بقلم وسام مسعود و مصطفي الرفاعي
ترجمة نوران ابراهيم

نظرة على الجذور الريفية لعددٍ من الأطباق التي نعتبرها مصرية صميمة.

من بين الأسئلة الشائعة التي يطرحها أيُّ طاهٍ محترف: “ماذا تحبُّ أن تأكل؟”. يتوقع معظم الناس إجابة تتمحور حول مأكولات شهيَّة، باهظة الثمن، ولكن الحقيقة عادة ما تكون أكثر بساطة بكثير: البيض والأرز والخبز… هذه هي الأنواع الأساسية التي نشأنا عليها ونحن نتناول طعامنا على الطبلية مع عائلاتنا حتى أواخر القرن العشرين. كنا نتواصل على الوجبات قبل أن نتواصل على الفيسبوك بكثير. متذكرين بإعزازٍ أطباق جداتنا وطرق تناول الطعام في ريف مصر في وقت كانت فيه الكهرباء نفسها شيئًا جديدًا يغزو حياتنا ببطء.

من المزرعة إلى المائدة

غيرَ أنه من أجل فهم ثقافة الطعام الريفي، لابد من دراسة اقتصاديات هذه المناطق. وبشكل نمطي، كان الفلاحون المصريون يُشكِّلون تجمعاتٍ من البيوت تلتفّ حول المركز الذي دائمًا ما يكون بيت أكبر العائلات المالكة للأراضي. كان العمل في الغيطان، وبناء البيوت، وتوفير القيادة هي مجالات اختصاص أعضاء الأسرة من الذكور، أما المهمَّات مثل إنتاج المواد الغذائية المتنوعة المتاحة وتحضيرها وتنظيمها كل يوم، فكانت تقع على عاتق نساء الأسرة، وخاصة ست الدار أو الأم التي تبسط نفوذها على الأسرة الممتدة، وتنفرد بالقرارات المتعلِّقة بما يُشترى ويُوزَّع؛ مما كان يمنحها نفوذًا وتأثيرًا لا يقتصر أثره على رفاه العائلة فحسب، بل يرفع مكانتها في المجتمع الأوسع.

الطعمية الموسمية

تُعدّ الطعمية (أو الفلافل) الخضراء المعروفة اليوم، والمتاحة طَوال العام، ناتجًا للزراعة الحديثة. وحتى ثمانينيات القرن العشرين، كان الفول المجفَّف يُنقع في الماء؛ ومن ثَمَّ يُطحن ويُخلط بالأعشاب والبهارات لصنع الطعمية، والتي قد تكون إما بيضاء وإما خضراء وفقًا لتوافر الأعشاب الورقية مثل الشبت والكزبرة والبقدونس.

تصوير كريس ب

في كل أسبوع، كانت عائلات القرية تجتمع لعرض سلعها الفائضة في السوق. وتحاول أسواق المزارعين التي تنعقد اليوم في المراكز الحضرية العصرية تقليد أسواق القرى الأصلية، ولكن بادئ ذي بدء، لم يكن من المعهود تبادل العملة في مقابل البضائع. و كانت العائلات تقايض بعضها البعض – صاعًا من الذرة في مقابل جرَّة من السمن، أو سلة من الخيار الطازج في مقابل حُزمة من البصل الأخضر. وحتى الأطفال الصغار كانوا يشترون حلوياتهم بمقايضة كوز من الذرة بقطعة ملبن.

عادة ما كانت أسواق المزارعين تُقام في منتصف الأسبوع لتوفِّر السلع الموسمية والمحلية – فإذا لم يُحصد، مثلًا، الخيار في ذاك الأسبوع، فلم يكن ليوجدَ في السوق. كما كان الجزار يُتيح سلعه للبيع في أيام معينة وحسب؛ بحيث يُعلَن عن وصول اللحوم الطازجة بتعليق الذبيحة خارج محله وبتوفير القطعيات الأساسية وحسب: كباب الحلة والأحشاء مثل الكبدة والكلاوي والفشة والمخ؛ فلم يكن أيٌّ من الأجزاء ليذهب سدى. وفي المناطق المشرفة على الروافد والمصبات النيلية الأكبر، كان الصيادون ذوي تجارة رائجة في أيام السوق، وعادة ما كانوا يعرضون بضاعتهم من أسماك المياه العذبة مثل القراميط أو البلطي.

كانت هذه الأسواق المصدر الأساسي للمواد الغذائية المتاحة تجاريًّا؛ ومن ثَمَّ، كان لها أثر مباشر على محتويات قائمة طعام الأسبوع التالي. فعلى الرغم من ذلك، لم تكن كل السلع تُشترى من السوق، وكان الاكتفاء الذاتي علامة البيت المدار باقتدار. فقد كانت البيوت الريفية تعتمد على مصدريْن للتموين الغذائي: ما كان يأتي من الأرض مباشرة (خير الأرض)، وما كان يأتي من الحيوانات التي كانوا يربونها (خير الدار).

حتى اليوم، لم يزل الجاموس هو المصدر الرئيسي للحليب للمصريين. ويُستخدم اللبن الجاموسي لصنع الزبادي والجبن القريش، الذي يُصنع منه المِشّ، والزبدة التي تُستخلص منها السمنة. وتُضاف جوامد الحليب المتبقية – المورتة – إلى المِشّ وأطباق أخرى لتطييب المذاق. أما السمنة فتُستخدم في كل المأكولات الفلاحية بوصفها دُهن الطبخ الأساسي، ونظرًا إلى غناها وللنكهة المصرية الأصيلة التي تمنحها لأحبِّ الأطباق المصرية. حتى إن إحدى أحبِّ الأكلات الفلاحية المعروفة في أوساط العائلات القاهرية العصرية وهي الفطير “المشلتت”، يُصنع بكميات وافرة من السمنة توضع بين طبقات رقيقة من العجين، ويؤكل مع البط أو الإوز المسلوق، أو على الإفطار مع العسل الأبيض والجبن أو العسل الأسود والقشدة الطازجة.

المش هو أحد أنواع الجبن اللاذع والنفَّاذ والمخلل والمخمر، ويعتبره معظم المصريين من أطايب الطعام. تقليديًّا، يُعِدُّه الفلاحون بطريقة بسيطة للتصنيع. حيث يُخلط الجبن القريش المصنوع من اللبن الجاموسي بنسب مختلفة من اللبن الرائب ومخيض اللبن والمورتة (بقايا تصنيع السمنة). ويُنَكَّه المزيج بأنواع مختلفة من الفلفل وملح المائدة وقطعة من المِشّ القديم الذي يقوم بوظيفة الخميرة. ويخزَّن المِشّ ذو اللون البني المصفر المؤلَّف من الجبن المتخثر وروبة التخليل في جرار من الفخار المسامي تُتيح للماء التسرب من خلالها أو التبخر؛ من أجل تركيز الوسط الملحي بما يؤدي، في النهاية، إلى تحويل المزيج إلى عجينة. ويحتفظ بالوعاء مغلقًا في مكان دافئ من أجل أن ينضج، وعند استهلاك جزء من المِشّ الناضج، تُضاف كمية جديدة وتُخلط بالمحتوى المتبقي لضمان استمرار عملية التخمر..

تصوير نبيل بطرس

بَيْدَ أن الدجاجات تُثمَّن نظرًا إلى البيض الذي تنتجه، والذي عادة ما يُسوَّى على الجمرات الموشكة على الانطفاء في فرن الدار، أو يُحمَّر في السمنة ويُدفن في طبقٍ من الأرز ويُؤكل بوصفه طبقًا رئيسًيا (رُزًّا مجمَّعًا). أما الحمام، فيربَّى في البيوت الأكبر ويُغذَّى بشكل جيد من أجل اليوم الذي لا مفرَّ منه عندما يُطبخ ويقدَّم احتفالًا بمناسبة خاصة، مثل عودة أحد أفراد الأسرة من سفر طويل، أو للترحيب بالضيوف في الدار، وتتضمن كل تحضيرات الطائر تقريبًا حشوه إما بالأرز المطبوخ والطماطم وأحشائه، وإما بالفريك (القمح الأخضر المدشوش والمحمَّص)، وإما بالحمص. ويُحمَّر الطائر عندئذٍ في السمنة، ويُشوى في الفرن حتى ينضج. ويختلف كلٌّ من الحشو والنكهة من منطقة لأخرى، ولكن يبقى الأسلوب كما هو. وعادة ما تُؤكل الحمامة بأكملها من الرأس حتى الذيل؛ لأن ترك الطعام في الطبق تعتبر إهانة للمضيف.

وتُزرع تشكيلة واسعة من المحاصيل في الأرض، ومن الشائع أن يكون لدى بيوت العائلات الكبيرة غيط خاص بهم للخضراوات. فيُزرع كلٌّ من الخيار والفلفل والطماطم والكوسة ويدخلون في إعداد الوجبات اليومية، حتى غدا البصل وأعضاء أسرته من الكراث والثوم والبصل الأخضر – من المكونات الأساسية في العديد من الأصناف المصرية الكلاسيكية. وعلى مرِّ مائتي العام الماضية، انضمت إلى القائمة الطماطم والبطاطس وأوراق الكزبرة الطازجة والبقدونس والشبت، بالإضافة إلى البهارات مثل الكمون وبذور الكزبرة من أجل خلق المزيج والنكهة اللذيْن يميزان طعام بلدنا. 

ولكن الأعشاب والخضراوات الورقية لم تتوافر في الماضي؛ ومن ثَمَّ، لم ينتشر استخدامها كما هو الحال اليوم. مع وجود استثناءات بسيطة، مثل الرِجْلة والجُعضيض، فكانت الأعشاب والنباتات البرية تُستخدم لتعزيز التنويعات المطبخية المتاحة. وأضحت هذه الخضراوات تؤكل إما نيئة وإما مطبوخة مع الملوخية أو السبانخ.  

وكانت لدى بعض البيوت كروم العنب، التي كانت تُزرع من أجل الحصول على أوراقها – لتخليلها وحشوها – وثمارها التي تُقدَّم على مدار اليوم باعتبارها وجبة خفيفة أو تحلية. وقد تتمتع بيوت أخرى بنخيل البلح أو أشجار المانجو أو الليمون. وغالبًا ما تكون الفاكهة هي التحلية الوحيدة المتاحة. كما يتمُّ تناول الأرز باللبن والمهلبية، ولكن بشكل عام، فإن الحلويات تعتبر رفاهية. أما بالنسبة إلى الأطفال، فيوجد سَدُّ الحنك، الذي يتكون من عسل النحل والدقيق المطحون والسمنة؛ حيث تُطبخ كل المكونات معًا حتى تصير عجينة ثخينة وتُؤكل.

تحتلّ الملوخية مكان الصدارة بين الأصناف المصرية. وسواء كانت طازجة أو مجففة، فإنها دائمًا ما تُخرط في مصر باستخدام المخرطة وتُطبخ في المرقة. وتوجد منها عدة تنويعات إقليمية. فالملوخية الناشفة تُطبخ، على سبيل المثال، في الجنوب، في المرق وتقدَّم دافئة ويُطلق عليها “إيتر”، وهناك تنويعة جنوبية أخرى هي “الشلولو”، وهي إحدى كلاسيكيات المطبخ القبطي، وتُصنع باستخدام الملوخية الناشفة وتُنَكَّه بالكثير من الليمون والطماطم الطازجة، ويكون لونُها أخضرَ فاقعًا. وفي الواحات الغربية، تجفَّف الملوخية وتُطبخ حتى تتحوَّل إلى اللون الرمادي وتقدَّم باعتبارها طبقًا جانبيًّا. أما في المناطق الساحلية، فعادة ما تقدَّم مع الجمبري. وبالنسبة إلى أبناء العائلات ذات الأصول التركية، وخاصة أولئك الذين هاجروا إلى المراكز الحضرية الكبيرة في مصر، فدرجوا على تقديمها وعليها الكثير من صلصة الطماطم أو الدِّمعة، وهي إضافة دخيلة على المطبخ الفلاحي الكلاسيكي، ولكن أيًّا كانت التنويعات، فالملوخية تُؤكل دائمًا مع الخبز أو الأرز.

تصوير: كريس ب

وقد عُرفت دلتا النيل فيما مضى بسلة خبز الإمبراطورية الرومانية؛ فهي أرض خصبة لكثير من الحبوب والبقوليات. ومع مثل هذا التنوُّع، استخدم الفلاحون القمح والذرة والحمص والعدس والفول وغيرها الكثير بطرق متنوعة من أجل تعزيز المذاق وتحسين القيمة الغذائية لوجباتهم. ولطالما كان الفول، تحديدًا، أحد الأصناف الأساسية في النظام الغذائي المصري منذ القرون الوسطى، مع تربُّع الفول المدمس على عرش موائد الإفطار في ربوع مصر.

لكن القمح ظلَّ حجر أساس النظام الغذائي المصري، وعادة ما كان يُطحن كاملًا لإنتاج الدقيق الخام كامل الحبة والمستخدَم في تشكيلةٍ واسعةٍ من أنواع الخبز الإقليمية، مثل الخبز الشمسي بجنوب مصر، والصباوي، وهو مماثل لفطيرة الكريب ولكن مع تحميره في السمنة.

غيرَ أن القمح الكامل يُحصد أيضًا وهو لم يزل بعدُ أخضرَ، ويُحمَّص قبل أن يُفركَ بشدة لإنتاج الفريك مرتفع القيمة الغذائية. وعادة ما يُدعم الخبز الذي تُخمِّره الخميرة أو اللبن الرائب المُخْتَمِر بالحنطة السوداء أو ذرة السورغم أو الحلبة؛ مما يُسبغ على الخبز الفلاحي نكهاتٍ مميزة.

وتُزرع الذرة من أجل توفير العلف للدجاج والطيور الأخرى، ولكنها تُستخدم أيضًا لصنع الدقيق الذي يمكن عمل الكعك المحلَّى به، أو لتخثير الحلوى مثل المهلبية. وتُعتبر الذرة المشوية صِنفًا شهيًّا قائمًا بذاته، ويمكن فرك الذرة ودقُّها لتتحوَّلَ إلى فريك الدرة، وهو صِنفٌ نشويٌّ إضافيٌّ على المائدة. وكانت قوالح الذرة المتبقية تُجفَّف وتُستخدم بوصفها مصدرًا للوقود عند الحاجة.

واليوم، لا يمكن تصور تقديم أيِّ طبق مصري من دون أرز. يُحضَّر بتحمير الشعرية في السمن، وإضافة البصل والمرق إليه. وإنْ كانتْ هناك طريقة أخرى محبَّبة لتحضيره حيث يُطبخ الأرز بالطماطم المبشورة والبصل والبهارات الأخرى، ويُغمر بالحليب، ويُغطَّى بالقشدة الطازجة ويُخبز في الفرن. ويُسمَّى الطبق الناتج عن ذلك، الرُّز المعمَّر، وهو من أطايب الطعام. ويُشار إليه أيضًا باسم رُز دَسّ؛ مما يعني أن هناك مكونًا بروتينيًّا قد “دُسَّ” في الأرز في أثناء طهيه.

تفاصيل وجبة عائلة ريفية

عادة ما كانت الأسر تتناول الإفطار والعشاء المبكِّر معًا وهي مُتحلِّقة حول طاولة مستديرة ومنخفضة تُسمَّى الطبليَّة، بينما يُقدَّم الغداء للرجال في الغيطان في منتصف النهار. وتتألف الوجبات من طبق من الخضرة، أو الأعشاب الطازجة المشكَّلة أو الخسّ أو الكراث أو اللفت. وكانت هذه الخضراوات المغسولة والمشذَّبة بالكاد تأتي بنسمات الطزاجة والطراوة والموسمية إلى المائدة. لكن من المعتاد أن تكون هناك قصعة من البهارات على المائدة، وعادة ما كانت تحتوي على ملح مخلوط بحبة البركة وأحيانًا بالسمسم من أجل رشِّهِ على الطعام عند الحاجة. وكان أحد المكونات التي لا غنى عنها على المائدة طبق يحتوي على أحد أنواع المخللات القوية، سواء كان المِشّ (الجبن الأبيض المخلّل)، أو الليمون المحفوظ، أو الطُّرشي (مخلل الجزر أو البنجر أو الفجل البيتي). وكان لا يمكن الاستغناء عن الخبز، الذي يتوافر في عدة أشكال، سواء كان مختمرًا أم غير مختمِر، بما يتضمن البتَّاو والرُّقاق وتنويعات أخرى يدعمها الدقيق الكامل أو السورغم أو الشعير أو الحَنْدَقُوق أو الذرة أو الحنطة السوداء وفقًا للموقع الجغرافي والموسم.

وعادة ما كانت الشُّرْبَةُ أو المرقة البسيطة والمركَّزة المأخوذة من ماء سلق العنصر البروتيني (لحم أو طيور) تُخلط بأنواع مختلفة من الخبز لتصبح فتَّة. إذ لم يكن البروتين دائمًا جزءًا من الوجبة، بل يُستعاضُ عنه بتشكيلة من يَخنة الخضراوات التي كانت تحتلُّ مكانَ الصدارة إلى جانب الحبوب والبقول المطبوخة المختلفة. وحال توافر البروتين الحيواني، كان رأس العائلة هو من يتولى التقطيع وتقسيم الأنصبة وتوزيعها.

تراث متلاشٍ

اليوم، تستمرُّ هذه التقاليد، ولكن مع تأثرها بقرون من النفوذ الاستعماري والمزيد من العولمة والتجارة. فوجدت الصلصات الأجنبية مثل البشاميل والتحضيرات الغربية مثل التحمير العميق للدجاج طريقَها إلى الموائد المصرية، سواء في الحضر أو في الريف، ولكننا لا نظنُّ أن يخنات الخضار الغنية أو الأجبان القديمة التي يشتهر بها الريف سوف تختفي بشكل تامٍّ أبدًا.

لذا لم تنفصل هويتنا الثقافية تمامًا عن التربة التي نقف عليها. فنحن لا شعوريًّا، لم نزلْ نستمتع بمزيج فريد وأسلوب مميَّز في الأكل يظل طَوالَ الوقت مِصريًّا حتى النخاع. لكننا نحن الطهاة المحترفين، استطعنا أن نستخلصَ دروسًا مستفادة منها الموسمية، وتقليل الهدْر إلى حدِّه الأدنى، والصلة الوثيقة بالأرض، تظلُّ جميعُها أشياءَ محفورةً في صُلبنا الثقافي.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ١٠ ، ٢٠١٩