بقلم سامي حلمي
ترجمة رولا شاكر

تدين السينما المصرية ببدايتها لمجموعة من السكندريين المغامرين الذين حولوا انبهارهم بتكنولوجيا حديثة إلى صناعة قومية مزدهرة.

 تختلف الإسكندرية عن باقى المدن والموانئ المصرية الأخرى بسمات تميزها وحدها وتجعل لها ولأهلها وفنونهم تلك النكهة الخاصة، فهى منذ أمد بعيد ملتقى ثقافات وعلوم وحضارات إنسانية شتى، تفاعلت فيها فلسفات كثيرة  تفاعلا مدهشا بين أبنائها المصريين وبين جنسيات عديدة من فرنسيين وانجليز وإيطاليين وأرمن وأتراك ويونانيين، إلى جانب العرب من الشوام والمغاربة ومن شمال افريقيا بشكل عام؛ جميعهم شكلوا نسيجا واحدا، على الرغم من تنوع ثقافتهم، وهو ما أسفر عن إنجازات فنية متعددة فى شكل إبداعات عبد الله النديم وبيرم التونسي وسيد درويش، إضافة لأشعار كفافيس وأدب لورانس دوريل فى رباعيته الشهيرة.

ولأن الأسكندرية تشكل منفذا هاما على البحر المتوسط،  فقد فتحت ذراعيها للجميع،  ليجد كل لاجئ إليها نفسه داخل نسيج هذا المجتمع فينصهر فى بوتقتها، ويصبح من مواطنيها، وكأنما يتجنس بجنسيتها، بعبارة واحدة كانت المدينة الكوزموبوليتانية مؤهلة لاستقدام بشر وفنون،  فكانت السينما من بين ما استقبلت الإسكندرية.

 أجمع المؤرخون الذين تناولوا تاريخ السينما المصرية على أن العروض الأولى لشرائط السينما التى أبدعها الأخوان لوميير قد بدات بمدينة الإسكندرية، عن طريق بعض الأجانب الذين استقدموا بعضا من هذه الشرائط التى تم عرضها فى بورصة طوسون بمحطة الرمل،  حيث يقع حاليا مركز الحرية للإبداع بالإسكندرية، وقد شاهدها الحضور فأحدثت أثرا عظيما، وكان استقبالهم لهذا الاختراع العجيب مدهشا، وكان هذا فى يوم الخميس الموافق 5 نوفمبر 1896، أى قبل مرور عام واحد فقط على العروض الأولى فى الصالون الهندى بشارع كابوسين بباريس يوم 28 ديسمبر 1895.

الأخوان لوميير

بعثة لوميير الأولى 10 مارس 1897

من البعثات الأولى التى أرسلها لوميير للترويج للمنتج الجديد ولتحقيق مزيد من المكاسب المالية بعد النجاح الكبير فى فرنسا، كانت بعثته إلى مصر عبر بوابتها فى الإسكندرية، لا لكونها منارة المتوسط فقط بل لأن حضارت كثيرة تفاعلت مع معارف وطبائع قاطنيها الذين تميزوا بالتنوع وكرم استقبال الغريب أيا كان مقصده، فقد كانت الإسكندرية  بحق سوقا تجاريا خصبا ومفتوحا، وهو ما لمسته بعثة لوميير الأولى برئاسة مسيو الكسندر بروميو الذى أعلن عن وصوله إلى الإسكندرية من أجل تصوير مناظر مصرية تعرض فى جميع أنحاء العالم، كما أعلن عن عرض وترويج شرائط جديدة فى مصر.

وقد صورت البعثة بعض اللقطات والمشاهد فى بعض أحياء الإسكندرية، منها ميدان القناصل، محطة ترام شدس، كما صورت وصول القطار لمحطة ترام سان استفانو وغيرها من المشاهد،  ثم انتقلت البعثة إلى القاهرة فيما بعد لتصوير شرائط أخرى.

بعثة لوميير الثانية نوفمبر 1906

جاءت البعثة الثانية للأخوان لوميير إلى مدينة الإسكندرية فى شهر نوفمبر 1906 برئاسة المصور فيلكس ميسيجتشين الجزائرى المولد والفرنسي الجنسية، وذلك لتصوير شرائط جديدة بها مناظر مختلفة من مصر، وأيضا لتصوير أماكن تعبر عنها مثل النيل والأهرامات وأبى الهول، إضافة إلى بيع وتأجير الأجهزة والمعدات والشرائط.  وطوال عام كامل تحركت البعثة بين الإسكندرية والقاهرة ،ثم توجهت لصعيد مصر حتى وادى حلفا وصولاً إلى الخرطوم.

 بدايات السينما المصرية

على الرغم من أن “شركة الإنتاج الإيطالية المصرية” لم تستمر طويلا، إلا أنها مثلت بداية مسيرة محمد كريم (1886 – 1972)، أول ممثل مصري. وحتى يثير إعجاب إدارة الشركة، تعلم كريم اللغة الإيطالية وكتب لهم رسالة (من القاهرة) باللغة الإيطالية، وأرفق بها 86 صورة. وبعد محاولتين، تمت دعوته للمشاركة في اختبار كاميرا، وهكذا بدأ مسيرته في الإسكندرية. ومع ذلك، لم تكن موهبة كريم كممثل كما كانت في الإخراج، واليوم صار معروفاً بكونه مخرجاً بالأساس. وبعد الدراسة في أوروبا والفترة القصيرة التي قضاها في “شركة مصر للتمثيل والسينما”، حيث صنع عدة أفلام وثائقية، قرر كريم دخول مجال الأفلام الروائية. واتصل بصديقه يوسف وهبي وأنتجا معاً فيلم زينب (1930) بطولة بهيجة حافظ. وحسب رواية محمد حسين هيكل، فقد كانت هذه أول معالجة سينمائية للرواية. وتخصص كريم في إخراج الأفلام لصديقه المطرب محمد عبد الوهاب الذي لم يرغب في العمل مع أي مخرج آخر. وربما كان السبب في هذا التآلف هو سمات البحث عن المثالية التي جمعت بينهما. وفي عام 1959، أصبح كريم أول مدير للمعهد العالي للسينما، وهو المنصب الذي شغله لمدة ثماني سنوات.

صورة غير مؤرخة لمحمد كريم. اهداء من محمد صادق

كانت بداية السينما المصرية بمدينة الإسكندرية عبر مجموعة من الأجانب المقيمين أو الذين ولدوا بها ومن أصول أجنبية، وهؤلاء امتهنوا مهنا مختلفة وعملوا بصناعات صغيرة أوكانت لهم تجارات متنوعة، ومنها كانت مهنة التصوير الفوتوغرافى التى برعوا فيها وسيطروا عليها بالكامل، ومنهم أرمن وأتراك والغالب فيهم كان الإيطاليون المقيمون، وكان الأشهر بينهم الشريكان امبرتو دوريس الايطالى، وعزيز بندرلى التركى اللذان امتلكا ستوديو للتصوير الفوتوغرافى وتجارة الأدوات الخاصة بالتصوير، إلى جانب التجارة فى الاسطوانات والجرامافون. ونظرا للسمعة التى تميزا بها فقد أصبحا مصورين للطبقات العليا والمدارس الخاصة الشهيرة؛ مثل سان مارك وكلية سانت كاترين، حتى أصبحا وحدهما القائمين بتصوير جميع أنشطة العائلة المالكة والخديوي عباس حلمى الثانى.

واستعانا فى الستوديو الخاص بهما بصبي صغير عمل مناولا ومساعدا لهما،  سيكون له فيما بعد شأن كبير فى بدايات السينما المصرية، وهو الفيزى اورفانيللى المولود والمقيم بالإسكندرية ومن أصول إيطالية. وإلى جانب نشاط ستوديو التصوير الفوتوغرافى إهتم كل من عزيز ودوريس بمتابعة العروض السينمائية الأولى فى المدينة، وأعلنا فى يوم 5 نوفمبر عام 1906 عن افتتاح دار عرض سينمائى بمحطه الرمل تحت اسم “دار عرض سينمافون عزيز ودوريس”، وهو ما ذكره المؤرخ الكبير الأستاذ أحمد الحضرى فى بحثه الهام فى تاريخ السينما المصرية. ونسجل هنا ملاحظة هامة عن تاريخ الافتتاح الذى تواكب مع شهر وسنة وصول بعثة لوميير الثانية إلى مصر، التى جاءت لترويج الاّلات والمعدات والشرائط المصورة، والربط  بين وصول بعثة لوميير الثانية وافتتاح أول دار عرض سينمائي بمدينة الإسكندرية وبمصر عامة ربط منطقى، تلك الدار التى حملت كما ذكرنا اسم المصورين الشهيرين بالاسكندرية عزيز ودوريس، وصارت فيما بعد سينما ستراند، وعرضت السينما شرائط سينمائية بمصاحبة أصوات موسيقية تدار بواسطة الجرامافون الذى كان يديره ذلك الصبى الصغير اورفانيللى.  لكن الشريكين عزيز ودرويس لم يكتفيا بدار العرض السينمائى، فقد كان الانتاج نفسه نتيجة منطقية بعد كل تلك الخبرة وبعد احتكاكهما ببعثة الأخوان لوميير وما حملت معها من أجهزة صناعة السينما.

أول شريط سينمائى مصرى

لذلك لن يكون أمرا مثيرا للدهشة أن يقدم عزيز ودوريس بعد شهور قليلة وتحديدا أول عام 1907 على صنع أول شريط سينمائي تم صنعه فى مصر تحت عنوان “زيارة جناب الخديو للمعهد العلمى بمسجد أبى العباس”، وبالطبع ومن عنوان الفيلم نجد أنه يمس حدثا مصريا،  حيث صور فى لقطات الحاكم وهو يلتقي بمحكوميه، وحالة ابتهاج الحاضرين بالزيارة،  وما أضفاه مكان الحدث على الزيارة إذ أعطاها صبغة روحية خاصة مستمدة من مكانة مسجد المرسى أبى العباس فى نفوس السكندريين والمصريين بشكل عام .

ومن المؤكد أن عزيز ودوريس قد أطلعا على مجريات الأمور وفن الصنعة مستفيدين مما حملته معها البعثة الثانية للأخوين لوميير، وإن كان التساؤل هنا مشروعا عن كيفية تعرفهما على فنون صنع الشرائط المصورة !

ونظرا لنجاح دار العرض وأيضا نجاح  إنتاج أول شريط سينمائي مصرى، إستتبع هذا صنع شرائط أخرى لمناسبات رياضية بمدرسة الفرير بكنيسة سانت كاترين بالمنشية الصغرى، ومدرسة سان مارك بالشاطبي.  وظل الشريكان عزيز بندرلى وامبرتو دوريس يصنعان الشرائط طوال السنوات التالية، سواء لتسجيل أحداث وطنية كما ذكرنا عن استقبال السلطان بمحطة الإسكندرية وتصوير الموكب حتى قصر رأس التين، أو استقبال البطل الوطنى عزيز المصرى فى الإسكندرية ، أو لتسجيل مناسبات أخرى كتصوير افتتاح سينما “امباير” التى حضرها نجوم ونخب المجتمع السكندرى والمصرى وغيرها. ولكن هل احتكر الشريكان صناعة السينما فى الإسكندرية ؟

أول ستوديو سينمائي فى مصر “النزهة”

ذكرت كل المصادر أن عزيز ودوريس إستمرا سويا لسنوات فى صنع الصور الفوتوغرافية والمتحركة، حتى جاء 1917 الذى ظهر فيه اسم امبرتو دوريس وحده، ولكن بمشاركة أحد الايطاليين المقيمين وبتمويل من “بنك دى روما”، اللذان قاما بتكوين “الشركة المصرية السينمائية الإيطالية –سيتشيا” بمنطقة النزهة بجوار “شركة كابو”،  ومكان سينما النزهة سابقا، وذلك بهدف إنتاج الأفلام السينمائية، وتولى دوريس القيادة الفنية للشركة وابتعد عزيز بندرلى تماما ولم يذكر اسمه فيما بعد ولسبب لا نعلمه، ولكن الشاب الصغير الفيزلى اورفانيللى إستمر مع الشركة الجديدة، وتحول إلى مساعد مصور لمدير التصويركيارينى فيما بعد، وأنتجت الشركة ثلاثة أفلام روائية قصيرة هى ( شرف البدوى، نحو الهاوية، الزهور المميتة ) التى لم تحقق أى نجاح يذكر، ومنيت الشركة بخسائر فادحة وأفلست تماما وتم تصفيتها.  ومن وجهة نظرى يرجع فشل الأفلام  لتناولها موضوعات أجنبية بعيدة عن المشاهد المصرى، وأيضا لاعتماد بطولة الأفلام على مجموعة من الأجانب المقيمين،   مما أحدث فجوة ما بين الأفلام والمشاهد.

الستوديو الثانى فى تاريخ السينما المصرية “ستوديو الفيزى

كنا قد ذكرنا كيف بدأ الفيزى مساعدا فى ستوديو عزيز ودوريس،  ثم انتقل مع دوريس إلى “ستوديو الحضرة” مساعدا للمصور كيارينى، وعند تصفية الشركة الايطالية كان لديه بعض المستحقات المالية لدى الشركة، وجاء فى وثائق بازيل بهنا أنه أخذ بدلا منها معدات وأدوات خاصة بالإضاءة والتصوير، ونظرا لأنه امتلك سكنا فى 18 ش القائد جوهر بالمنشية الصغرى كان قد خصص جزءا منه لستوديو التصوير الفوتوغرافى، إلا أن الفيزى، الذى تشرب المهنة منذ الطفولة، وبعد أن حصل على المعدات قام  بتحويل الفيلا التابعة له بالكامل إلى ستوديو متكامل للسينما، فخصص الدور الأول للبلاتوه والمعمل، والدور الثانى لغرف الممثلين والمكياج والملابس، والدور الثالث للإدارة المتكاملة للستوديو.

لقطة من فيلم “العز بهدلة “، 1939 .

شالوم كان الاسم الفني للممثل ليون أنجيل (1900 – 1948)، وهو سكندري من أصول يونانية. ووفقاً لما قاله ابن عم توجو مزراحي، الذي أجرى مقابلة في عام 2015 مع جريدة هآرتس وهو في عمر يناهز التسعين، فقد كان أنجيل موظفاً في بلدية الإسكندرية عندما اكتشفه مزراحي، واختاره ليلعب دور شالوم، وهي شخصية “ابن بلد” في سلسلة من الأفلام الكوميدية الناجحة للغاية. وأنتج مزراحي ستة أفلام لأنجيل، اثنان منها عادت إلى الظهور في السنوات الأخيرة: “شالوم الرياضي” (1937)، و”المندوبان” (1934)، حيث نشاهد التصرفات الغريبة لشالوم وصديقه عبده اللذين يسعيان لجمع 500 جنيه لتغطية نفقات زواجهما من حبيبتيهما. وينتهي الفيلم نهاية سعيدة بزواج شالوم وإستر وعبده وأمينة في حفل زفاف واحد.

اهداء من محمد صادق

كان الفيزى حالة مغايرة عمن سبقوا فى بدايات السينما المصرية، فقد كان يملك من الطموح والمثابرة وأيضا من الخبرات التى اكتسبها من معلميه عزيز ودوريس ما يجعله مختلفا عن الاّخرين الذين صنعوا الشرائط الأولى فى السينما المصرية، ولذا تحول نشاط ستوديو الفيزى إلى صنع الإفلام، بجانب تقديم خدمات تتنوع ما بين التصوير و استخدام معمل الطبع والتحميض، أما الأهم فهو تحوله إلى أكاديمية لتعليم التصوير وتقنيات المهنة .

وهناك ملاحظات هامة عن بدايات السينما المصرية بالإسكندرية، فالرواد الأوائل كانوا هم الأجانب المقيمين فيها،  وبالإسكندرية تم تأسيس أول مدرسة لتعليم المهنة، بداياتها كانت عند دوريس وعزيز، ثم”ستوديو النزهة” ومنها تخرج الفيزى أورفانيللى وكيارينى على سبيل المثال، ثم أصبح ستوديو الفيزى اورفانيللى قبلة يتوجه إليها الأجانب المقيمون، وتحول إلى أكاديمية أخرجت فنيين من الأجانب منهم بريمافيرا، ولوكا ، وديفيد كورنيل، و برونو سالفي، وكار كاسن، وكليليو، كما تخرج من تحت يد الفيزى مصريان أصبحا فيما بعد رائدا التصوير السينمائي فى مصر وكانا يعملان لديه وهما فى مقتبل العمر؛ وهما عبد الحليم نصر وشقيقة محمود نصر . أيضا قدم “ستوديو الفيزى” خدمات للعاملين فى المهنة بمدينة الأسكندرية مثل الأخوين لاما وتوجو مزراحى.

اما الملاحظة الأهم فهى أن “ستوديو الفيزى” قدم أفلاما تختلف عما سبق من حيث المضمون، فقد صنع أفلاما من بطولة نجوم المسرح الفكاهى المصرى مثل فوزى وإحسان الجزايرلى وعلى الكسار وبشارة واكيم. إستمر الفيزى يعمل من الثلاثينيات وحتى عام 1939 عند انتقاله إلى القاهرة، فعمل مع كبار المخرجين الرواد مثل نيازى مصطفى (رصيف نمره 5) ، ويوسف شاهين (ابن النيل، باب الحديد)، بركات (حسن ونعيمة)، وغيرهم حتى وفاته فى عام 1961 . فماذا عن الرواد من المصريين فى صناعة السينما ؟

في مقالة نشرتها مجلة الكواكب عام 1951، تحدث محمد بيومي (1894 – 1963) عن حياته في ألمانيا في أوائل العشرينيات عندما كان شابًا يتعلم صناعة الأفلام: “كان للسجائر المصرية دور كبير في ترسيخ الصداقة بيني وبين سيد المخرجين الألمان، فيلهلم كارول، الذي مهد الطريق لي في “ستوديوهات ديفا” وفي البداية كنت زائراً، ثم مساعد مصور… وبينما انغمست في الوسط السينمائي في برلين، التقيت المصور الألماني بورينجر. وأصبحت صديقاً له بسبب السجائر المصرية، التي كان لها تأثير السحر على الألمان!”. وبعد عدة سنوات من السفر عبر أوروبا للتعرف على أسرار صناعة الأفلام، عاد بيومي إلى مصر بثروة من المعارف والمعدات اللازمة لتأسيس ستوديو سينما صغير الحجم في مصر. وأسس “ستوديو آمون فيلم” في منطقة شبرا في القاهرة، وأصدر “جريدة آمون السينمائية”، بينما بدأ العمل في فيلم روائي قصير، “برسوم يبحث عن وظيفة” بطولة بشارة واكيم في عام 1923. ومثل توجو مزراحي، اهتم بيومي اهتماما خاصا بتصوير تركيبة مصر الكوزموبوليتانية في ذلك الوقت وتعزيز قيم التسامح الديني. حيث يحكي الفيلم صداقة بين برسوم (شخصية مسيحية قبطية يلعبها المسلم عبد الحميد زكي) والشيخ متولي (شخصية مسلمة يلعبها الكاثوليكي بشارة واكيم). وكان من المفترض أن يتبع ذلك سلسلة من أفلام برسوم، لكن وفاة ابن بيومي منعه من مواصلة المشروع. وبعد فترة من الحزن، عاد بيومي للتركيز على مهنته وأنتج فيلماً قصيراً ناجحاً إلى حد كبير، “الباشكاتب” (1924)، بطولة الممثل المسرحي أمين عطا الله. وفي عام 1925، شارك في تأسيس “شركة مصر للتمثيل والسينما “مع طلعت حرب، وساعد في تجهيز ستوديوهاتها التي أصبحت فيما بعد “ستوديو مصر”. وفي عام 1932، أسس” المعهد السينمائي المصري” في الإسكندرية، وهو أول معهد سينمائي في مصر. إلا أن ذلك كان آخر نجاح مسيرة بيومي، التي تباطأت، قبل أن يفلس وينزوي إلى الهامش حتى وفاته عام 1963. وحرصت عائلته على الحفاظ على تراثه الذي أعيد اكتشافه في عام 1987 على يد المؤرخ محمد القليوبي الذي سلط الضوء عليه، وفي النهاية نال بيومي التقدير الذي كان يستحقه دائماً.

الرائد المصرى محمد بيومى 1923  

لم يكن رائد السينما المصرية محمد بيومى يتميز فقط بكونه مخرجا سينمائيا مصريا أصيلا ، لكنه كان يتميز بعبقرية خاصة، إذ كان فنانا شاملا، فكان زجالا وفنانا تشكيليا وأديبا ورسام كاريكاتير وناقدا وسيناريست، كما كان مصورا رائعا للفوتوغرافيا والسينما،  بالإضافة لكونه صانع معدات سينمائية، ومديرا لمعهد لتعليم فن التصوير الفوتوغرافى و السينمائي أنشأه بشارع سعد زغلول بمحطة الرمل، كما كان مؤسسا لجماعة سينمائية وشارك غيره من الفنانين السكندريين فى تأسيس عدد من الجمعيات الثقافية والفنية مثل الأخوين أدهم وسيف وانلى ومحمد ناجى، ولا ننسي له إصداره لأول جريدة سينمائية تحت عنوان” جريدة آمون السينمائية”.

            وهناك مرحلة هامة فى مسيرة محمد بيومى، فهو صاحب المبادرة فى إنشاء “ستوديو مصر” عندما عرض الفكرة على رائد الصناعة الأول فى مصر طلعت حرب،  وبالفعل إضطلع بمهمة التحضير لإنشاء “ستوديو مصر” بعدما أقنع طلعت باشا حرب بالفكرة، وأصبح “ستوديو مصر” حقيقة واقعة فى حياتنا السينمائية؛ أنتج أفضل الأفلام فى تاريخ السينما المصرية، وقدم لنا أيضا نجوما ونجمات إحتلوا مكانة رائعة فى تاريخ السينما المصرية، والفضل يعود إلى المنظومة الإقتصادية والإدارية لمؤسسة وطنية كان على رأسها طلعت حرب، ثم لصاحب الفكرة فى الأساس والذى عمل على تنفيذها حتى لحظة الميلاد وهو الرائد محمد بيومى.

بدر (يسار) وابراهيم (يمين) في صورة من ايامهما الأولى في مصر

الأخوان بيدرو (1907 –1947) وأبراهام (1904 – 1953) لاماس، اللذان صارا يعرفا لاحقاً باسمي بدر وإبراهيم لاما، وصلا إلى الإسكندرية في العام 1924 في طريقهما إلى بيت لحم. وكان الاثنان الشيليان من أصل فلسطيني (من المحتمل أن يكون لقب عائلتهما تحريف لكلمة “الأعمى” بالعربية) من الشغوفين بالسينما، ووجدا في الإسكندرية مكاناً ملائماً لتحقيق طموحهما السينمائي. هكذا قررا البقاء، ثم أسسا شركة إنتاج سينمائي “كوندور فيلم”. واصبح بدر الأكثر وسامة ممثلاً، بينما تولى إبراهيم الجوانب الإنتاجية، علاوة على الإخراج وكتابة السيناريو والمونتاج، وغير ذلك، وكان هذا معتاداً في الحقبة الأولى لهذه الصناعة. وفي 1927، كانا يسابقان الزمان في منافسة مع عزيزة أمير وفيلمها “ليلى”، حتى ينتجا أول فيلم مصري، وكان اسمه “قبلة في الصحراء”. وكان أول عرض للفيلم في القاهرة يوم 25 يناير 1927، بعد عرض فيلم عزيزة أمير بثلاثة أشهر.

. اهداء من احمد الحضري

الأخوان لاما 1926

مع حركة صنع الأفلام بالإسكندرية وتواجد أجانب مقيمين صنعوا تاريخا لهم ولنا، ينضم للفريق وافدان جديدان قادمان من وراء المتوسط وتحديدا من إحدى دول أمريكا اللاتينية (شيلى)، وهما الأخوان بدر وابراهيم لاما،  الفلسطينين الأصل، واللذان كانا يعملان في مجال السينما بشيلي، بدر ممثلاً، وابراهيم مساعد مخرج ومنتجاً.

وإذا كان من سبقونا فى البحث فى تاريخ السينما المصرية قد ذكروا أنهما قدما من شيلى وتوقفا في الأسكندرية بالصدفة في طريقهما الى فلسطين، ثم قررا المكوث بها، الا اننا نعتقد انهما هبطا الى الأسكندرية عن قصد بعد أن ذاع صيتها كمدينة بها نشاط سينمائى. وخلال عام واحد فقط (1927) أقاما ستوديو للتصوير وأنتجا الأفلام بصحراء فيكتوريا، كما قاما بإنشاء شركة “كندور فيلم”، وتعاونا مع الفيزى اورفانيللى بالتصوير الداخلى لديه وأيضا الطبع والتحميض. 

قدم الأخوان لاما مجموعة من الأفلام الهامة سواء بالإسكندرية أو عند الإنتقال للعاصمة القاهرة، منها الصامت ومنها الناطق. بدأت بفيلم “قبلة فى الصحراء”  1928، مرورا بالـ”الضحايا” و “نفوس حائرة” و “قيس وليلى” و”ابن الصحراء”، وفيلم “القافلة تسير” في عام 1951. واستمر نشاطهما حتى وقت الرحيل المفجع لكليهما، فقد توفى بدر بعد صراع قصير مع المرض، كما رحل ابراهيم بعد أن قتل زوجته وانتحر فى عام 1953.

صور دعائية من فيلم “الساعة سابعة” ،1937، يظهر فيها توجو مزراحي، وبطل الفيلم علي الكسار، وجورج بهنا منتج وموزع الفيلم.

بعد حصوله على شهادة دراسات عليا في الاقتصاد من فرنسا، أدرك توجو مزراحي، السكندري من أصل إيطالي، أن السينما هي حياته الحقيقية. ولدى عودته إلى مصر، استخدم أموال أسرته في تأسيس “ستوديو توجو مزراحي”وشركة إنتاج سينمائي” شركة الأفلام المصرية” في الإسكندرية. وكان ستوديو مزراحي الأغزر إنتاجاً بين ستوديوهات الإسكندرية خلال ثلاثينيات القرن العشرين. ومثل جيله الرائد، شارك مزراحي في كتابة وإخراج وإنتاج معظم الأفلام. وكان أول فيلم للستوديو بعنوان “الهاوية” (1930)، وسمي فيما بعد “كوكايين”. وفي عام 1939، انتقل مزراحي إلى القاهرة حيث أسهمت سلسلة أفلامه الناجحة في صنع نجومية العديد من الممثلين والممثلات، بما في ذلك المغنية والممثلة ليلى مراد، والثنائي فوزي وابنته إحسان الجزايرلي، وعلي الكسار وأم كلثوم، اللذين تعاونا معه لإنتاج ملحمته التاريخية “سلامة” في عام 1945. وغادر مزراحي مصر إلى روما في عام 1948، واستقر هناك حتى وفاته عام 1986. واصلت ستوديوهاته في القاهرة والإسكندرية عملها تحت إشراف ابن أخيه ألفريدو، حتى تأممت في ستينيات القرن الماضي.

اهداء من بازيل بهنا

توجو مزراحى المخرج المؤسس 1930

من وجهه نظرنا يعد توجو مزراحى هو المؤسس الحقيقي لفن الإخراج السينمائى فى مصر،  كما أنه قدم أفلاما هامة للغاية فى تاريخ السيما المصرية من الناحية الفنية والتقنية، وكان مزراحى قد ألم بفن صناعة الفيلم السينمائي عندما هاجر فى سن صغيرة (16 عاما) إلى إيطاليا وألمانيا للتعرف على هذا الفن الساحر، ورغم أنه من أسرة يهودية من أصل إيطالى ميسورة الحال وتعمل فى صناعة وتجارة المنسوجات وصناعات أخرى، إلا أنه قد ضرب بنصيحة الأسرة عرض الحائط كى لا يعمل معهم فى أنشطتهم، وعند العودة سعى إلى إنشاء الستوديو الرابع بمدينة الإسكندرية، وانضم معه منذ البدايات المصوران الرائدان عبده نصر وشقيقه محمود نصر بعد أن تركا العمل لدى اورفانيللى.

وبالفعل قدم توجو أفلاما متقنة الصنع، كما أكد على نجومية الفنانة القديرة ذات الصوت الماسي ليلى مراد فى مجموعة من الأفلام التى تحمل اسمها هي أفلام “ليلى بنت الريف”، “ليلى بنت مدارس” ، “ليلى” ، “ليلى فى الظلام”، كما حدث فى السابق مع اورفانيللى وتوجو عندما قدما افلاما تحمل اسم “شالوم”، فكانت أفلام (شالوم الترجمان، شالوم الرياضى).

قدم مزراحى أيضا للسينما المصرية نجم المسرح الكوميدى الشهير فى ذلك الوقت على الكسار فى مجموعة من الأفلام الهامة ومنها (ميت ألف جنيه، غفير الدرك، العز بهدلة، أنا طبعى كده، عثمان وعلى، سلفنى 3 جنيه، على بابا والأربعين حرامى، نور الدين والبحارة الثلاثة).

وفى القاهرة عمل مع المطربة الكبيرة أم كلثوم فأنتج فيلمها الرائع “سلامه”، بالإضافة لتقديم نجوم ونجمات لهم مكانة هامة فى السينما المصرية قدمهم مزراحى بداية من عام 1930 بمدينة الإسكندرية وحتى عام 1945 عندما انتقل إلى القاهرة ، وقدم خلال مسيرته السينمائية 36 فيلما،  ما يجعله فى الواقع مخرجا هاما فى السينما المصرية.

إذا علينا ان نحفظ فى الذاكرة هؤلاء السكندريين، الصناع الاوائل للسينما فى مصر، مزراحى ومن سبقوه من رواد السينما فى الإسكندرية، بداية من الأساتذة عزيز بندرلى وامبرتو دوريس والتلميذ النجيب الفيزى اورفانيللى، والقائمين على مدرسة التصوير السينمائي والإخراج والتوزيع ودور العرض، وهم مجموعة من الأجانب المقيمين بالمدينة او من أصول أجنبية وجنسيات متنوعة، وحتى تاريخ انتقال النشاط السينمائي بالكامل إلى القاهرة عام 1939 لأسباب عديدة منها الحرب العالمية الثانية ومعاركها الدائرة مابين الألمان ودول المحور فى مدينة العلمين وعلى مشارف المدينة، ثم بداية حركة السينما فى القاهرة وما تتيحه العاصمة من الأضواء والإعلام.

لكن تظل الإسكندرية هى مهد السينما والتى تحمل الريادة فى عدة أمور منها استقبال أول عرض سينمائي، وإنشاء أول دار عرض ، وانتاج أول فيلم ، وتأسيس أول ستوديو سينمائي بل وعدد من الاستوديهات، حيث أن القاهرة لم تعرف فن السينما  الا عام 1927 مع فيلم عزيزه أمير “ليلى”،  ثم المخرج الرائد محمد كريم وفيلمه الصامت “زينب” عام 1928 ولم يعرض بعدها الا فى عام 1930 من خلال “ستوديو رمسيس “عام 1928، ثم مرحلة الأفلام الناطقة وفيلم “أولاد الذوات” و”وأنشودة الفؤاد” فى عام 1932، وحتى تأسيس” ستوديو مصر” عام 1935 ومرحلة جديدة للسينما المصرية تبدأ بانتقالها إلى القاهرة.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٩ ،

الأكثر قراءة

سنوات البوتقة في تاريخ السينما المصرية
(٥٢-١٩٤٥)

شهدت السينما المصرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مرحلة غير مسبوقة من النضج والتطور الفكري على يد جيل من المخرجين الذين سيكون لهم شأن كبير فيما بعد

أرشيف الفيلم المصري
حكاية إهمال.. مثابرة.. وشغف

جولة في أرشيف السينما المصرية، الذي يكاد لا يكون موجوداً، تصحبنا فيها مسؤولة أرشيف "“سيماتك”"؛ مركز الفيلم البديل بوسط القاهرة، ومساحة تحتفي بتنوع وجمال وقوة الأفلام المحلية والعالمية.

رواية لم تكتمل
الأفلام التسجيلية المصرية في الفترة من 1912 إلى 1980

مشروع قومي تأثر بالأجواء والتوجهات السياسية ولم يحظ بالنجاح المطلوب رغم دعم الدولة له.

الرقص والراقصات في السينما المصرية

على الرغم من صعوبة تقبل المجتمع لمهنة الراقصين، ألا ان هذا المجتمع نفسه مولع بالرقص والإستعراض حتى ان الفيلم الذي يخلو منهما غالباً ما يفشل جماهيرياً

آفاق جديدة

تدين السينما المصرية بالكثير لمخرجين طموحين تمردوا على قاعدة "الجمهور عاوز كده"

سينما بديلة، من إنتاج الدولة
في يوم من الأيام..

رغم عدم استمرارها، كانت المؤسسة المصرية العامة للسينما، بما أنتجته من أعمال هامة، مثالاً لأهمية دور الدولة في دعم السينما الغير تجارية.