الحفاظ على التارخ لا يتم فقط في المتاحف، بل يساهم الجامعون المنهجيون في الحفاظ على التراث الثقافي ايضاً. هذه قصة جامع متحمس يحافظ على مقتطفات صغيرة من تاريخ مصر ، طابعًا بريدياً تلو الآخر.

” دي بقى جميله!” قال الدكتور شريف الكرداني مبتهجاً وهو يلفت نظرنا الي ظرف يضمه واحد من البوماته المنظمة والمعنونة بدقة فائقة… والواقع انه كان محقا … فالطابع الموجود على الظرف يشير الي انه في عام 1910 كانت مصر الجديدة تعتبر رسميا خارج حدود العاصمة، ولذلك كان علي الراسل وضع طابع قيمته 5 مليمات وليس 3 مليمات ( القيمة المطلوبة للطابع البريدي علي الخطاب المرسل داخل العاصمة) الأهم من ذلك ان الخطاب كان مرسلا لشخص يسكن بجوار المسجد في ميدان الجامع – وهواليوم من اشد مناطق مصر الجديدة ازدحاما – وقد تم اعادته للراسل حيث لم يستدل علي المرسل اليه لأن ساعي البريد لم يجد اي مساكن في ميدان الجامع في عام 1910 ( طبقا لما دونه الساعي علي الظرف).

“لا توجد منازل بجوار الجامع” بميدان الجامع في مصر الجديدة سنة 1910

د. شريف الكرداني جراح مسالك بولية وهاو نهم لجمع الطوابع القديمة. بدأت هواية الطوابع لدي د. الكرداني في عمر الثامنة عندما عاش مع أسرتة قرابة الثلاثة أعوام فى انجلترا، كانت والدته تجمع الطوابع المصرية التي تتلقاها العائلة من الأقارب والأصدقاء في مصر، وعندما أبدي الصغير اهتماماً، تلقي أول البوم طوابع خاص به والمدهش ان اليوم اصبحت طوابع د. الكرداني التي جمعها طوال الاربعين عاما الماضية تؤرخ نوعا ما لتاريخ مصر الحديث… والأمر لدى د. الكردانى لا يقتصر علي المعلومات المعروفة لمعظم الناس فحسب ، فقد علمنا منه مثلا ان النظام البريدي مثله كمثل المشروعات الهامة الأخري في الأمبراطورية العثمانية قد بدأ كمشروع خاص، النظام البريدي في مصر تأسس عام 1820 علي يد ايطالي يدعىMichel Meratti ، واسماه Posta Europa  ، واخذ المشروع الجديد ينموجنبا الي جنب مع مشروع السكك الحديديه وشق الترع والمجاري المائيه ( وهوما يذكرنا بالعلاقه الوثيقه التي تربط تطور النظام البريدي بتطور البنيه الاساسيه لوسائل الانتقال).

دكتور شريف الكرداني وهو يفحص احد طوابعه البريدية

Photo: Seif El Rashidi

وانتقل المشروع فيما بعد الي وريث يدعي Muzzi الذي حصل علي ترخيص من الوالى سعيد باشا باستخدام نظام السكة الحديد الحكومي مقابل دفع 144 جنيه مصري سنويا ( وهو مبلغ كبير بمعايير ذلك الزمن). وتحقيقا لرغبة أسماعيل باشا – الذي خلف سعيد باشا في حكم مصر- والذي عرف بولعه الشديد بمظاهر الحضارة والمدنية، فقد قامت الحكومة المصرية بشراء مشروع البريد وتعيين Muzzi مديرا له مع منحه رتبة الباكوية، وهكذا وبعد عام واحد صدرت أول مجموعة طوابع بريد مصرية عام 1866.

كانت هناك اجراءات محددة لارسال الخطابات للخارج، فالخطاب يرسل أولا من مكتب البريد في قنصلية الدولة المراد ارسال الخطاب اليها داخل مصر ( ومصر نفسها كان لها عددا من القنصليات في الخارج حيث توجد جاليات مصرية وعدد أخر من مكاتب البريد المصرية في المناطق التي تقع تحت حكم النظام المصري)… والخطاب المرسل للخارج يوضع عليه اولا طابع مصري لضمان وصوله للقنصلية المطلوبة داخل مصر، ثم الطابع الاجنبي الخاص بالقنصلية لضمان ارساله للخارج عن طريق القنصلية، وهوما كان يطلق عليه الدمغة المختلطه.

في معظم الاحيان لم يكن هناك متسع من الوقت لانتاج طوابع خاصه بمناسبة معينة وكان اسهل الحلول هو اعادة انتاج الطابع نفسه مع اجراء تعديل بسيط في شكله أوقيمته. ويخبرنا د. الكرداني عن قصة “المهدي” وفترة حكمه الرجعي للسودان عام 1885 حيث قام باغلاق هيئتي البريد والسكك الحديدية، الي ان نجح Kitchener في استعادة حكم السودان عام 1898 واعاد تشغيل الهيئتين مرة أخري، الا أنه لم توجد أية طوابع سودانية وكان أسهل حل هو اعادة انتاج الطوابع المصرية مع طبع كلمه “السودان” فوق كلمة “مصر” علي الطابع ثم استخدامها كطوابع سودانية.

1898-اعادة انتاج الطوابع المصرية مع طبع كلمه “السودان” فوق كلمة “مصر” ثم استخدامها كطوابع سودانية.

يقول د. الكرداني بأنه كما هو معروف عن مصر الي يومنا هذا، “الخدمة المخصوصة” تعتبر من الأموار المحببة .. ومصر كانت الدولة الوحيدة التي استحدثت في عام 1864 ما يسمي “البريد المصوجر””بطاقات الاغلاق البريدية” لضمان خدمة “متميزة” لتوصيل الخطابات والطرود الهامة، خاصه تلك المتبادلة بين كبار المسئولين والشخصيات المرموقة..

تسببت الحرب العالمية الأولي في تدفق الجنود البريطانيين علي مصر، وكان النظام البريدي شديد الاهمية لهؤلاء الجنود، فالخطابات التي تصلهم من بلادهم كانت أكبر وسيلة لرفع روحهم المعنوية… والجندي في “القوات المقاتله” كان يُعفي من دفع الرسوم البريديه اذا ما كتب علي الظرف حروف   OAS أي on active service. الحرب ايضا كانت تعني نقص العديد من الأساسيات والاحتياجات كالورق مثلاً، وكعادة القوات البريطانية في ايجاد الحلول العملية، قاموا بتصميم اظرف خطابات تصلح للاستخدام أكثر من مرة ( مع شرح طريقة فتحها ولصقها بعناية لضمان تحقق ذلك).

ويشرح لنا د. الكرداني كيف ان مصر عرفت لأول مره الطوابع المصورة في عام 1914، مشيراً الي مجموعه من الطوابع التي تحمل صور

قصر رأس التين وأول طابع مصور في عام 1914

عدد من المعالم المصرية والتي تم اصدارها لأول مرة – وللدقة – في 8 يناير 1914 وهواليوم الموافق للذكري الثانية والعشرين لجلوس الخديوي عباس حلمي الثاني علي عرش مصر ليبدأ التقليد الجديد بانتاج طوابع مصورة يزدهر، الا ان الخديوي عباس حلمي الثاني نفسه قد تم عزله ونفيه في نفس العام.

ونتصفح عده البومات اخري الي ان نصل الي عام 1922، المرحلة المفضلة لدي د. الكرداني: ” انها المرحلة التي تمثل نقطة تحول في تاريخ مصر.. لقد أصبحت دولة ذات سيادة يحكمها الملك فؤاد الأول، هنا فقط أصبح الطابع المصري يحمل صورة الحاكم اما قبل ذلك فقد كانت العلاقة الشائكة مع  الباب العالي في اسطنبول تجعل وضع صورة علي الطابع مسألة غير ملائمة للجانبيين، فخديوي مصر كان لا يعدو كونه تابعاً للسلطان العثماني فيما كان السلطان نفسه باعتباره اميرا للمؤمنين – هوالشخصية الدينية القائدة في العالم الأسلامي ومن ثم فأن تصويره كان يعد مستنكرا تبعا للتقاليد الأسلامية.” 

والملك فؤاد كما يظن د. الكرداني، كان حاكما عظيما، فقد استخدم سلطته كملك للبلاد لإجراء عدة اصلاحات: “كان ديكتاتورا وقوي الشكيمة، كما انه كان ايضا حكيما وبعيد النظر وكان لديه حدسا جيدا يجعله يدرك نتائج افعاله”. اتجه الملك فؤاد نحو تمصير وتعريب الحكومة ولكن ليس بطريقه متسرعة أومنفعلة. كان يؤمن بأنه لا يوجد ما يمنع تولي المصريين للمناصب الهامة في نظام اعتاد ان يحتفظ بهذه المناصب للأجانب فقط. ولأن الملك فؤاد كان بنشد الكمال في كل شيء فقد كان يعرف جيدا ان السبيل الي ذلك لن يتحقق الا برفع مستوي تعليم المصريين ولهذا لم يكن من الغريب ان تكون أول طوابع بريد تحمل صورته مطبوعة باللغة العربية، الي ان اشترط ” الاتحاد الدولي للبريد” (UPU) في عام 1927 ان يحمل اي طابع بريد ترجمة البيانات الاساسية الموجودة عليه بالحروف اللاتينية ايضا.

يرجع تاريخ اول مجموعة طوابع تذكارية عرفتها مصر الي فتره حكم الملك فؤاد وكانت تشير الي عدد من المؤتمرات الدولية التي عقدت في مصر آنذاك، ويرجع ذلك الي حرص الملك فؤاد ان تكون مصر ملتقي للمناظرات العلمية والدولية الهامة لإيمانه بأنه ذلك سوف يسهم في إحداث نهضة في البلاد.

كان لمصر ايضا في عهد الملك فؤاد عده أوجه للريادة والسبق في مجال البريد، ففي عام 1926 بدأ البريد الجوي في مصر بخط بين القاهرة وبغداد، وفي نفس الفترة تقريبا بدأ انتاج طوابع بريد مصريه فاخرة الطباعة ( كان طباعتها تتم في انجلترا وهولندا في باديء الأمر) … أما بحلول عام 1930 فقد استحدثت مصر اسلوبا مبتكرا للطباعة الفاخرة (Bleed Off) الأمر الذي اثار ضيق دور الطباعة الاوروبية العريقة حيث استغرق الأمر منها عقدا كاملا لإتقان ذلك الاسلوب الحديث للطباعة.

وفي عام 1936 جلس الملك الشاب فاروق علي عرش مصر، وكان يحمل الكثير من أحلام ابيه الكبار ونواياه الطيبة، الا انه لم يكن بقوة شخصيته. كانت تلك هي الفترة الذهبية للطوابع التذكارية والطوابع التي تحمل صور العائلة المالكة وليس فقط صور الملك.  فنري صورة الملك وعروسه المحبوبة الملكه فريدة علي طابع بريد بمناسبة عيد الميلاد الثامن عشر للملك، والطريف ان هذا الطابع كان يحمل صورة فاروق وفريدة بملابس الزفاف بينما الطابع الصادر بمناسبة الزفاف الملكي تظهر فيه الملكة فريدة بالملابس النهارية.

فرقت الحرب العالمية الثانية بين ضفتي البحر المتوسط، فالخدمة البريديه الي أوروبا والتي كانت مسألة يسيرة أصبحت تبحث عن طرق بديلة، والخطاب المرسل من القاهرة الي لندن اصبح يمر بالسودان ثم نيجيريا وغانا وجامبيا ثم البرتغال كطريق بديل في انعكاس لتأثر النظام البريدي بالحاله السياسية والاقتصادية والاجتماعية بشكل عام. وهنا تمثل الحل في اتفاق مع شركة Eastern Kodak  Eastman، بأن يتم تصوير الخطابات علي لفات افلام تضم مجموعة من الخطابات كل مجموعة 1500 خطاب تتم طباعتها في انجلترا، ومن هنا ظهر ما عرف بالـAirgraph ثم الـAerogramme وكان وسيلة اقتصادية للغاية حيث اصبح الظرف والخطاب ورقة واحدة فقط.

جاءت ثوره 1952 بحكومة جديدة شديدة العداء للملكية، ولوجود كميات هائلة من الطوابع التي تحمل صورة الملك فاروق كان الحل يتمثل في اعادة الطباعة، ولكن بسبب ضخامة كمية الطوابع المراد اعادة طباعتها، اضطرت الحكومه الجديدة للإستعانه بمطابع لم يسبق لها التعامل مع طوابع بريدية من قبل، وكانت النتيجة محو ملامح الطوابع التي تحمل صورة الملك المخلوع بطريقة غير متقنة علي الاطلاق وهوما لم يكن الملك فؤاد – الذي كان ينشد الكمال كما اشرنا – ليرضي عنه ابدا. وأدي ما حدث الي انتاج عدد كبير من الطوابع المعيبة والتي تعتبر حلم أي هاو لجمع الطوابع … وهنا عرض علينا د. الكرداني بعض تلك الطوابع التي يظهر فيها وجه الملك فاروق المعروف بوسامته … وجها ملئ بالعيوب في الشكل والمنسوب.

وتضم البومات د. الكرداني مئات من الطوابع التذكارية للعقود الخمسة التالية للثورة، ولكن لضيق الوقت توقفنا فقط عند تاريخ هام – عام 1957 – عندما تم ارسال مصريان من صانعي الطوابع الي سويسرا ليتعلما تقنيات الطباعة الحديثة، ليعودا بنماذج تجريبية جديدة – ليس بالضرورة مصرية – ولكنها تشير الي دخول مصر لمرحلة جديدة من انتاج الطوابع البريدية- مرحلة متهددة الالوان المتعدده.

اثناء اجتماعنا عند د. الكرداني اشار احدهم ان الترتيب التاريخي للطوابع يعتبر اسلوب غير تقليدي في عرف هواة جمع الطوابع، وأن الطريقة الصحيحة هي ترتيب الطوابع حسب نوعها. اجاب د. الكرداني علي تلك الملاحظة قائلا: “ان اهتمامي الرئيسي بالطوابع يمكنني من قرءاة تاريخ مصر بصورة أفضل”. وهنا تذكرت لقائي الأول بـ د. الكرداني منذ عاميين، عندما ذكر لي ان هواية الشئ تعني الاستمتاع به وانه جعل ترتيبه للطوابع التي يحتفظ بها علي الطريقة التي يستمتع بها.

ونغلق الالبوم التاسع عشر، ونتبادل عناويين البريد الألكتروني، ودون التفكير أوالقلق بشأن تأثير البريد الألكتروني علي طابع البريد التقليدي … عقدت العزم علي ألا أفكر مرة أخري في أعتبار طوابع البريد مجرد قصاصات مملة من الورق …  

الأكثر قراءة

سنوات البوتقة في تاريخ السينما المصرية
(٥٢-١٩٤٥)

شهدت السينما المصرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مرحلة غير مسبوقة من النضج والتطور الفكري على يد جيل من المخرجين الذين سيكون لهم شأن كبير فيما بعد

أرشيف الفيلم المصري
حكاية إهمال.. مثابرة.. وشغف

جولة في أرشيف السينما المصرية، الذي يكاد لا يكون موجوداً، تصحبنا فيها مسؤولة أرشيف "“سيماتك”"؛ مركز الفيلم البديل بوسط القاهرة، ومساحة تحتفي بتنوع وجمال وقوة الأفلام المحلية والعالمية.

رواية لم تكتمل
الأفلام التسجيلية المصرية في الفترة من 1912 إلى 1980

مشروع قومي تأثر بالأجواء والتوجهات السياسية ولم يحظ بالنجاح المطلوب رغم دعم الدولة له.

الرقص والراقصات في السينما المصرية

على الرغم من صعوبة تقبل المجتمع لمهنة الراقصين، ألا ان هذا المجتمع نفسه مولع بالرقص والإستعراض حتى ان الفيلم الذي يخلو منهما غالباً ما يفشل جماهيرياً

آفاق جديدة

تدين السينما المصرية بالكثير لمخرجين طموحين تمردوا على قاعدة "الجمهور عاوز كده"