بقلم كليير ماليسون
ترجمة نوران ابراهيم

ماذا كان على قوائم طعام بناة الأهرام؟ ومن كان المسئول عن توفير المؤن؟

“كيف بنيت الأهرام؟” هو أحد أكثر الأسئلة شيوعًا التي أتلقاها عندما يعرف الناس أنني عالمة مصريات. يتوقعون إجابات بشأن الإنجازات الهندسية الإعجازية أو المعرفة القادمة من الفضائيين، أو حتى السحر، ولكنهم لا يتوقعون أبدًا الإجابة التي أعطيها لهم: “بنيت الأهرام على يد أناس شبعانين!”

كان بناء أهرام الجيزة الثلاثة مشروعًا رئيسيًا بالدولة أوجب تعبئة قدماء المصريين من مهندسين ومعماريين ونحاتين بأعداد ضخمة لإنشاء إحدى عجائب العالم القديم السبعة. بينما قد يقف ملايين الناس بإجلال أمام هذه الآثار اليوم، قليلون من يفكرون فيما انطوى عليه بناؤها من لوجستيات وتنظيم، وآخر ما يخطر لهم على بال في هذا الصدد هو الطعام والشراب والإقامة التي تطلبتها قوة العمل العملاقة.

 عاش بناة الأهرام، المقدر عددهم بحوالي 8000 إلى 10000 شخص في أي وقت من الخط الزمني للبناء، في بلدة بالقرب من الأهرام خصصت لهذا الغرض تحديدًا. كانت هذه البلدة، والمشهورة بمدينة الأهرام المفقودة، المكان الذي عاش به كل من كان له صلة ببناء هرمي خفرع ومنقرع وصيانتهما. ظل أحد أجزاء حوائط المدينة صامدًا حتى اليوم ويمتد لأكثر من 200 متر. كان هذا الحائط من الخواص البارزة للموقع ويعرف اليوم بحيط الغراب. كشفت الأعمال الأثرية في هذه المنطقة عن بقايا ثكنات العمال، بالإضافة إلى قصور المسئولين والبيوت الأصغر لمساعديهم. كما اكتشفت بعض مناطق ورش العمل ومنشآت التخزين. ساعدنا الكم الكبير للبيانات الأثرية التي خرجت من الموقع على فهم ما كان الناس يأكلونه، وكذا الجوانب اللوجستية والاقتصادية لتوفير الغذاء، مما وفر تقديرات لعدد الناس والمستعمرات التي تطلبها الحفاظ على القوة العاملة على بناء الأهرام شبعانة وصحية وغالبًا سعيدة أيضًا.

 السلع الغذائية الأساسية اليومية

استخرجت أطنان من شَقَف قوالب الخبز من تحت الأرض في حيط الغراب. وتدلّ النماذج المعاد بناؤها على وجود ثلاثة أحجام قياسية للقوالب؛ وذلك لضمان تلقي العمال كميات قياسية. وبما أن المال في ذلك الوقت لم يكن قد وُجِدَ بعدُ، فقد كانت هذه الحصص الغذائية تمُثِّل أجور العمال، وكان لابدَّ من توزيعها بشكل عادل. وفي المتوسط، كانت سعة أكبر القوالب 7.7 لتر، بما يساوي 4.2 كجم من الدقيق؛ ومن ثَمَّ، كان كلُّ قالب ينتج رغيفًا يمكنه أن يطعم 8 – 10 أفراد، أو 15 فردًا إذا ما توافر بعض الجعة ليتناولوها مع الخبز.

قالب خبز نمطي معاد بناؤه في حيط الغراب مع الأهرام في الخلفية. AERA©

كان الخبز المصنوع من قمح الإيمر والشعير هو السلعة الغذائية الرئيسية للعمال. كان القمح والشعير يزرعان في مكان آخر في وادي النيل وكان يؤتى بهما إلى الموقع للتخزين في شون عملاقة. كانت الحبوب، أولًا، تنخل لإزالة أية حشائش ملوثة، ومن ثم تطحن يدويًا باستخدام الرُحِيٌّ. وتوضح نتائج علم الآثار التجريبي أن 400 كجم من الحبوب، وهي الكمية اللازمة لإطعام جميع العمال بالثكنات، كان يقوم على طحنها لست ساعات مضنية 100 شخص كل يوم. كان الماء بعدئذ يضاف للدقيق ويُعجن قبل أن يُخبز ويتحول العجين إلى خبز.

وفي الثكنات نفسها، كانت المخابز في هذا الموقع تحتوي على أوعية فخارية كبيرة، وكانت قواعدها قد تلفت في وقت ما، وجرى إصلاحها لاحقًا باستخدام قطع من الحجر الجيري أو الجرانيت. وعلى الأغلب حدثت تلك التلفيات عندما كان الخبازون القدماء يعجنون الخليط بأقدامهم. كان العجين على الأغلب ناعمًا جدًا، ونعرف ذلك من مشاهد مقابر الدولة القديمة، وكان يصب في قوالب طينية تعرف بالـ”بِدچا”. كما نعرف من مشاهد المقابر أن قوالب البِدچا كانت ترص أولًا بشكل مقلوب على نار مفتوحة لتسخينها قبل استخدامها. بعد ملء القالب، كان يوضع بشكل معتدل في النار، ويغطى بقالب آخر من أجل إنضاج العجين بالتساوي. اكتشفت الآلاف من هذه القوالب وشَقَفاتها في حيط الغراب.

إن تناول قدر كافي من الدهون لهو أمر أساسي للحفاظ على سلامة الجهاز العصبي. تدل عظام الحيوانات من الموقع على تناول مرق العظم والنخاع من مصادرهما الحيوانية، وكلاهما يحتويان على نسبة لا يستهان بها من الدهون، والتي كانت لتغطي الاحتياج اليومي بسهولة، بالإضافة إلى توفير السعرات الإضافية الأساسية. يندر ظهور الخضراوات الورقية الرقيقة في السجلات الأثرية، ومن ثم يصعب الحديث عنها. كما تندر البقول أيضًا لأنها لابد وأن تطهى تمامًا، مما يصعب على المتخصصين التعرف عليها. كانت الجعة تصنع من الشعير، والذي قد يكون قد أملت، وبالطبع كان لابد من مزجه بالماء قبل تصفيته.

بينما سكن الأروقة العمال الذين كانوا يخدمون الملك لمدة شهر واحد، عاش سكان البلدة ممن طالت سكناهم في الجانب الشرقي من مدينة الأهرام المفقودة. ويطرح هذا المشهد تصورًا لمنزل من حجرتيْن بداخل مجمع من بيوت الطوب الطيني، ويظهر بعض النساء اللاتي يغزلن وينسجن بينما يخبز آخرون الخبز ويُحضِّرون الطعام ويقومون بمهامّ أخرى. وتُظهر بقايا النباتات والحيوانات أن المديرين والمراقبين الذين عاشوا في البيوت الكبيرة كانوا يحصلون على القطع الأفضل في اللحم، وتشكيلات أكبر من الطعام. وبالمقارنة، كان العمال البسطاء يحصلون على طعام أقل تنوعًا، مع قطعٍ أقل جودة من اللحم، وأسماك أصغر، وتنوع أقلّ بكثير في خضرواتهم.

تصوُّر فنيّ لبيت من حجرتيْن في مدينة الأهرام المفقودة بناءً على الاكتشافات الأثرية. رسم ويلما وترستروم. AERA©

شبكة عملاقة

كان تأمين العيش لبناة الأهرام مهمة جبارة. كانت البنية التحتية اللازمة لإمداد الثكنات بمصادر البروتين الحيواني مدهشة. كان شراء الأسماك والطيور والطرائد البرية يتم محليًا، بينما كانت الماشية والأغنام والماعز تربى في الدلتا في مستعمرات ترعاها الدولة وأنشئت خصيصًا لهذا الغرض. وعلى الرغم من استهلاك أعداد أقل بكثير من الماشية، كان اللحم البقري يقدم مرتين أكثر من العادة ببساطة نظرًا للحجم الأكبر بكثير للذبيحة.

وتشير بقايا الحيوانات بالموقع إلى استهلاك 5110 من رؤوس الماشية و15220 من الأغنام/ الماعز سنويًا. وكان لابد من نقل كل هذه الحيوانات إلى حيط الغراب من أجل ذبحها وتقطيعها وأخيرًا توزيعها. وكانت استمرارية مثل هذا التموين تتطلب قطيعًا يتألف من 23701 من رؤوس الماشية و72،554 من الأغنام/الماعز وإجمالي 1566 كم2 – 5% من كامل أراضي الدلتا. وبالنسبة لليد العاملة، كانت هناك حاجة لـ577 من رعاة الماشية و3160 من رعاة الأغنام/ الماعز. وبإضافة أسرهم، فلابد وأن الحكومة المركزية قد أنشأت مستعمرات تستضيف حوالي 20000 شخص كانوا مكرسين حصرًا لتربية الحيوانات من أجل عمال الأهرام – حوالي 2% من إجمالي سكان مصر.

ولا تقل لوجستيات الإعاشات الأخرى إبهارًا. لصنع الخبز، كان لابد من جمع مئات اللترات من المياه كل يوم ونقلها للموقع من أجل إنتاج العجين وحسب، بالإضافة إلى مئات اللترات الأخرى اللازمة لإرواء عطش البشر وحيوانات المزارع. كانت الحيوانات تذبح بأدوات، وكان لابد من صنع هذه الأدوات ونقلها للموقع. كان لابد من اصطياد الأسماك المكملة للنظام الغذائي للعمال باستخدام الشباك، والتي كان لابد من إنتاجها هي الأخرى. جيء بالجرانيت من أسوان، على بعد 600 كم جنوبًا، بينما استورد خشب الأرز المستخدم لصناعة القوارب من على مسافة 600 كم شمالًا.

كان الأسبوع المصري القديم البالغ طوله عشرة أيام، يستلزم 3840 كجم من الشعير و3920 كجم من قمح الإيمر و10 رؤوس ماشية و36 من الأغنام/ الماعز و1680 كجم من السمك لتوفير القوت لعشرة آلاف عامل. لم تكن الأهرام لتخرج إلى النور دون هذه اللوجستيات شديدة التعقيد، التي تمثل في حد ذاتها إنجازًا خارقًا لا يقل إبهارًا عن الأهرام الخالدة نفسها.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩