بقلم عمر فودة
ترجمة نوران ابراهيم

مشروبات المصريين بدءًا من الشربات والبوظة، وصولًا إلى القهوة والشاي، لمحة شائقة عن تقاليد المصريين على مرِّ العصور

إذا ما سعدت يومًا باحتساء فنجان من القهوة “التركية” – أو “القهوة” وحسب كما يسميها معظم المصريين – فربما تكون أيضًا قد تعرَّضت لأحد الطقوس الشعبية اللطيفة ذات الصلة. يُقال إنه إذا ما قلبت فنجانك الذي أنهيته للتوِّ على طبقه، وانتظرت، ثم أزحت الطبق جانبًا، فسيتسنَّى لك رؤية مستقبلك في ثُفْل القهوة المتبقي في الفنجان. لا أدعي أي شيء فيما يختص بنجاعة طريقة التنجيم هذه، ولكنني أذكرها لإلقاء الضوء على الكيفية التي يمكن بها لأحد المشروبات أن يقودَنا إلى تأمل عميق.  إذ بمقدور فحص ما يتناوله المصريون اليوم من مشروبات أن يُعيننا على تسليط الضوء على أبعاد مختلفة لتاريخ البلد العريق. فمثل معظم الأشياء الأخرى في مصر، بُنىَ الجديد على القديم ولم يحلّ محله.

رشفة من النيل

لا يمكننا التحدث عن الشرب والمشروبات في مصر دون الإشارة إلى مورد المرطبات الأعظم في البلاد، وشريان الحياة بها منذ فجر التاريخ: النيل. وقد لاحظ مصطفى علي، أحد زوار مصر العثمانيين في القرن التاسع عشر، أن مياهه تتسم بمذاق شديد العذوبة وأنها “أنقى وأحلى” من أي مياه أخرى. لا عجب إذن أن يكون المشروب السائد على مدار الشطر الأعظم من تاريخ مصر هو الماء. فقد كان شائعًا لدرجة أن إحدى الحكم المصرية القديمة تؤكد على أننا لابد من أن نتجنَّب شرب الماء في بيت التاجر “لأنه سيضمُّه إلى الحساب”. بالإضافة إلى تسليط الضوء على جشع التاجر، مُشدِّدًا على حقيقة أخرى مؤداها أنه منذ بدايات التدوين في مصر، كانت المياه حقًّا مكتسبًا للمصريين كافة. كان الماء هو ما يروي عطش مصر بشكل أساسي عبر التاريخ، وحتى وقت قريب نسبيًّا؛ كان هو الشراب الوحيد المصاحب للطعام على مائدة العشاء. وكان يخزن تقليديًّا في القلل الفخارية للمساعدة على تنقيته والاحتفاظ به مبرَّدًا، ولكن منذ عُرف كلٌّ من الزجاج والبلاستيك، احتلت المادتان مكانة أوعية التخزين والتقديم. إذ قبل السباكة المنزلية، كان على أولئك الذين لا يمتلكون وصلة مباشرة بالنيل أو ببئر أن يدفعوا المال للسقَّا من أجل أن يأتيَهم بالماء. ومنذ سبعينيات القرن العشرين، نشأت سوق متنامية للمياه المعبَّأة في مصر لتلبي احتياجات من لا يريدون أو لا يستطيعون الشرب مباشرة من النيل.

كانت البيرة من أساسيات المعيشة في مصر القديمة. وقد تغيَّرت، على الأرجح، طرق إنتاجها على مرِّ الزمن، ولكن كانت لها إما قاعدة من الحبوب الكاملة المملتة (غالبًا من الشعير، وربما مع إضافة قمح إيمر)، وإما من الخبز المحمَّص قليلًا. وربما تكون التمور قد أضيفت بوصفها مصدرًا للسكر الذي يُساعد في عملية التخمير. وتُظهر جدران المقابر والنماذج والتماثيل المصغَّرة عدة جوانب من إنتاج البيرة، ولكن التحليل العلمي وعلم الآثار التجريبي هما اللذان أضافا قطعًا أساسية إلى أحجية البيرة.  لقد كانت البيرة سلعة اقتصادية أساسية تُستخدم في الطقوس؛ باعتبارها قرابين للموتى ووسيلة لسداد الأجور. وكانت مجهولة للإغريق. غيرَ أن هيرودوت عندما كتبَ مشاهداته عن الحياة في مصر في القرن الخامس قبل الميلاد، أشار إلى البيرة بوصفها “النبيذ المصنوع من الحبوب”. وقد تكون البيرة المصرية القديمة أساس البوظة الحديثة؛ فالكلمة التي تعبر عن الملت في مصر القديمة هي بيسة التي تشبه كلمة بوظة إلى حد التطابق. وبدورها، فإن كلمة بوظة قد تكون هي أصل كلمة booze (“بووز” وتعني الشراب باللغة الإنجليزية).

نموذج لصناعة البيرة، تتألف من مشرف، وتسعة أشخاص (هم في الأصل 13) يغربلون الدقيق، وثلاثة آخرين ينخلون، وثلاثة (أربعة في الأصل) رابضين (أو جالسين) أمام الأفران. عثر عليه في الدير البحري، الأسرة 11، الدولة الوسطى، (حوالي 2050 - 2000 ق.م. تقريبًا). أمناء المتحف البريطاني.

مشروبات من نوع آخر

إذا كانت هناك مشروبات يُماثل طول تاريخها المياه، فهي البيرة والنبيذ لا شكَّ. وتزخر السجلات الأثرية بأمثلة لصنع وشرب قدماء المصريين للبيرة (الجِعة). كما أظهر التحليل العلمي، أن قدماء المصريين أتقنوا عملية إملات الشعير الأساسية في صنع البيرة. فلم تكن البيرة لديهم تُنكَّه بحشيشة الدينار؛ لمذاقها المشهود له بالحلاوة ربما. وكان معظم المصريين يستمتعون بها ويستخدمونها بوصفها إحدى صور دفع الأجور.

كما أجاد المصريون القدماء عملية صنع النبيذ؛ فصنعوا أنبذة مختلفة من مختلِف نوعيات العنب الأحمر والأبيض، وأيضًا من التمر والتين والرمان، وكان بشكل أساسي مشروب الصفوة. ولم يصبح شرب النبيذ شائعًا بين معظم المصريين سوى في الفترات الإغريقية والرومانية. ففي أواخر العصور القديمة، استمرَّ النبيذ في تصدُّر المشهد خاصة عندما أضحت مصر مركزًا للمسيحية التي أضفت قيمة مقدسة على ثمرة الكرمة. وليس من المفاجئ إذن أن تكون لدينا دلائل أثرية بارزة على أن الأديرة القبطية كانت تنتج النبيذ. فاشتُهِر نبيذ الدير حتى إن العائلات المسلمة، بمن فيها من عائلات الحكام، كانت تزور الأديرة لقضاء يوم في الخلاء وللاستمتاع بنبيذها. وعلى الرغم من تحريم الإسلام للخمر، تواصلَ تناول الكحول من دون قيود نسبيًّا بعد دخوله البلاد، مع استمرار تمتع النبيذ بالوزن الثقافي الأعظم مقارنة بالبيرة – لاحظْ تعدُّد قصائد النبيذ الغنائية في ذلك العصر مقارنة بشحُّ قصائد البيرة. ولا يمكننا الحديث عن حظر فعلي لاستهلاك الكحول سوى في العصر المملوكي. وإنْ خفَّ الحظر مع وصول العثمانيين في عام 1517، وهم مَنْ عمدوا إلى جعل البوظة المشروب الكحولي الأساسي في مصر. وقد رأى المستكشف العثماني “أوليا شلبي” أن مصر عُرفت بالسُّوبيا، وهو مشروب مخمَّر مصنوع من الأرز. ولم يكن لهذا المشروب المخمَّر وزنٌ اجتماعيٌّ كبير، غيرَ أنه كان ولم يزلْ مرتبطًا بالطبقات الأدنى.

لكن بدءًا من القرن التاسع عشر، أخذت النظرة إلى الكحول تختلف في مصر. فتحت حكم العثمانيين الإصلاحيين والبريطانيين المحتلين، تزايد عدد الكحوليات وكذا أنواعها المتاحة في مصر. وبذلك، دخل كلٌّ من “الويسكي” و”البراندي” و”الشمبانيا” والكثير من المشروبات الكحولية الأخرى الثقافة المصرية، وشغلَ حيزًا ليس بالقليل. ولكن بالرغم من ذلك، كانت البيرة هي النجم الألمع؛ حيث احتلت الصدارة في الفترة ما بين خمسينيات القرن الماضي وسبعينياته؛ بفضل سحر البيرة ستلا وجهود الشركات التي كانت تبيعها وما قام به جمال عبد الناصر من إعادة تشكيل جذرية للبلاد. وفي السنوات التالية لذلك، تصدرت البيرة غير الكحولية المشهد، بينما تضاءل وجود البيرة والمشروبات الكحولية الأخرى كافة ليقتصر على جمهور بعينه.

على مرِّ تاريخهم الطويل، صنع قدماء المصريين نبيذ العنب بنوعيْه الأحمر والأبيض واستهلكوه – ولكن من المحتمل أنه كانت لديهم أيضًا أنبذة مصنوعة من التمور والتين والرمان. وكان النبيذ يُنتج منذ عصر ما قبل الأسرات (تقريبًا 4400 ق.م.). وكان سلعة قيِّمة يستهلك معظمها الصفوة، ولكنها كانت تُوزَّع على الجموع في المناسبات الخاصة مثل الأعياد. كما أنه كان يُمنح للجنود على سبيل المكافأة، أو للعمال كعلاوة. وتحمل جدران المقابر كمًّا كبيرًا من التفاصيل المتعلقة بإنتاج النبيذ: حصاد العنب وعصره، وملء الجرار، ونقلها وتخزينها، وأخيرًا الإفراط في شرب النبيذ. بالإضافة إلى ذلك، حملت أوعية النبيذ نقوشًا أو علامات عليها اسم الملك والعام الملكي ونوعية النبيذ ومزرعة الكروم التي أتت منها وتاجر النبيذ المسئول عنها؛ بحيث تقوم بوظيفة الملصق نفسها على زجاجات النبيذ في العصر الحالي. لهذا كانت للنبيذ درجات مختلفة؛ حيث تشير “نِفِر نِفِر نِفِر” إلى النبيذ ذي الجودة الممتازة، بينما تشير” نِفِر” إلى نبيذ أقلّ جودة، علمًا أن “نِفِر” هي كلمة قديمة تعني “جيد”.

النبيذ والبردي لخزائن آمون- مستنسخ. الأصل من مقبرة رخميرع في الشيخ عبد القرنة، الأسرة 18-20، الدولة الحديثة، (حوالي 1479-1420 ق.م. تقريبًا). متحف المتروبوليتان.

تدفئ الروح

بينما يتمتع كلٌّ من النبيذ والبيرة بجذور ضاربة في القِدَم ولكن مع حضور بسيط نسبيًّا في الثقافة المصرية المعاصرة، فإن الوافديْن الأحدث على البلاد؛ الشاي والقهوة، قد انتزعا دورًا ثقافيًّا مركزيًّا. وإذا ما كان علينا أنْ نحدِّد مشروبًا وطنيًّا لمصر، فسيكون لأحدهما لا شكَّ وجوده المؤثِّر؛ حيث تتجرعهما جميع الطبقات الاجتماعية في أيٍّ من المناسبات كافَّة. وقد وصلت القهوة إلى مصر في القرن السادس عشر، على الأغلب مع الصوفيين اليمنيين من طلبة الأزهر. ولم تكن القهوة هي المشروب الساخن الوحيد الذي دخل مصر تحت حكم العثمانيين؛ فقد ظهر السحلب؛ المشروب المصنوع من درنات زهرة الأوركيديا المطحونة، والذي يقدَّم ساخنًا في الشتاء، أيضًا في ذاك الوقت.

عُرفت القهوة لأول مرَّة في مصر في القرن السادس عشر، وعلى الرغم من المعارضة الدينية الأولية، اكتسبت شعبية سريعة نسبيًّا. وبدأت المقاهي بوصفها مشاريع منخفضة المستوى؛ ربما بسبب تشابهها مع الحانات، ولكن بحلول القرن التاسع عشر اخترقت القهوة المجتمع المصري حتى طبقات النخبة. وذاع صيت المقاهي المصرية الشعبية؛ حيث يرتادها الثوار والنشطاء السياسيون والفنانون والموسيقيون والمثقفون، فضلاً عن العاطلين عن العمل، وكثيرًا ما كانت توفر لهم ملاذًا بعيدًا عن المنزل.

مقهى مصري، القاهرة (1896 م). ألفريد س. كامبل – مكتبة الكونجرس.

ولكن القهوة أصبحت ظاهرة، حتى غدتْ والمقاهي مشروعيْن للطبقات الدنيا على الأغلب؛ نظرًا إلى تشابه الأخيرة والحانات، غيرَ أنه بحلول القرن التاسع عشر، كانت قد اخترقت المجتمع المصري وصولًا إلى مجتمعات الصفوة. وقبل منتصف القرن التاسع عشر، كانت القهوة غير المحلاة هي المشروب الأبرز في المقاهي، بَيْدَ أنه مع اتساع رقعة الهجرة إلى مصر، بالإضافة إلى الاحتلال البريطاني للبلاد، ظهرت مقاهٍ جديدة تُقدِّم القهوة محلاة بالسكر. وما لبثت إضافة السكر أن أصبحت أمرًا معتادًا. فكان السكر يُغلى مع البن؛ ومن ثم أصبح من الضروري على صاحب الطلب أن يُحدِّد كميته المفضَّلة من السكر عند طلب القهوة، وهو تقليد مازال معمولًا به إلى يومنا هذا.

البوظة – تخبرنا إحدى قصص العام 1398 التي يرويها المقريزي عن حفل ماجن أقامه السلطان الظاهر برقوق للاحتفال بانتصاره في إحدى مباريات الكرة والصولجان (البولو). وللأسف لا يتطرق المقريزي في تفاصيل ما وصفه إلى كونه “يومًا في غاية القبح والشناعة أبيحت فيه المسكرات وتجاهر الناس فيه بالفواحش”، ولكن ما نعرفه هو أن السلطان أمر باستخدام ثلاثين قنطارًا (1350 كجم) من الزبيب لعمل “الأقسِما” (انظر فقرة الفقاع) وستين إردبًا (5100 كجم) من الدقيق لعمل البوظة. وظلَّ الشراب سيئ السمعة يُشبه نسخة أسبق اسمها المزر (شراب مسكر مصنوع من الشعير) مرتبطً بالفجور وإدمان الكحول في أوساط الطبقات الأدنى حتى القرن العشرين. ولم يزلْ بإمكان المغامرين العثور عليه اليوم إذا ما واتتهم الشجاعة الكافية لتجربته.

دورق زجاجي له حقيبة جلدية. تعود إلى عصر المماليك من مصر أو سوريا (القرن 14 م). متحف فيكتوريا وألبرت.

كما قدَّمت المقاهي الجديدة الشاي أيضًا: مشروب المستعمرين البريطانيين. ولا يمكن أن يكون صعود نجم الشاي بعد الغزو البريطاني صدفة. فقد كان المشروع الاستعماري البريطاني ذا طبيعة رأسمالية واضحة؛ حيث كانوا يستخرجون المواد الخام من ممتلكاتهم الإمبريالية، وينقونها؛ ومن ثَمَّ يُصدِّرونها إلى المناطق الإمبريالية ذاتها. وفي حالة الشاي، كانوا يقومون باستخلاص أوراق الشاي من شبه القارة الهندية، ومن ثم يُصدِّرونها إلى أماكن عديدة منها مصر. وفي الفترة ما بين عشرينيات القرن العشرين وخمسينياته، آلت مكانة القهوة إلى الشاي، وخاصة في أوساط الفقراء من المصريين. وفيما بين 1947 و1959، استهلك المصريون ما يزيد على 30 مليون رطل من الشاي. ولم يزل الشاي يحتلُّ الصدارة نفسها اليوم، مَثله مثل المشروب الذي حلَّ محله، فيُشرب الشاي ثقيلًا ومضافًا إليه الكثير من السكر.

تحلية المزاج

الفقاع: فرقعها لتفتحها  – يسرد كتاب الطهي كنز الفوائد الذي يعود إلى القرن الرابع عشر 13 وصفة لهذا الشراب الرغوي الغامض الشبيه بالبيرة، والكثير من الوصفات الأخرى “للأقسما”، إحدى تنويعاته. وكان الشراب خفيف الكحول (حيث كان يُخمَّر بحدٍّ أقصى ثلاثة أيام وإلا اعتبره الفقهاء محرمًا). ويصنع عادة باستخدام الشعير، ولكن كان الأكثر شيوعًا هو استخدام أرغفة خبز القمح المخمَّرة والمتبَّلة والمحلَّاة بطرق عدة (على سبيل المثال، بالعسل الأسود أو الرمان دائمًا، مع إضافة التوابل). وكانت كلمة فقاع التي تدل على وجود الفقاقيع توضِّح أنه كان أحد أنواع المشروبات الفوَّارة. ويُباع في أوعية كروية تكفي لفرد، وتتميز بفوهة صغيرة تُسَدُّ برقعة من الجلد. وكان الغطاء يُخرق بمسمار فيحدث فرقعة، ويبدأ تناول الشراب بينما تنزُّ الرغوة من فتحة الوعاء. ويصف المؤرخ المقريزي كيف كان الفقاعيون يبيعون هذا الشراب الصيفي بامتياز في دكاكينهم ذات واجهات الرخام الملوَّن؛ حيث كان الزائر يستمتع بمشهد الأوعية المرصوصة بشكل جمالي في صفوف على جانبي الشارع.

وعاء كروي من المحتمل أن يكون مماثلًا لزجاجات الفقاع المستخدمة في مصر، وربما صنع في مصر أو العراق أو سوريا (القرن 13 - 14 م.). متحف فيكتوريا وألبرت.

يتهدَّد سيطرة الشاي مشروب آخر شديد الحلاوة؛ ألا وهو: المشروبات الغازية مثل “الكوكاكولا” و”البيبسي كولا”. على أن انتشارها في مصر اليوم يعود جزئيًّا إلى جهود التسويق الكبيرة التي بذلها المنتجون بعد الثمانينيات، بالإضافة إلى الميل التقليدي للمصريين إلى المشروبات المحلاة. وتعلُّقهم بالكوكاكولا بالتحديد حتى بعد منع الشركة الأم من العمل في مصر بين عامي 1967 و1979 لأسباب سياسية.

لكن، قبل أنْ تحتلَّ المشروبات الغازية الصدارة اليوم، لابدَّ من ذكر سلفها: الشربات، وهو عصير مركَّز من الفاكهة أو المأكولات الأخرى مثل القمح يُمزج بالمياه أو الثلج لإنتاج المشروب النهائي. وتعود أصول الشربات إلى مصر العصور الوسطى (بوصفها وسيلة لحفظ الفاكهة قبل اختراع الثلاجة)، وعُزيت إليه قيمة طبية كبيرة إلى الدرجة التي كان ساقي الشربات بها يشبه الصيدلانيين الآن.

وعلى مرِّ التاريخ، سكن المدن المصرية الكثير والكثير من باعة الشربات الجوَّالين، وكان للمشروب وزنٌ اجتماعيٌّ كبير. وغدت الشربات هو المشروب الأساسي الذي يقدِّمه المصريون لضيوفهم في منازلهم وفي المناسبات الاجتماعية الكبيرة مثل الأعراس. واشتُهِر عبر العالم الإسلامي وأضحى جزءًا أساسيًّا من عادات الشرب العثمانية. حتى إنه دخل الثقافة الغربية تحت مسمى شِربِت أو “سوربيه” أو شْرَب. وبنيت المشروبات الغازية مثل الكوكاكولا على تقليد الشربات؛ حيث إنهما ينتميان إلى الشيء ذاته بشكل أساسي: عصير مركَّز حلو ممزوج بالمياه، مع فارق وحيد هو إضافة الغاز في حالة المشروبات الغازية.

الخلاصة

إذن، ما الذي يمكننا قوله بشأن تاريخ المشروبات في مصر؟ المشروبات التي يتناولها المصريون اليوم هي، بلا شك، نتاج آلاف الأعوام من التاريخ. حتى المشروبات الغازية “الأحدث”، تستند إلى تاريخ يمتدُّ إلى القرن السابع. ولا يعني ذلك أنه لم تستبعد مشروبات ما على مرِّ التاريخ. على سبيل المثال، “الكوميس”، حليب الفرس المخمَّر الذي أحبه المماليك، لم يدُمْ طويلًا. ولكن بغض النظر، ففي زجاجة الكوكاكولا أو في كوب الشاي أو في علبة الستلا، لم يزل بإمكانك رؤية الخيوط التي تصل بين المصريين وتاريخهم منذ بدايته.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩