عقب ثورة 1952، رغم النجاح الذي حققته السينما في مصر على مدى عقود، إلا انها لم تتعدى حدود اقليمها العربي، وكانت لاتزال تعاني من مشكلات مزمنة كان يأمل العاملون بالسينما حلها. وهنا ننشر الخطاب الذي وجهه المخرج فطين عبد الوهاب نيابة عن نقابة السينمائيين الي الصاغ صلاح سالم وزير الإرشاد آنذاك، والذي نشرته مجلة "الفن" عام 1953 في عدد خاص حمل عنوان "الفن والحرية".

النص الكامل للتقرير المقدم الي السيد الصاغ صلاح سالم وزير الإرشاد

عن صناعة السينما فى مصر من نقابة السينمائيين

لاشك أن السينما هى أهم وسيلة من وسائل التثقيف والتوجيه والدعاية فضلا عن أنها من أهم وسائل التسلية البريئة الميسورة لغالبية الشعب. واهميتها كأداة توجيه أو تسلية ترجع إلى سعة انتشارها وسهولة فهمها وتفوقها فى ذلك عن الصحف والكتب والمسرح والإذاعة. والأفلام المصرية – رغم قصور غالبيتها عن بلوغ مستوى الأفلام العالمية قد لعبت دورا هاما جداً فى التعريف بمصر في الدول العربية وتأكيد زعامتها ونشر لهجتها وعوائدها ومظاهر تقدمها بين هذه الدول.

وليس قصور الأفلام المصرية ناشئ عن جهل القائمين بالصناعة كما يدعى بعض الناس، والدليل على هذا أن بعض الأفلام المصرية التى اتيحت لها ظروف انتاجية حسنة قد عرضت فى مهرجانات السينما الدولية فى “كان” و”برلين”. بل أن بعض شركات التوزيع الألمانية قد سارعت بالتعاقد على عرض فيلمى “لك يوم يا ظالم” و “ريا وسكينة” الذين عرضا أخيرا بمهرجان برلين.

لكننا لا ننكر أن الأفلام المصرية فى مجموعها متخلفة عن المستوى العالمى من جهة الصناعة والموضوع وذلك يرجع إلى عدة أسباب :

  • السينما صناعة باهظة التكاليف

فإذا علمنا أن بعض الأفلام الأمريكية يتكلف مليونا أو مليونين من الجنيهات، والأفلام الأوربية لا يقل تكاليف الواحد منها عن المائة ألف جنيه، فى حين تبلغ تكاليف الفيلم المصرى فى المتوسط سبعة عشر ألفا من الجنيهات. لامكننا أن نعرف السبب الأول فى عجز السينمائى المصرى عن انتاج ينافس الانتاج العالمى.

والسبب فى هذا الفرق الشاسع هو أن سوق الفيلم الأمريكى أو الأوروبى عالمية تغل على منتجه ملايين الجنيهات. وكذلك ففى استطاعة منتجه أن يصرف عليه بهذا البذخ.

أما سوق الفيلم المصرى فمحدود بالبلاد التى تتكلم اللغة العربية وبالتالى فإن إيراده محدود. ولذلك وجب انتاجه فى حدود هذه الميزانية الضيقة مما يجعل الانفاق الصناعى صعب المنال، هذا زيادة على المنافسة الشديدة التى يلقاها من الأفلام الأجنبية فى هذه السوق.

  • منتج الأفلام المصرية

وهو الذى يمول انتاج الأفلام – يهمه كتاجر أن تربح بضاعته. وهذا المنتج يعرض بضاعته على جمهور نسبة التعليم فيه 10% ونسبة الجهل 90% وهو كتاجر – ولا لوم عليه فى ذلك – يهمه ارضاء غالبية الجمهور.

وهذه الغالبية فى مصر والبلاد العربية هى التى تحتم عليه حشو أفلامه بالرقصات والأغانى ليتمشى مع الحرمان والبدائية التى يعيش فيها غالبية جمهوره حتى أصبح من المجازفة ان تنتج فيلما ذا فكرة إنسانية عالية أو هدف سام. ونضرب بذلك مثلا أفلام “مصطفى كامل” و”سجى الليل” و”مؤامرة” التى أصيب منتجوها بخسائر مادية فادحة رغم سمو الهدف والفكرة فى كل منها.

  • الرقابة

لا يوجد للرقابة على الأفلام حتى الآن قانون. بل لائحة وضعها رجال الإدارة الإنجليز منذ عشرات السنين. وقد منعت هذه اللائحة على السينمائيين المصريين معالجة الخطير من عيوبنا الاجتماعية كما منعت عليهم التعرض لتاريخنا الوطنى المجيد. فحصرت مؤلف القصة السينمائية – عن قصد – فى دائرة ضيقة لا تخرج بالقصة عن التسلية والسطحية فى التفكير حتى لا تصبح السينما المصرية أداه توجيه أو إرشاد أو وسيلة من وسائل إصلاح عيوبنا الاجتماعية ورفع مستوى الشعب أو تصوير حوادثنا الوطنية الجليلة وبحث حوادث تاريخنا المجيد. وكل من كان يتقدم للرقابة بأحد هذه الموضوعات كان يتهم بأنه من أصحاب الآراء المتطرفة، حتى يعود مضطرا إلى المجال الضيق الذى تركته له اللائحة لكى يكسب قوت يومه.

هذه هى أهم أسباب ضعف معظم الأفلام المصرية. ولتداركها والنهوض بالفيلم المصري. نرجو أن تدرسوا المقترحات الآتية وتصدروا أوامركم بتنفيذها.

وتهدف هذه المقترحات إلى الآتى:

  • خلق فئة جديدة من المنتجين لا تسعى إلى الكسب وحده بل قد تتحمل بعض الخسارة فى بعض أفلامها فى سبيل نشر فكرة سامية أو التبشير بمبدأ مفيد مع الوصول إلى الكمال الفنى والصناعى.
  • تشجيع المنتجين الحاليين على التغاضى عن مطالب الغالبية العظمى من رواد الأفلام المصرية. وبدلا من أن نترك هذه الفئة (الأمية تقريباً) توجه سياسة انتاجنا نبادر بتشجيع المنتجين على إنتاج أفلام توجه هذه الفئة وتهذبها وترفع من مستواها.
  • خلق طبقة جديدة من السينمائيين صانعى الأفلام تكفل لها دراسة سينمائية عالية.
  • حماية صناعة السينما المصرية والمشتغلين بها. أسوة بما قامت به الحكومة من حماية صناعة الغزل والصناعات المحلية المهمة الأخرى. إذ أن السينما لا تقل أهمية عن هذه الصناعات بل قد تفوقها لخطورة رسالتها وضخامة رؤوس أموالها وكثرة عدد المشتغلين بها من آلاف الفنيين والعمال. حتى أن مصلحة الضرائب تعتبرها الصناعة الثانية فى مصر بالنسبة للضرائب المتحصلة منها.

فإذا تيسر لنا تحقيق هذه الأهداف. يصبح الفيلم المصرى فى سنوات قليلة جداً فى مستوى صناعى وفكرى عالمى يسمح له باقتحام السوق العالمية ونشر دعايته لمصر فى جميع أنحاء العالم كأحسن ما تكون الدعاية.

ولا يخفى عليكم الأثر البالغ الذى تركه الفيلم الأمريكى فى شعوب الدول التى يعرض فيها حتى طبع المجتمع فى غالبية الدول بالطابع الأمريكى.

المقترحات

أولاً: فى الوقت الحالى يدفع المتفرج على الفيلم المصرى لشراء تذكرته مبلغا يزيد على ما يدفعه لمشاهدة الفيلم الأجنبى. ولذلك نقترح – تيسيرا للجمهور وتشجيعا له على الاقبال على الفيلم المصرى – أن يخفض ثمن التذكرة مبلغا يتراوح بين قرش وثلاثة قروش يتحمله مناصفة صاحب الفيلم وصاحب دار العرض.

والسينمائيون المصريون على استعداد لتخفيض أجورهم بنسبة التضحيات التى يتحملها المنتج وصاحب دار العرض من جراء تخفيض ثمن التذكرة.

ثانياً: يخصص مبلغ نصف قرش من هذا التخفيض يضاف إلى ثمن تذاكر السينما على الأفلام الأجنبية بجميع دور السينما بالجمهورية المصرية. ويخصص إيراد هذا النصف قرش للصرف منه على الأوجه الآتية:

  • 60% من الايراد لتكوين رأس مال لبنك تسليف سينمائى تكون وظيفته تمويل الأفلام ذات الموضوعات السامية الفكرة.

وبهذه الطريقة نخلى الطريق للأفكار الجيدة للظهور على الشاشة دون أن تربط الفنان المتحرر بممول من المتخلفين عن ركب التطور كل همه إرضاء غرائز الجمهور جريا وراء الكسب المادى.

  • يخصص مبلغ 30% من إيراد النصف قرش لعمل جوائز مالية تعطى لمنتجى أحسن أفلام الموسم.
  • يخصص مبلغ 10% الباقية من إيراد النصف قرش لإنشاء معهد للسينما.

ويخصص جزء من هذا المبلغ الأخير لإرسال بعثات من السينمائيين المصريين المتفوقين إلى الخارج.

ثالثاً: وضع قانون لرقابة الأفلام يقتبس من قوانين الرقابة بأمريكا وأوروبا ويراعى فيه تطور الفكر العالمى ويكفل حرية الرأى ويجارى النهضة المصرية الحالية.

رابعاً: التعجيل بصدور القانون المهنى لنقابة السينمائيين حتى نحمى الصناعة من الدخلاء الذين يسيئون إلى الصناعة وإلى الاقتصاد القومى وإلى سمعة البلاد فى الخارج.

خامساً: أن مصر هى البلد الوحيد فى العالم التى يوجد بها صناعة للسينما ولا تهتم بالأفلام القصيرة التسجيلية أو التعليمية رغم ما فى هذه الأفلام من فائدة أكيدة فى رفع مستوى الشعب الثقافى والاجتماعى والصحى.

والسبب فى عدم اهتمام السينمائيين بهذا النوع من الأفلام هو أن دور العرض تستأجرها بمبالغ زهيدة جدا لا تغطى تكاليفها.

ويمكننا علاج هذه الحالة بأن نقتبس ما قامت به الحكومة الفرنسية والإيطالية لتشجيع انتاج الأفلام القصيرة فقد سنا قانونا بألا يسمح لأى دار عرض بعرض فيلم طويل – محلى أو أجنبى – إلا ومعه فيلم قصير تسجيلى أو تعليمى من صنع البلاد على أن يدفع لصاحب الفيلم القصير مقابل عرضه 3% من إيراد الفيلم الطويل الذى يعرض معه.

وهذا القانون فضلا عن أنه يساعد على نشر هذا النوع من الأفلام فإنه وسيلة فعالة لإيجاد عمل مستمر للسينمائيين العاطلين ويعطى الفرصة للمبتدئين لتجربة مواهبهم وخبرتهم قبل اضطلاعهم بالعمل فى الأفلام الطويلة.

سادساً: عقد معاهدات سينمائية مع البلاد الأجنبية التى تعرض أفلامها بمصر. بمعنى أن تتعهد الشركات السينمائية بهذه البلاد على توزيع عدد نسبى من الأفلام المصرية ببلادها مقابل السماح لها بعرض أفلامها فى مصر. وبذلك نخلق سوقا جديدة للفيلم المصرى تزيد من إيراده حتى يتسنى لنا زيادة تكاليفه وبالتالى زيادة انتقائه الفنى والصناعى.

كما تعقد معاهدات مع بعض هذه البلاد – كأمريكا مثلا – لإعطاء مصر أولوية فى استيراد الفيلم الخام والماكينات وقطع الغيار السينمائية حيث أنه كثيرا ما تتعطل الصناعة فى مصر لنفاذ الفيلم الخام من السوق.

سابعاً: السعى لدى وزارة المالية لخفض الرسوم الجمركية المفروضة على الفيلم الخام الذى تعتبره الوزارة حتى الآن من الكماليات وجعل هذه الرسوم مساوية للرسوم المفروضة على خامات الصناعات الأخرى.

وهذا الإجراء – فضلا عن أنه يوفر جزءا كبيرا من تكاليف الانتاج. يساعد كثيرا على ارتفاع درجة الاتقان الفنى إذ كثيرا ما يحدث الآن ألا يعيد المخرج تصوير بعض المشاهد التى لا يرضى عنها تماماً لإرتفاع ثمن الفيلم الخام.

ثامناً: تخفيض الضرائب على الفيلم المصرى ورفعها على الفيلم الأجنبى حتى يتسنى لنا تخفيض ثمن التذكرة حماية للفيلم المصرى من منافسة الفيلم الأجنبى.

وتخفيض الضرائب على الفنانين أسوة بما هو متبع فى جميع الدول المتقدمة تشجيعا لذوى المواهب الفنية على الاشتغال بالفن السينمائى.

تاسعاً: السماح بالتصوير في الأماكن العامة والمنشآت الرسمية أو العسكرية دون معارضة مادام الفيلم فيه الدعاية الطيبة لمصر وتقتضى حوادثه التصوير فى هذه الأماكن.

عاشراً: الزام دور السينما الأجنبية “ريفولى، راديو، أوبرا، كايرو، مترو .. الخ” بضرورة عرض الفيلم المصرى مدى شهرين فى كل عام اثناء الموسم.

فإن الملاحظ أن هذه الدور الاجنبية تستبد بالفيلم المصرى ولا تصرح له مهما كان مبلغ نجاحه إلا بأسبوعين وهى التى تحدد المدة وعادة تكون صيفا وفى وقت واحد تقريبا بجميع الدور مما يتسبب في ضعف الأقبال على الافلام المصرية.

حادى عشر: تشجيع عرض الأفلام 16 ملليمتر فى القرى والمدن الصغيرة المحرومة من دور العرض حتى يتسنى له نشر الرسالة المطلوبة على أوسع نطاق وعلى أكبر عدد من المصريين أسوة بما يفعله المسرح الشعبى.

هذه هى المقترحات التى نراها عملية ومجدية للنهوض بصناعة السينما فى مصر حتى تقف على قدم المساواة مع السينما فى أوروبا وامريكا.

وهى كما ترون سيادتكم لن تكلف ميزانية الحكومة عبئا جديداً إذ أن تخفيض الرسوم الجمركية أو الضرائب سيعوض أضعافا بزيادة حصيلة الحكومة من الضريبة على التذكرة عندما يزداد اقبال الجمهور لانخفاض ثمن التذكرة وجودة الأفلام التى تعرض عليه.

هذه المقترحات سترقى بصناعة السينما التى أصبحت من أهم الصناعات فى العالم، وأن مجرد عرض فيلم مصرى جيد المستوى فى الخارج هو خير دعاية لمصر فضلا عن أنه يزيد من ثروة البلاد، إذ كلما اتسعت سوق الأفلام المصرية كما زادت الأموال التى تدخل مصر مقابل بيع هذه الأفلام فى الخارج.

ويهمنا أن نذكر فى ختام هذا التقرير أن صناعة السينما فى مصر أصبحت ضخمة يشتغل بها عشرات الالاف من المصريين بين فنيين وممثلين ومنتجين وموزعين وصحفيين وأصحاب دور العرض وعمال الاستديوهات وملحنين وموسيقيين وتجار أدوات سينمائية وإداريين.

وهؤلاء يمولون مئات الالاف من أفراد عائلاتهم. والصناعة حاليا شبه متوقفة عن الانتاج ان لم تكن متوقفة تماما.

لقد حاولنا مرارا فى العهود البائدة أن نجعل المسئولين يهتمون بصناعة السينما ويؤمنون بفائدتها للبلاد. لكنهم لم يسمعوا صوتنا ولم يهتموا بأمرنا فكانت المحنة التى نمر بها الآن والتى تهدد الصناعة بالانهيار والزوال. ولذلك كانت فرحة السينمائيين بقيام العهد الجديد فرحة مزدوجة فرحتهم كمصريين وطنيين وفرحتهم لثقتهم بأن صناعة السينما ستشملها النهضة الشاملة التى يحمل لوائها قواد الحركة. وقد عبروا عن فرحتهم هذه فقاموا عن بكرة أبيهم يدعون للحركة المباركة بفنهم وخبرتهم سائلين المولى عز وجل أن يكلل مجهوداتهم بالنجاح والتوفيق.

وأننا اليوم إذ نقدم هذا التقرير إليكم بالذات، لنا كبير الأمل فى أن توافقوا على هذه المقترحات فى القريب العاجل لما عرف عنكم من سعة الإدراك وسرعة البت وتشجيع كل ما هو فى مصلحة مصر والمصريين.

فطين عبدالوهاب

وكيل مجلس إدارة نقابة السينمائيين المصريين

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٩ ،

الأكثر قراءة

سنوات البوتقة في تاريخ السينما المصرية
(٥٢-١٩٤٥)

شهدت السينما المصرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مرحلة غير مسبوقة من النضج والتطور الفكري على يد جيل من المخرجين الذين سيكون لهم شأن كبير فيما بعد

أرشيف الفيلم المصري
حكاية إهمال.. مثابرة.. وشغف

جولة في أرشيف السينما المصرية، الذي يكاد لا يكون موجوداً، تصحبنا فيها مسؤولة أرشيف "“سيماتك”"؛ مركز الفيلم البديل بوسط القاهرة، ومساحة تحتفي بتنوع وجمال وقوة الأفلام المحلية والعالمية.

رواية لم تكتمل
الأفلام التسجيلية المصرية في الفترة من 1912 إلى 1980

مشروع قومي تأثر بالأجواء والتوجهات السياسية ولم يحظ بالنجاح المطلوب رغم دعم الدولة له.

الرقص والراقصات في السينما المصرية

على الرغم من صعوبة تقبل المجتمع لمهنة الراقصين، ألا ان هذا المجتمع نفسه مولع بالرقص والإستعراض حتى ان الفيلم الذي يخلو منهما غالباً ما يفشل جماهيرياً

آفاق جديدة

تدين السينما المصرية بالكثير لمخرجين طموحين تمردوا على قاعدة "الجمهور عاوز كده"

سينما بديلة، من إنتاج الدولة
في يوم من الأيام..

رغم عدم استمرارها، كانت المؤسسة المصرية العامة للسينما، بما أنتجته من أعمال هامة، مثالاً لأهمية دور الدولة في دعم السينما الغير تجارية.


Warning: count(): Parameter must be an array or an object that implements Countable in /home/qpixweb4/public_html/rawi-magazine.com/wp-content/themes/qpix/single-articles.php on line 834