بقلم ياسمين الضرغامي

اذا تجولت فى مكان ميدان التحرير من مئتى عام، ربما كنت ستشعر بالملل والضيق من الوحل والناموس المنتشر بالمنطقة التى كانت تسمى آنذاك بـ "زريبة قوصون"، نسبة لأحد امراء المماليك. ولم تكن ذات اهمية تذكر، الشىء الذى تغير كثيراً فيما بعد...

منذ ما يقرب من مأتى عام، كان من يمر بموقع ميدان التحرير الحالى ربما سيشعر بالوحشة والملل، بل وربما الضيق بسبب الأرض الموحلة، والناموس المنتشر فى المكان الذى كان يعرف آنذاك بأرض قوسون.

ثم ما لبثت ارض قوسون (او قيسون) – وهو احد امراء المماليك– ان جفت بفعل تراجع النيل شرقاً واصبحت حقلاً لزراعة الدرة (وزريبة لتربية الماشية والأغنام).

لم يعر محمد على باشا الكبير ذلك الموقع اهتماماً يذكر سوى انة شيد فية لأبنته الأميرة نازلى قصراً مطلاً على نهر النيل. وكان قصر النيل رائعاً، على الرغم من غرابة اطوار صاحبتة.. الا ان هذة قصة اخرى.

لم يصبح هذا الموقع ذا شأن يذكر (مثلة مثل باقى المنطقة المحيطة به والمسماة اليوم بـ “وسط البلد”)  الا عقب زيارة الخديو اسماعيل للمعرض الدولى بباريس عام 1967، عندها فقط بدأ العصر الذهبى للعمارة فى مصر منطلقاً من الأزبكية (شمال ميدان التحرير) فهناك شيدت دار الأوبرا واحيطت بميادين واسعة وشوارع فسيحة ومبانى فخمة وقصور تنوعت طرزها المعمارية ما بين الـArt Nouveau, Neo-Islamic, Neo-Classic  و Neo Baroque، تلألأت جميعاً فى المنطقة التى كانت بمثابة نواة للعاصمة التى طالما حلم بها الخديو اسماعيل والتى ارادها باريس على ضفاف النيل.

اما ارض قوسون الموحلة فلم يطرأ عليها آنذاك اى تطوير يذكر سوى تشييد قصر آخر عام 1871 الى جانب قصر النيل، وكان يحتل موقع مجمع التحرير الحالى.   وانشىء بجوار هذا القصر مسجد صغير بداخله ضريخ للشيخ محمد العبيط الذى كان احد اصدقاء و”بصاصين” محمد على باشا. وما لبث هذا الضريح ان ضُم الى حديقة قصر الإسماعيلية الذى بنى فيما بعد.

ميدان الكوبرى 

ان حكاية ميدان التحرير تبدأ فى واقع الأمر مع الكوبرى الذى استمد منه الميدان اول اسم له. ففى عام 1872

انشىء كوبرى حديدى عرضة عشرة امتار لربط الجزيرة (الزمالك) بمنطقة الإسماعيلية (وسط البلد). حينذاك سعيد باشا المفتون باعسكرية قد اشترى قصر النيل وهدمه لتحل محلة ثكنات عسكرية، بينما احتل قصر احمد خيرى باشا (وزير المعارف ابان حكم الخديو اسماعيل) الاسلامى الطراز الجانب الشرقى من الميدان.

 وفى عام 1881 تلقى الكوبرى هدية، اصبحت منذ ذلك الحين احد اهم معالم العاصمة وهى اربعة اسود برونزية ابدعها النحات الفرنسى هنرى جاكمارت وصلت اللى مصر عبر ميناء الأسكندرية. ومما يذكر ايضاً انه كان من المفترض وضع تلك الأسود الأربعة فى حجم اصغر حول تمثال محمد على باشا بالأسكندرية، الأمر الذى لم يحدث.

اما تلك الهدية، فكان مقداراً لها ان تشهد الكثير عبر التاريخ.

فبينما يقبع اسدان فى مواجهة ذلك الميدان الذى كان مسرحاً للعديد من الأحداث والثورات فى تاريخ مصر الحديث، يقبع الأسدان الأخران على الجانب الأخر من الكوبرى فى مواجهة تمثال سعد باشا زغلول، رمز ثورة 1919. وما ان مر عام على مضع الأسود الأربعة فى مكانها الذى لم تبرحة لما يزيد عن 130 عام حتى وقع الإحتلال البريطانى لمصر، واحتل جبشه ثكنات قصر النيل مما خلق جواً من التوتر ظل يخيم على المكان لعقود متعاقبه.

ميدان قصر النيل

ان ذاكرة القاهرة تظل حيه من خلال اسماء شوارعها وميادينها، فعلى الرغم من هدم القصر نفسة واحتلال ثكنات الجيش مكانة الا ان الاسم عاش الى يومنا هذا، فقد اطلق على الميدان المواجة للكوبرى الشهير، ميدان قصر النيل.

ميدان الاسماعيلية

بدأت المدينة الحديثة التى حلم بها الخديو اسماعيل وصممها بيير جراند بك ونفذ اعمالها على باشا مبارك وزير الأشغال، بدأت تتشكل فى اواخر القرن الـ19، فقد انتقلت العديد من الشخصيات المرموقة فى مصر للعيش بالقرب من الميدان الشهير.  فالرائدة النسائية هدى هانم شهراوى شيدت فيللا جميله اندلسية الطراز مطلة على الميدان، وقصر احمد خيرى باشا الإسلامى الطراز اشتراة الثرى اليونانى وملك التبغ نستور جاناكليس وحولة الى مصنع للسجائر. والمعمارى السلوفانى انتونيو لاشياك بنى هناك قصراّ للأميرة نعمة اللة شقيقة الخديو عباس حلمى الثانى، وشمالاً على شاطىْ النيل، بنى الوزير يعقوب بك قطاوى فيللا جميله ذات طراز قوطى حديث اشترتها فيما بعد قوط القلوب الدمرداشية صاحبة الصالون الأدبى الشهير (والتى اعطت للأديب الراحل نجيب محفوظ اول جائزة تشجيعية نالها عام 1947).

ميدان الخديو اسماعيل

قببل نهاية القرن الـ19 امر الخديو عباس حلمى الثتنى ببناء متحف جديد وعهد بأدارتة عالم المصريات اجوست مارييت. نشره .وقد شيد المتحف المعمارى الفرنسى مارسيل دورنيون وافتتح عام 1902. ظل الميدان يحمل اسم الاسماعيلية لأعوام عديدة حتى قام الملك فؤاد بتغيير الإسم الى ميدان الخديو اسماعيل عام 1933. فى ذلك الوقت كان نستور جاناكليس كان ترك قصرة للجامعة المصرية الوليدة (جامعة فؤاد الأول ثم القاهرة فيما بعد) التى ما لبثت ان انتقلت لموقعها الدائم فى الجيزة تاركةً قصر جاناكليس الذى آل منذ عام 1920 الى الجامعة الأميركية. ويعتبر هذا القصر اقدم البنايات  الباقية فى الميدان.

بحلول الثلاثينيات من القرن الماضى ايضاً شيدت عدة مبانى متعددة الطوابق، شغل بعضها غدة دور نشر محلية كدار الهلال وروز اليوسف واخر ساعة وغيرها.

وفى نهاية عهد الملك فؤاد صممت حديقة مستديرة فى مركز الميدان توصطتها قاعدة تمثال رخامية وضعت فى بداية عهد الملك فاروق الذى اوصى بعمل تمثال لجده الخديو اسماعيل يوضع فوقة، الأمر الذى لم يتم ابداً.

اما التمثال نفسة، فقد ظل مصيره لغزاً كبيراً.

يتذكر المؤرخ ماكس كاركيجى انة شاهد بعض الصور لأجزاء ذلك التمثال الذى لم يكن اكتمل بعد فى اتيلية المثال محمود الوكيل (شقيق زينب الوكيل قرينه الزعيم الوفدى ورئيس الوزراء النحاس باشا)، كان التمثال يمثل الخديو اسماعيل راكباً جواد ويشبه كثيراً تمثال ابراهيم باشا بميدان الأوبرا وتمثال محمد على باشا فى ميدان المنشية بالأسكندرية. وقد ذكرت ارملة المثال محمود الوكيل ان ذلك التمثال قد تسبب فى ازمة مالية كبيره لهم بسبب انقلاب 1952 قبل انتهاء زوجها من صنع التمثال وقبل ان يسترد ما انفقه عليه.

ومما يذكر ايضاً ان هناك تمثال اخر للخديو اسماعيل شاهراً سيفه موجود فى احد المخازن الحكومية، يقال انة التمثال الذى كان من المفترض ان يوضع على القاعدة الرخامية ولكن لا احد يعرف مكان التمثال المذكور تحديداً. وهذا لغز اخر.

ومرت عقود، وتواترت اقاويل تشر الى انة سيتم وضع تمثال للزعيم جمال عبد الناصر فوق القاعدة الرخامية الخاويه تخليداً له بعد رحيله، ولكن مرة اخرى لم يحدث شىء من هذا، وانتهى الأمر برفع القاعدة الرخامية من الميدان فى عام 1987 اثناء الأعمال المرتبطة بحفر مترو الأنفاق واخنفائها منذ ذلك الحين.

ميدان التحرير

شهد ميدان التحرير حركات احتجاجية كبيرة لأول مرة اثناء ثورة 1919، عندما توافد علية الاف الطلاب من جامعة فؤاد الأول متوجهين الى بيت الأمة (منزل الزعيم سعد زغلول) القريب من شارع القصر العينى حالياً لسيملأو شوارع وميادين منطقة قصر النيل.

اما لمرة الثانية، فكانت عام 1951 وكانت مظاهرات ضد الإحتلال البريطانى. وعقب انقلاب 1952 تم هدم ثكنات الجيش البريطانى بقصر النيل، واطلق على الميدان اسم ميدان الحرية. ثم تغيير الإسم الى ميدان التحرير عام 1953. حينها كان قصر الإسماعيلية قد اصبح اثراً بعد عين وحل محله مبنى مجمع التحرير. اما مسجد الشيخ العبيط فقد هدم عام 1954 وحل محله جامع عمر مكرم الشهير الذى بناه المعمارى الإيطالى ماريو روسى.  قصر الأميرة نعمة اللة اشترته وزارة الخارجية، وفيللل هدى شعراوى فى مدخل شارع شامبليون هدمت ومكانها حالياً ساحة انتظار سيارات. اما فيللا قوت القلوب الدمرداشية فقد هدمت هى الأخرى ومكانها حالياً النفق الواصل بين جاردن سيتى وكوبرى قصر النيل.

ميدان انور السادات؟

هزت عملية اغتيال الرئيس السادات طول مصر وعرضها. ولتكريم الرئيس الراحل اطلق اسمه على اكبر ميادين القاهرة، ميدان التحرير، غير انة على الرغم من مرور ما يقرب من 30 سنة، فالأسم لازال غيرمستخدم، بل وغير معروف للعامة.

وتظل ذكرى اى شارع او ميدان متربطة ارتباطاً وثيقاً بتاريخة وبالأحداث التى شهدها على ارضة، ولهذا ظلت الأجيال الشابة فى مصر الآن غير مدركة لمعنى كلمة التحرير التى تم اطلاقها منذ عقود على الميدان، حتى الأجيال الأكبر سناً لم تشعر هى الأخرى بمعنى مسمى التحرير الذى اطلق على الميدان عقب هدم ثكنات قصر النيل القريه منه. فتلك الثكنات التى طالما احتلها الجيش الانجليزى بناها المصريون وليس الانجليز، بل وكانت جميلة من الناحية المعمارية. وربما لهذا لم يرتبط هدمها بالتحرير فى اذهان المصريين.

واياً كان ما ستذكرة كتب التاريخ عن ثورة 25 يناير وبغض النظر عن ما سيكون لها من نتائج ايجابية او سلبية بعدعقود من الآن، ستظل نقطة محورية في تاريخ مصر،  وسنرى لو في يوم من الأيام سيستحق الميدان الأسم الذى يحملة.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٢ ، ٢٠١١