بقلم آلان ميخائيل
ترجمة نوران ابراهيم

كيف وصلت بعض أشهر أطباقنا إلى مصر؟

يرتحل الطعام. هذه حقيقة ندرك تجلياتها في عالمنا المعاصر من خلال ما درجنا على تناوله من أطعمة شتى قادمة من مُختلِف أرجاء المعمورة. بحيث عَدَّ البعض انتشار الطعام المحلي واتساع قاعدته حديثًا بمثابة ردِّ فعل على غزو الطعام الآتي من مناطق أخرى عديدة كلَّ مناحي الحياة في المحروسة، وما ترتَّبَ على ذلك من عواقب وخيمة؛ من استغلال للعمالة واستخدام للمواد الحافظة والبصمة الكربونية المرتفعة للنقل والاقتصادات الاستخلاصية.

ويُعيننا تاريخ مصر على استجلاء ماهيَّة سفر الطعام وارتحاله منذ زمن طويل. فقد استمدت الإمبراطورية الرومانية معظم تموينها الغذائي من مصر، وبعدها بقرون، فعلت الإمبراطورية العثمانية –التي أطلق عليها أحد المؤرخين الإمبراطورية الرومانية الإسلامية – الشيء ذاته؛ فزرعت ما يقارب ربع إمداداتها الغذائية في أراضي مصر الخصبة. وعلى مرِّ العصور، مثَّلتْ مِصر سلة خبز مِنطقة المتوسط.

وبالطبع، كان الطعام يغادر مصر في هذه الآونة، ولكنه  كان يعود إليها في فتراتٍ أخرى وقد اكتسب سماتٍ جديدة، ما بَرِحَتْ تؤثِّر على المطبخ المصري بطرائق عديدة قد تكون غير مألوفة.

الذرة، مثلًا، وصلت إلى مصر في بادئ الأمر في أوائل القرن السادس عشر فحسب، وكانت أحد أبرز محاصيل ما يعرف بـ”التبادل الكولومبي”. وقبل عام 1492، لم تكن لتجد الذرة والطماطم والبطاطس والتبغ سوى في الأمريكيتيْن. وبالمثل، لم يكن السكان الأصليون للأمريكيتيْن قد تذوقوا محاصيل “العالم القديم”، مثل الباذنجان والموز والبن وقصب السكر، على الإطلاق. لكن بعد عام 1492، انتقلت النباتات والحيوانات، وكذلك الأمراض للأسف، عبر المحيط الأطلنطي في كلا الاتجاهيْن مما أدى إلى تبعات تاريخية.

وبمجرد وصول الذرة إلى مصر من “العالم الجديد”، سرعان ما أصبحت أحد المحاصيل المهمة في اقتصاد مصر ومطبخها. لتُعرفَ فيما بعدُ، في الإمبراطورية العثمانية – وهي القوة التي كانت تحكم مصر عند وصول محاصيل العالم الجديد إلى مِنطقة المتوسط. بـ”الحبة المصرية” (مِصْر)، واستمرَّ الحال كذلك في اللغة التركية حتى اليوم. ومما يُثير الاهتمام ويشير في الوقت ذاته إلى محطات رحلة الذرة عبر العالم القديم (من مصر إلى الأناضول؛ ومن ثم إلى أوربا)، أن الذرة كانت تعرف بـ”الحبة التركية” في البلقان وإيطاليا. إذن، لم يزرع المصريون الذرة ولم يتناولوها أو يصدِّروها إلَّا خلال الأعوام الخمسمائة الماضية. وبينما لم يعرف قدماء المصريين حتى بوجود محصول يُسمَّى بالذرة، أسعد الحظُّ أحفادهم بإمكان التمتع بأكواز الذرة المشوية الشهية في أمسيَّات الصيف.

“على الأرجح لا يفكر من يشوون الذرة على نواصي شوارع القاهرة في ليالي الصيف اليوم كثيرًا في أصلها الأمريكي”.

غيرَ أن من بين الأصناف الخفيفة المصرية بامتياز التي تمتدُّ جذورها إلى مكان آخر: البقسماط؛ تلك المقرمشات الطيبة التي يُفضَّل تناولها مع الشاي. بَيْدَ أن البقسماط يستمدُّ قرمشته الجافَّة من تاريخه؛ حيث ابتُكرت هذه المخبوزات من أجل أن تعيشَ وقتًا طويلًا دون أن يطولها الفساد، وكان الجيش العثماني ينتجها في الأصل لإطعام جنوده (الاسم باللغة العربية يأتي من الكلمة التركية “پِكسيمِت”). إذ كان البقسماط الناشف والخفيف في آن واحد مثاليًّا في الحركة والانتقال إلى مسافات بعيدة والتخزين لفترات طويلة، كما كان يحتوي على سُعرات كافية لتوفير كَميَّات وافية من الطاقة للجنود والبحارة والعمال الذين كانوا يستهلكونه بانتظام.

وفي عام 1801، أصدرَ السلطان العثماني سليم الثالث أمرًا إلى والي جزيرة رودس يحثه فيه على إرسال البقسماط إلى مصر. حيث كان البحارة العثمانيون سيُمضون شهور الشتاء على متن سفنهم الراسية في موانئ الإسكندرية ودمياط ورشيد والسويس. حيث قضت الإرادة السلطانية السامية بإرسال كمية كبيرة قِوامُها 585156 كجم من البقسماط إليها لدعم الأسطول المتمركز هناك. وإذا ما فكرنا في هذا الأمر لوهلةٍ، فسرعان ما ندرك الحجم الهائل لطبيعة بنية النقل العثمانية التحتية التي كانت تُسخَّرُ لنقل هذه الكمية الضخمة من الطعام، متمثلة في: سفن ترتحل من رودس إلى مصر، وبغال لحمل البقسماط من ساحل المتوسط إلى السويس، وجِوالات لتعبئته، وعمال للنهوض بهذه المهمة الجسيمة.

كذلك بدأ ما يصفه البعض بـ”طبق مصر الوطني” – الكشري – حياته أيضًا خارج مصر. فالكشري المصري هو نسخة معدَّلة من “الكيتشري” الهندي؛ النسخة الأصلية له (لأنه توجد تنويعات لا حصر لها) تتضمن العدس والأرز فقط من دون المكرونة أو البصل المحمَّر أو صلصة الطماطم (بما أن الطماطم، كما أسلفنا، كانت أحد محاصيل العالم الجديد) التي أضيفت جميعها على مرِّ السنوات وميَّزت الكشري المصري عن أيِّ صِنف يمكنك تذوقه في الهند اليوم.

ويختلف المؤرخون بشأن كيفية وصول الكشري من الهند إلى مصر، مع إشارة بعضهم إلى دور الحجاج المسلمين في ذلك إبَّان القرن التاسع عشر، وإشارة البعض الآخر إلى دور جنود الجيش البريطاني من الهنود الذين تواجدوا في مصر خلال الحرب العالمية الأولى. وأيًّا كان المسار الدقيق لدخول الكشري وانتظامه في دورة الغذاء المصري اليوميَّة، فإن المصريين أحبوا الكشري للأسباب نفسها التي أحبه الهنود من أجلها – فهو مُرْضٍ ورخيصٍ ومُشْبع.

وربما لا يُفكر من يشوون الذرة على نواصي شوارع القاهرة في ليالي الصيف اليوم كثيرًا في أصلها الأمريكي. فالغالبية منَّا ممن يُسَقُّون البقسماط في كوب الشاي صباحًا لا يعرفون، على الأرجح، أن هذه المخبوزات ناشفة وجافَّة بسبب الإمبراطورية العثمانية، أما الكشري الذي لا يخلو منه مكان في مصر اليوم، فيندر العثور على أي إشارات إلى أصوله الهندية. ولكن كل هذه الأطعمة المركزية في مطبخ مصر وثقافتها واقتصادها وحتى لغتها جاءت إلى مصر من أماكن أخرى. ومن الأهمية بمكان أيضًا أن نُلاحظ أن الشطر الأعظم من تاريخ ارتحال الطعام ارتبط بمشروعات عسكرية بشكل أو بآخر، مثل الاستعمار الأوربي للأمريكيتيْن أو وجود الجيش العثماني في مصر. ومن نافل القول إن الحرب كانت محركًا أساسيًّا في تاريخ مصر والعالم. وإحدى الطرق التي يمكن قياس هذا الأثر بها هي حركة الطعام والتذوق عبر العالم.

بالإضافة إلى ذلك، تُسهم قصص المطبخ هذه في لفت الأنظار إلى طبيعة اتصال مصر على مرِّ تاريخها الطويل  بالعالم. فالطعام، إذن، يقوم بوظيفتيْن: يُسلِّط الضوء على تاريخَ مصر، وما سادَ ثقافتها واقتصادها المعاصريْن من تحولاتٍ ومؤثِّرات. صفوة القول إنه أيًّا ما كان موقعنا على خريطة العالم، فإننا نلتمس في الأطعمة التي نتناولها  كلَّ يوم على سبيل المتعة أو إقامة الأود تاريخًا للعالم من حولنا.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩