 رومانسية وكوميديا ومغامرات وغناء

على النقيض، يظهر على الساحة عز الدين ذو الفقار بفيلمه “أسير الظلام” (1947)، وكأنه تجسيد للنزعة الرومانسية في الرواية المصرية منذ المنفلوطي وحتى عبد الحليم عبد الله، تلك النزعة التي تخفي تحت طبقات من العواطف الحارقة حسا اجتماعيا مستترا، يعلن عن رفض الظلم والقهر، وإن ارتدى ثوبا من تناقضات القدر، لكنه كان يفصح على نحو ما عن إحساس بعدم الاطمئنان في هذا العالم الذي يسوده القلق.

وربما كانت بداية فطين عبد الوهاب بفيلم “نادية” (1949) قريبة من تلك النزعة الرومانسية، لكنه سرعان ما سوف ينتقل إلى الكوميديا الاجتماعية بفيلمه “الأستاذة فاطمة” (1952)، وهو الأسلوب الذي سوف يكون إحدى العلامات المميزة لهذا المخرج، الذي برع على نحو خاص في المزج بين خفة الظل والتعليق الاجتماعي الساخر، الذي يتجلى في هذا الفيلم في قضية المساواة بين الرجل والمرأة.

أما هنري بركات فقد كان يمثل نزعة “حِرَفية” متميزة، بانتقاله بين الأنماط الفيلمية بنفس البراعة، إذ كان له الفضل في التأكيد على صورة بطل الطبقة الوسطى الحالم، الضائع دائما بين ظروفه الصعبة وفروسيته النبيلة، على النحو الذي جسده الممثل عماد حمدي طوال العقد التالي، وبدأه مع فيلم بركات “سجى الليل” (1949). وينتقل بركات إلى الكوميديا في “معلش يا زهر” (1950) الذي كشف عن الموهبة الكوميدية للفنان زكي رستم، وكان من قبله متخصصا في الأدوار الميلودرامية والمأساوية. كما يقدم بركات “أمير الانتقام” (1950) الذي سوف يصبح نموذجا مصريا خالصا لأفلام الفروسية والمغامرات، بابتعاده عن المصدر الأجنبي الذي اقتبس عنه “الكونت دي مونت كريستو”، بقدر اقترابه من روح السير الشعبية وعالم “ألف ليلة وليلة”، ناهيك عن أن بركات قدم العديد من الأفلام الغنائية لعدد غير قليل من المطربين المشهورين، مثل محمد فوزي وفريد الأطرش وليلى مراد وسعاد محمد. 

 ميلاد مخرجي المستقبل

قد يثير الدهشة أن ينضج في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية أسلوب شيخ المخرجين آنذاك محمد كريم، مع فيلم “زينب” (1952)، الذي يدور في عالم الريف وإن ظل يحمل بصمة المخرج الرومانسية، وكان قد سبق له إخراجه عام 1930، لكنه تخلص هنا من سذاجة أفلامه الأولى ذات الطابع “البدائي” نسبيا، وهو الذي كان له في المراحل السابقة الفضل في تزويد صناعة السينما بأفلام يرى فيها الجمهور المطرب والملحن الأشهر محمد عبد الوهاب.

ولعل الظاهرة الأهم خلال تلك الفترة هي ميلاد مخرجين سوف يُثرون السينما المصرية بأفلامهم طوال العقود التالية، وكان لكل منهم طريق مختلف. كان الأول هو حسن الإمام بفيلمه “ملائكة من جهنم” (1947) ثم “اليتيمتين” (1948)، و”ظلموني الناس” و”حكم القوي” و”أنا بنت ناس” (1950)، وهي أفلام تعتمد في جوهرها على مزيج من الميلودراما الفرنسية والمسرح الشعبي في وقت واحد، وهي بذلك لم تكن مجرد اقتباس، وإنما كانت فهما واستيعابا لجوهر الميلودراما، التي تلعب على وتر التناقضات الصارخة في الحياة، كما تنحاز إلى الفقراء والضعفاء والمنبوذين. (من بين الشخصيات الأثيرة عند الإمام شخصية العاهرة، التي لا يراها خاطئة بقدر خطأ المجتمع الذي قادها إلى هذا الطريق).

على الجانب الآخر يبدأ يوسف شاهين رحلته الفنية بفيلم “بابا أمين” (1950) ثم “ابن النيل” (1951)، كما بدأ كمال الشيخ بفيلمه “المنزل رقم 13” (1952)، وهي أفلام قد لا تتمتع بنفس المذاق الشعبي والجماهيري الذي تمتعت به أفلام صلاح أبو سيف أو حسن الإمام، لكن كانت لدى هذين المخرجين الشابين نزعة واضحة لاكتشاف أشكال فنية جديدة، قادرة على الكشف عن أعماق النفس البشرية، لكنها ليست النفس الرومانسية المغتربة عن واقعها وتختفي داخل ذاتها كما في أفلام عز الدين ذو الفقار، وإنما النفس التي تعاني من التمزق والتشتت وعدم اليقين، أو قل اغتراب الذات عن نفسها، كما لو كانت تعاني انقساما حادا وصراعا داخليا، وهو ما تلاءم مع الأسلوب الذي يتخلى عن طرق السرد التقليدية، ويميل إلى القفز في الزمان والمكان، لكن سرعان ما سوف يفترق طريق كل مخرج منهما، فتأتي معظم أفلام يوسف شاهين ترجمة مراوغة أو صريحة لعالمه الذاتي الخاص، بينما اتجه كمال الشيخ إلى أفلام التشويق البوليسي التي لا تخلو أحيانا من حس اجتماعي.

إلى جانب هؤلاء استمر آخرون في إتقان أنماطهم الفيلمية، مثل نيازي مصطفى وأفلام المغامرات التي تحولت في العقد التالي إلى عالم “الفتوات”، أو أحمد كامل مرسي بالأفلام التي تميل إلى المناظرة والحوار بين الأفكار، أو ابراهيم عمارة وحسين صدقي بأفلام الوعظ الاجتماعي والوطني. بل إن بعض الأفلام التي تتناول قضايا سياسية صريحة أو رمزية وجدت طريقها للنور، مثل “مسمار جحا” (1952) لابراهيم عمارة، وفيلم أحمد بدرخان “مصطفى كامل” الذي منعته الرقابة ولم يعرض إلا في يونيو 1952، وفيلم سيف الدين شوكت الطريف “عنتر ولبلب” (1952) حول صراع بين ابن الحارة شكوكو والفتوة الدخيل سراج منير، بينما تظهر في الخلفية دائما لافتة تقول صراحة “مقهى الجلاء”.

لذلك كله لم تكن الفترة القصيرة التي تلت الحرب العالمية الثانية إلا سنوات نضوج السينما المصرية على مهل، وتواكبت مع حركات سياسية تراوحت بين اليمين واليسار، وشهدت مظاهرات الطلبة والعمال، وكأنها المخاض الذي أسفر عن عصر جديد، بدأ مع يوليو 1952، لكنه لم يكن أبدا عصرا ولد فجأة، فقد كان يمثل الفجر الذي أتي بعد ليل طويل.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٩ ،

الأكثر قراءة

أرشيف الفيلم المصري
حكاية إهمال.. مثابرة.. وشغف

جولة في أرشيف السينما المصرية، الذي يكاد لا يكون موجوداً، تصحبنا فيها مسؤولة أرشيف "“سيماتك”"؛ مركز الفيلم البديل بوسط القاهرة، ومساحة تحتفي بتنوع وجمال وقوة الأفلام المحلية والعالمية.

رواية لم تكتمل
الأفلام التسجيلية المصرية في الفترة من 1912 إلى 1980

مشروع قومي تأثر بالأجواء والتوجهات السياسية ولم يحظ بالنجاح المطلوب رغم دعم الدولة له.

الرقص والراقصات في السينما المصرية

على الرغم من صعوبة تقبل المجتمع لمهنة الراقصين، ألا ان هذا المجتمع نفسه مولع بالرقص والإستعراض حتى ان الفيلم الذي يخلو منهما غالباً ما يفشل جماهيرياً

آفاق جديدة

تدين السينما المصرية بالكثير لمخرجين طموحين تمردوا على قاعدة "الجمهور عاوز كده"

سينما بديلة، من إنتاج الدولة
في يوم من الأيام..

رغم عدم استمرارها، كانت المؤسسة المصرية العامة للسينما، بما أنتجته من أعمال هامة، مثالاً لأهمية دور الدولة في دعم السينما الغير تجارية.


Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qpixweb4/public_html/rawi-magazine.com/wp-content/themes/qpix/single-articles.php on line 1015