بقلم ياسمين دسوقي
ترجمة محمد عثمان

جولة في أرشيف السينما المصرية، الذي يكاد لا يكون موجوداً، تصحبنا فيها مسؤولة أرشيف "“سيماتك”"؛ مركز الفيلم البديل بوسط القاهرة، ومساحة تحتفي بتنوع وجمال وقوة الأفلام المحلية والعالمية.

في أواخر عشرينيات القرن الماضي، قررت فاطمة رشدي، واحدة من أوائل نجمات المسرح المصري، أن تنتقل بفنها إلى الشاشة الفضية. وبينما كانت على وشك إطلاق فيلمها الثاني، “تحت سماء مصر” (1928)، قاطع النقاد والجمهور عملها السابق، “فاجعة  فوق الهرم” (الذي أنتج أيضاً في أوائل العام 1928). وشعرت الممثلة بالإهانة، خاصة وأنها منتجة الفيلم، وأقدمت على حرق جميع نسخ الفيلم الموجودة. وفي هذه الحالة، كان الغرور سبباً في أن نفقد كنزاً من كنوز تاريخ السينما المصرية، ولكن أسباب افتقار مصر إلى أرشيف سينمائي شامل أكثر تعقيداً من هذا المثال البسيط.

خسارة قالب فني

يؤرخون لتاريخ ميلاد صناعة السينما المصرية بقصة غير موثقة لمشاهد قام ممثلو الأخوان لوميير بعرضها في بورصة طوسون باشا للأوراق المالية في نوفمبر 1896. وأمام جمهور الطبقة المخملية في الإسكندرية، عندما عرض ألكسندر بروميو (أحد أبرز ممثلي شركة لوميير) فيلماً سينمائياً من خلال جهاز عرض يعمل يدوياً، وتوالت اللقطات على الشاشة تتابعها أعين النخبة المذهولة. وكان الأمر كما لو أن ساحراً قد نقل بطرفة عين مصانع وحدائق ليون الفرنسية، لتعبر آلاف الكيلومترات قبل أن تحط على شاشة بيضاء في الإسكندرية المصرية.

وبعد فترة وجيزة من هذا العرض الأول في الإسكندرية، أقيم عرض مماثل في القاهرة، لتكون بداية موجة أولى من شركات الإنتاج والتوزيع في البلاد. وأنتجت مجموعة من الأفلام الصامتة، لكن الأفلام المصرية لم تكتسب شهرتها إلا عندما نطقت السينما. وفيما بين عامي 1930 و 1936 تم إنتاج أكثر من 44 فيلماً. ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يؤلم كل محب للسينما: أين ذهبت تلك الأعمال؟

الواقع المحزن هو أن معظم الأفلام المصرية التي أنتجت خلال النصف الأول من العصر الذهبي للصناعة ضاعت أو تضررت إلى حد يستحيل معه استعادتها. ربما يتعثر الباحثون عن الكنوز القديمة في سوق شعبية ما على نسخة لفيلم من أفلام إسماعيل ياسين مدفونة تحت كومة من الساعات المهشمة وأجهزة الراديو المعطوبة ولكن يندر أن يعثر على نسخة نيجاتيف – التي هي مبتغى كل خبير في حفظ التراث السينمائي. وقد اعتاد تجار العاديات والروبابيكيا إذابة بكرات السيلولويد، الأشرطة السينمائية القديمة، لاستخلاص الفضة. أما القليل الذي نجا فقد استقر لدى هواة جمع النوادر من الأفراد غير المعروفين أو وجد سبيلاً إلى أرشيف جهات أجنبية (معظمها أوروبية).

أرشيف وكالة بهنا:

أسس شركة أفلام بهنا ميشيل وجورج بهنا، وهما شقيقان من حلب، وكانت واحدة من أكبر الشركات في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين. وبعد إنتاج فيلم “أنشودة الفؤاد” في عام 1932 (وهو ثاني فيلم ناطق بمصر)، وكذلك “مشمش أفندي”، أول فيلم رسوم متحركة (1936)، انتقل الأخوان بهنا سريعاً إلى نشاط التوزيع. وسرعان ما أصبحا الموزعين الرئيسيين للفيلم المصري في العالم العربي، وامتلكا مقاراً في الإسكندرية والقاهرة وبغداد والخرطوم وبيروت ودمشق. وكان العصر الذهبي للشركة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، لكن حالها تدهور في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1961، تأممت الشركة التي كانت على شفا الإفلاس. وفي عام 1978، عادت ملكية الشركة إلى عائلة بهنا، وبعد سنوات من الدعاوى القضائية لترتيب اوضاعها المالية، استعاد وريثا الشركة، بازيل وشقيقته ماري كلود ملكيتها في عام 2010.

شرع الشقيقان، اللذان يجمع بينهما الشغف بالتراث الفوتوغرافي، في إكمال أرشيف شركة العائلة وحفظ أكبر عدد ممكن من الوثائق. وفي عام 2000، وأثناء البحث في مقر الشركة بالإسكندرية، عثرت ماري كلود على إيصال قديم من استوديوهات “إكلير” في باريس. تتبعت مصدر الإيصال، واكتشفت أنه يخص شريط صوت فيلم “أنشودة الفؤاد”، الذي تم تصويره في مصر ولكن تم تسجيل الصوت في باريس. وهكذا تقدمت بالإيصال إلى المركز الوطني للسينما في فرنسا، وتمكنت من الحصول على نسخة من الفيلم. وبعد أن أدركا القيمة التاريخية لهذه القطعة من التاريخ السينمائي المصري، قاما بعرض الفيلم في العديد من المهرجانات السينمائية.

قرر ايضاُ الشقيقان اتاحة “وكالة بهنا” لدعم صانعي الأفلام والباحثين المصريين الشباب من خلال تحويل مقر أفلام بهنا المكون من 12 غرفة إلى مساحة فنية ومركز لصانعي الأفلام المستقلين بالتعاون مع “مؤسسة جدران للفنون والتنمية”، وهي جمعية اهلية مقرها الإسكندرية. كما أن أرشيف الوكالة المؤلف من 1200 صورة ووثيقة وملصق دعائي متاح الآن للباحثين المهتمين بدراسة تاريخ مصر السينمائي.

تصوير حسام علوان

حراس القديم

إن الأسباب التاريخية وراء افتقاد مصر لرصيد أرشيفي يعتد به لتاريخها السينمائي العريق أشد تعقيداً مما تبدو عليه. ففي حين أن مثال غرور فاطمة رشدي الذي ذكرناه تكرر مع غيرها في بعض الأحيان، إلا أن الإهمال ومحدودية الخيال هما الملومان في أغلب الأحيان.

ولنفهم الوضع بصورة صحيحة ينبغي علينا أن نستعرض الحالة المزرية للأرشيف السينمائي في مصر ضمن السياق الأوسع لجهود الأرشفة التي تبذلها الدولة، فالدولة تمتلك مستودعان رئيسيان للمواد التاريخية وهما: الأرشيف الوطني (دار الوثائق) والمكتبة الوطنية (دار الكتب)، وتكمل مكتبة الإسكندرية أنشطتهما لامتلاكها أدوات أفضل. ولكن تعاني الثلاث جهات من نفس المشاكل الإدارية والمالية؛ سوء فهم عام لقيمة السجلات يسيطر على العملية برمتها، فالتركيز كله ينصب على كيفية الوصول إلي تلك المواد وليس على أفضل الوسائل للفهرسة والتخزين والحفظ، من يسمح له بمطالعة الأرشيف؟ وبأي صفة؟ تلك الأسئلة التي تجبر الباحثين المحتملين على الوقوع في متاهة من التصاريح البيروقراطية تؤدي بهم إلي طرق مسدودة تختفي فيها الأعمال الفنية، ولا يمكنك أن تحدد هل فقدت أم أن الدولة قد منعت الاطلاع عليها! يعرف الأرشيف بالأساس بالطرق التي تساعد على تشكيل الهوية الوطنية، ولذلك فإن التحكم بطريقة تفسيره يكتسب أهمية قومية.

 الأفلام المصرية لم تكتسب شهرتها إلا عندما نطقت السينما. وفيما بين عامي 1930 و 1936 تم إنتاج أكثر من 44 فيلماً. ومع ذلك، يبقى السؤال الذي يؤلم كل محب للسينما: أين ذهبت تلك الأعمال؟

كونت كل مؤسسة من تلك المؤسسات الرئيسية بدرجات متفاوتة من النجاح جمهوراً لأرشيفها الخاص، ومما لا شك فيه أن أرشيف تلك المؤسسات لا يقدر بثمن إلا أن الأسلوب الذي يتبعوه يخلف الكثير وراءه. عند مناقشة الأرشفة في أي مكان في العالم يظهر الغبار بصورة متكررة ، لكن مصر تحتفظ بالنصيب الأكبر منه. سواء كان الحديث حول أوراق الحقبة العثمانية القيمة المحفوظة في دار الكتب، أو تلك الأفلام الموجودة في مركز السينما المصري، أو حتى الأسواق المتشابكة في المناطق الشعبية، يبقى الغبار هو العدو والعامل المشترك بينهم، وكأنها نزعة خاصة نحو الفوضى! فحينما تجد بعض العناصر التي فهرست وحفظت بشكل صحيح فأعلم أن هذا هو الاستثناء وليس الأساس.

وبقدر ما يبعث هذا الواقع على الإحباط إلا أنه مفهوم جداً بالنظر إلي نقص التمويل والتدريب. فعلى المستوى الإنساني ينظر إلي وظيفة أمين الأرشيف أو المسئول عن المكتبة نظرة دونية تتمثل في “أمين المكتبة” التي تشير إلي شيء أقرب إلي أمين المستودع، وهي التسمية التي تختلط في الذهن الشعبي مع دور أمين الأرشيف. وتستخدم هذه التسمية في الكثير من الأوقات للإهانة، حيث أنها وظيفة لا تتطلب أي مهارة وكل ما تحتاجه هو المعرفة المبدئية للقراءة والكتابة. وعلى الرغم من وجود تخصص دراسي جامعي باسم (وثائق ومكتبات) توفره جامعة عين شمس- وهو ما ينبغي أن يساعد في الحد من هذ الفهم الخاطئ- إلا أن مجال الأرشفة والحفظ لازال بلا أهمية لا سيما في بلد يئن من المتاعب المادية وفي حالة صراع دائم لتحديد هويته الثقافية.

قطع الأحجية

وضمن هذا الإطار الواسع توجد كيانات مختلفة حاولت تاريخياً الحفاظ على السينما للأجيال القادمة، ولعل التطور الأبرز والأقدم كان عند افتتاح ستوديو مصر عام 1935، والذي أسسه رائد الاقتصاد والصناعة البارز طلعت حرب. حيث امتلكت شركته وسائل حفظ متقدمة بمقاييس عصرها واحتفظت بنسخ للأفلام الإخبارية والطويلة.

إلا أن طرق الحفظ عالمياً كانت قيد التطوير، ولم يحافظ كل منتج على نسخة جانبية في مخزن للاحتفاظ بيها. قليلون هم الذين رأوا أن هذا الاختراع الجديد سيصبح أداة حيوية في توثيق الحياة الحديثة، ناهيك عن أنه سيصبح فن في حد ذاته. كان المعتاد هو طبع نسختين أصليتين أو أكثر من كل فيلم وإرسالهم إلي عارضي الأفلام لعرضها على الجمهور. ففكرة حفظ النيجاتيف- نسخة إضافية- أو تتبع المكان النهائي للنسخ بعد توزيعها لم تكن قد طبقت، فالسينما كانت في نظر الكثيرين مجرد ترفيه لا قيمة له ولم تكن مصر استثناء لتلك النظرة. علاوة على ذلك، كثير من الأفلام الأقدم صورت على شرائط  يدخل في تكوينها مادة النترات، وهي مادة سيئة السمعة بسبب قدرتها على الاشتعال سريعاً، وخاصة بعد اندلاع حريق في أجزاء من مستودعات التخزين في ستوديو مصر في يوليو 1950، وهي الحادثة الشهيرة التي ذكرت ضمن السرد العام لأرشيف الأفلام عبر العالم.

أنشأ مكتب الفنون أرشيف الأفلام المصرية في منتصف الخمسينيات لتقليص الفجوة التي خلفها ستوديو مصر وراءه. ومن هذا الوقت فصاعداً، كان نهج الحفاظ على الأفلام في أفضل أحواله جزئياً. واضطر المنتجون إلي طبع نسخة من كل فيلم لغرض الحفظ على وجه التحديد بموجب حكم الإيداع الإلزامي الذي صدر في عام 1968، ولكن لم يلتزم كافة المنتجين بهذا الحكم بشكل نظامي. وواصلت مصر المشاركة في أعمال الاتحاد الدولي لأرشيف الأفلام، ولكن  طلبها الدائم بالحصول على العضوية الكاملة لهذا الكيان الذي ضم النخبة، قوبل بالرفض مراراً وتكراراً لأنها لم تستطع الوفاء بمعايير الاتحاد الخاصة بالحفظ.

وعلى الرغم من أن تعقبنا لجهود الدولة يساعدنا على فهم قطعة من الأحجية، إلا أن هناك عناصر أخرى تستحق التفكير فيها بجدية مثل رقابة الدولة. بفعض الأفلام التي مُنعت من العرض في البداية لاقت قبولاً جماهيرياً عند عرضها بعد ذلك بفترة قصيرة، مثال شهير على ذلك “يوميات نائب في الأرياف” عام 1968 الذي اخرحه توفيق صالح- تلاشى معظم هذه الأفلام من الذاكرة العامة بعد ذلك للأسف. أما المثال الأكبر لذلك فهو “لاشين” عام 1937، وهو دراما تاريخية ذات صبغة اجتماعية وسياسية، ولم يتبق من تلك الأفلام غير القليل ولازال مكان حفظها لغزاً ولم يطلع عليها غير القليل من الباحثين.

ومن ضمن الأعمال الشبيهة بفيلم “لاشين” والتي أنتجت في نفس الحقبة الزمنية عن الفقر والصراع الاجتماعي والطبقي في البلاد وخضعت أيضاً لمقص الرقيب، فيلم “العامل” 1943، ووزعته شركة بهنا فيلم، أو “أنشودة الفؤاد” في عام 1932س الذي منع توزيعه خارجياً خشية أن يضر بسمعة مصر عالمياً. وهذا لا يعني أن تلك الأفلام قد دمرت عمداً لدواعي أمنية، ولكنه يشير إلي أن تلك الأفلام قد وءدت في مهدها في مرحلة التوزيع، وعليه، لم يهتم أحد بحفظ نسخ منها.

أرشيف موقع “السينما دوت كوم” الرقمي:

تأسس موقع elcinema.com في عام 2008، ليكون قاعدة بيانات رقمية للأفلام المصرية والشرق أوسطية في الأساس، كما توفر الشركة خدمات مختلفة لقطاع التلفزيون والسينما. اسس المشروع باسم حفني وخالد بسيوني، وهما من محبي السينما برغم كونهما من مجال اخر وهو مجال ادارة الأعمال. اعتمدت إدارة الموقع على ثلاثة محررين فقط للمحتوى، وسرعان ما صار للموقع فريقاً من أربعة عشر فرداً. وعلى مدى السنوات العشر الماضية، قاموا بالبحث في الموسوعات السينمائية (واهمهم موسوعة محمود قاسم)، وقاموا بزيارة شركات الإنتاج وتحدثوا مع عائلات رواد صناعة السينما بغية بناء قاعدة البيانات. كما يقبل الموقع المحتوى الذي ينشئه المستخدمون، ويوفر فرصة لمحترفي وهواة الأفلام ومحبي جمع النوادر في جميع أنحاء العالم للمساهمة بما لديهم من مواد. واليوم، نجح الأرشيف المتنامي لموقع elcinema.com بتوثيق ما يقرب من ستة آلاف فيلم، ووثق جوانب نادرة وغامضة في تاريخ السينما المصرية، ليكون مرجعاً ثميناً وفي متناول كل مؤرخي السينما المهتمين بمصر.

الشغف بالأفلام

أي مؤرخ أو أمين أرشيف يعمل في مصر سيتحتم عليه في النهاية أن يلجأ إلي الشبكة غير الرسمية من الهواة التي تدير المشهد من وراء الستار. وبما أن السينما المصرية قادرة على خلق حالة غير عادية من الشغف في قلوب عشاقها، ينطلق الهواة في مهمات بحث لا نهائية في الأسواق المفتوحة، ومع تجار الأنتيكات، أو يتواصلوا مع شبكات تجار سرية للبحث عن قطع نادرة لا تقدر بثمن من تاريخ السينما. وعلى الرغم من أن هؤلاء الهواة قد لا يكونوا قادرين على تأمين أفضل أساليب الحفظ للقطع التي جمعوها إلا أن جهودهم تمثل شكلاُ من أشكال سهولة الاطلاع ووسيلة من وسائل الحفظ حتى ولو كانت محدودة.

ولحسن الحظ، هناك عدد كبير من الأفراد الذين أخذوا على عاتقهم تنظيم وترقيم أرشيفهم الخاص. واحد من ضمن الأمثلة المشجعة  بين هؤلاء الأفراد هو المصور الفوتوغرافي محمد بكر. هو ووالده حسين بكر مصوران فوتوغرافيان نشطان في توثيق مئات- أن لم يكن آلاف- من الأفلام التي أنتجت بداية من الثلاثينيات فصاعداً، ولا تعتمد صورهم الفوتوغرافية فقط على ما أنتج بغرض توزيعه بل تلتقط وتراجع لحظات حاسمة مما وراء الكواليس، ما يوفر نظرة نادرة ورائعة على عملية أنتاج الأفلام على مر عقود.

بعد تهدم مكتبه في ستوديو مصر بشكل غير رسمي في الثمانينيات بسبب الإهمال والفساد المستشريان، أنقذ بكر ما يمكن إنقاذه مما جمعه هو ووالده، ثم أفتتح ستوديو جديد في الجيزة وعمل فيه بلا كلل لإنقاذ أي نيجاتيف وجده من الضرر الناجم عن الطقس، كما عمل على ترقيم جزء كبير من فهرسه الخاص بنفسه ووحده. وهو منذ ذلك الوقت مصدر لا ينضب من المعلومات للباحثين وصناع الأفلام على حد سواء، حيث وفر وبسخاء معلومات قيمة عن أهم عصر في صناعة السينما.

الأرشيف في مصر والدول الأخرى

الواقع المؤسف هو أن كثير من تراث السينما المصرية قد غادرها، حيث أن الحقوق الخاصة بكثير من الأفلام قد بيعت إلي قنوات تليفزيونية مقراتها في الخليج، فيما استقر المطاف بالبعض الأخر في أرشيف دول أوربية. حيث استحوذت سينماتيك الفرنسية وعبر قنوات مختلفة على عدد كبير من الأفلام، ولكن من الصعب التأكد بدقة من العدد الفعلي أو أنواع الأفلام التي أصبحت في حوزتهم الأن. وبالمثل استحوذت كلاُ من بريتيش باثي و بي بي سي على أفلام إخبارية أنتجت في مصر في أواخر العشرينيات والثلاثينيات في الفترة التي كانت مصر فيها تحت الاحتلال البريطاني.

ويقال أنه هناك بعض الجهود للتعاون بين كيانات في مصر وخارجها، ما يمهد الساحة لتكون أكثر تكافؤاً فيما يتعلق بأعمال الترميم والحفظ. أعادت أفلام مصر العالمية تحت إدارة المنتجة ماريان خوري ترميم أرشيف يوسف شاهين الكبير بالتعاون مع سينماتيك الفرنسية، ولم يكن تركيز هذا المشروع على ترميم الكثير من أعمال المخرج السينمائية فقط ولكن أيضاً على حفظ الوثائق مثل المقالات الصحفية، والمذكرات، ونصوص الأفلام، وتصميمات المناظر والديكور والعديد من الأعمال الفنية الأخرى. وبنفس الطريقة أدار بازيل بهنا وريث شركة بهنا فيلم القابضة ومؤسس وكالة بهنا بالإسكندرية، مع شقيقته بالتعاون مع سينماتيك الفرنسية،  ترميم فيلم “أنشودة الفؤاد” الذي أنتج عام 1931، وهو واحد من أوائل الأفلام الناطقة في تاريخ السينما المصرية.

وعندما نتطرق إلي الجهود الدولية المشتركة لحفظ أو ترميم تاريخ السينما المصرية نجد أن فرنسا هي القاسم المشترك، ويعود ذلك إلي التأثير الذي تركته فرنسا على القطاع الثقافي المصري بعد احتلال نابليون قصير الأمد في أواخر القرن الثامن عشر، فضلاً عن حقيقة أن عدد كبير من المهاجرين المصريين قد استقر بهم المطاف في فرنسا في منتصف القرن العشرين، ومنهم على سبيل المثال، الأخوة فرنكل -منتجي أول فيلم رسوم متحركة في مصر في العشرينيات والثلاثينيات من بطولة الشخصية المحبوبة مشمش أفندي- والذين هاجروا من مصر في الأربعينيات حاملين معهم أرشيفهم الخاص. وبعد عدة سنوات، أشرف الأعضاء الباقون من الأسرة على ترميم هذا الأرشيف السينمائي القيم.

وعلى نحو مماثل، في فرنسا ببلدة ميدون استطاع أرشيف أفلام جاك حايك والذي أسسه الموزع الفرنسي الجزائري الأصل، ترميم العديد من أفلام كلاسيكيات العصر الذهبي الشهير للسينما المصرية من بطولة فريد الأطرش وسامية جمال.

تحتوي الجامعة الأمريكية في القاهرة على أرشيف مهم وقيم للمصور فان ليو، يضم معداته وسلسلة من الأفلام المنزلية لعائلته في مصر في الأربعينيات. ويضم أرشيف الجامعة أيضاً مجموعة مقالات صحفية من العشرينيات، بالإضافة إلي مجموعة كبيرة من الأفلام ما بين الثلاثينيات وحتى الخمسينيات.

كرس ““سيماتك””، مركز الفيلم البديل أغلب مجهوداته لإبراز أهمية أرشفة الصورة المتحركة، كما نمى روح الشعور بالملكية من خلال البرامج وتشجيع البحث. يضم الأرشيف الوليد- والذي أنشأ بالأساس بفضل التبرعات السخية لعبد الحميد سعيد (والذي شغل منصب مدير الهيئة العامة السينما المصرية في أواخر الستينات والسبعينات) ومخرجة الأفلام التسجيلية  عطيات الأبنودي، وأخصائي الرسوم المتحركة إيهاب شاكر وأخرون- مطبوعات 35 ملم ومطبوعات ورقية من أعمال سينمائية شهيرة من المنطقة والعالم بأسره. كما يضم مواد من الجوانب الأقل شهرة في صناعة وتراث الصور المتحركة مثل، التسجيلات المكتشفة، وأفلام الهواة، والإعلانات التجارية، والأفلام الوثائقية التجريبية، والمقالات الصحفية عن أفلام الدرجة الثانية، أو صور ثابتة من الأفلام القصيرة القديمة جداً.

أسس أرشيف ““سيماتك”” بدافع الضرورة الملحة، وتقبل كافة أنواع التبرعات، وكدس مواد تقف حائراً أمامها لأنها في المنطقة الغامضة ما بين المواد الأرشيفية “المهمة” والاكتشافات “غير المهمة” التي تتعلق بالمزيد من الجوانب المميزة للتاريخ السينمائي. ولازال معظم الباحثين يحدوهم الأمل في العثور على ما يعتبرونه أرشيفاً “حقيقياً” يضم جوانب “مهمة” من تاريخ الصورة المتحركة مثل، الأفلام الصامتة، والأعمال الطويلة من الثلاثينيات وهلم جرا. ولكن خيبة الأمل التي سرعان ما يشعر بها الباحثون الآملون فيما هو أكثر من مجرد أجزاء من تاريخ الأفلام تفرض طرح سؤال عن إمكانية تنظيم أرشيف سينمائي خاص في غياب مستودع حقيقي للتراث تتكفل به الدولة.

ومع ذلك، يوفر أرشيف “سيماتك” قيمة من نوع مختلف، عبر عرض كيف تتداخل الأنماط المختلفة من صناعة الأفلام- بداية من أفلام الدرجة الثانية ومروراً بالأفلام المنزلية للهواة التي توثق الإجازات العائلية- قطعة واحدة توضح الأجزاء الأخرى من الأحجية. في بعض الأحيان تخبرنا هذه العناصر المتباينة بالمزيد عن مصر الحديثة وشعبها أكثر مما تخبرنا به الأعمال الشهيرة التي عادة ما نعتمد عليها.

ترسيم آثار الذاكرة

يمكننا القول أن الأرشيف في مصر يعتمد على الذاكرة وليس على المنهج. إن التحديات التي يواجها تأسيس أرشيف- يعطي الأولوية للمبادئ الأساسية للفهرسة والجدولة والحفظ- هائلة، فلا تزال هناك فجوة صارخة بين الدراية بالأساسيات وبين المفاهيم الخاطئة فيما يتعلق بجدوى أرشيف الأفلام، وسيظل نقص التمويل والتدريب حجرة عثرة -لبعض الوقت- أمام الجهود المبذولة.

وبالنظر إلي هذا الواقع الذي بين أيدينا، تظهر القصص والذكريات كبديل للأرشيف. الأمر الذي قد يؤدي بنا في بعض الأحيان إلي افتراضات خاطئة وشائعات غامضة . اما اذا كنت مستعداً للبحث تحت اكوام الغبار المتراكم، فقد تفاجأ بنتائج مبهرة.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٩ ،

الأكثر قراءة

سنوات البوتقة في تاريخ السينما المصرية
(٥٢-١٩٤٥)

شهدت السينما المصرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مرحلة غير مسبوقة من النضج والتطور الفكري على يد جيل من المخرجين الذين سيكون لهم شأن كبير فيما بعد

رواية لم تكتمل
الأفلام التسجيلية المصرية في الفترة من 1912 إلى 1980

مشروع قومي تأثر بالأجواء والتوجهات السياسية ولم يحظ بالنجاح المطلوب رغم دعم الدولة له.

الرقص والراقصات في السينما المصرية

على الرغم من صعوبة تقبل المجتمع لمهنة الراقصين، ألا ان هذا المجتمع نفسه مولع بالرقص والإستعراض حتى ان الفيلم الذي يخلو منهما غالباً ما يفشل جماهيرياً

آفاق جديدة

تدين السينما المصرية بالكثير لمخرجين طموحين تمردوا على قاعدة "الجمهور عاوز كده"

سينما بديلة، من إنتاج الدولة
في يوم من الأيام..

رغم عدم استمرارها، كانت المؤسسة المصرية العامة للسينما، بما أنتجته من أعمال هامة، مثالاً لأهمية دور الدولة في دعم السينما الغير تجارية.