بقلم منة الله الدري

لاتزال تجارة الآثار من اكثر انواع التجارة الغير مشروعة ربحاً دولياً، ومع تزايد التعديات والسرقات على المواقع الأثرية بمصر منذ اندلاع ثورة 25 يناير، اصبح من الضرورى والحتمى دراسة وفهم الخلل فى العلاقة مابين الأهالى والمواقع الأثرية التى يعيشون حولها.

من لم يكن ضمن المتظاهرين في الشوارع المصرية يوم 28 يناير 2011 ، فبالتأكيد كان بالمنزل ملاصقاً لشاشة التلفاز متابعاً للأحداث في حالة من الصدمة والرعب. ففي جميع أنحاء البلاد، نزل مئات الآلاف من المتظاهرين إلى الشوارع يطالبون بإسقاط النظام، وصمدوا أمام الضرب والقنابل المسيلة للدموع التي ألقيت لتفريقهم بل وتعرضوا لإطلاق النيران. ثم فٌرض حظر التجول، وانسحبت الشرطة بكافة أشكالها من الشارع، تاركة الفرصة أمام مثيري الشغب، وبدأت أعمال النهب والتخريب، حيث تم اختراق مقر الحزب الوطني الديمقراطي في قلب القاهرة، وأظهرت لنا شاشات التلفاز شباباً يحملون كل ما تمكنوا من نهبه من مقر الحزب الوطني من أثاث، قبل أن يتم إشعال النيران  في المبنى وسمعنا دوي تفجيرات، حيث تم إشعال النيران ايضاً في مدرعات الأمن المركزي، وإنفجرت خزانات الوقود بها. 

فى هذة الاثناء أعلنت المحطات الإخبارية عن محاولات لإقتحام المتحف المصري، وعن مخاوف من امتداد حريق مبنى الحزب الوطني الملاصق للمتحف. وبعد وقت ليس قليل، أعلنت المحطات الإخبارية أن المتظاهرين شكلوا درعا بشريا حول المتحف لحمايته وحماية مقتنياته وسط مخاوف من حدوث كارثة أخرى مثل التي حلت بمتحف بغداد عام 2003، ومع ذلك تمكن اللصوص من دخول المتحف المصري ونهبه. ولكن المتحف المصرى لم بكن الهدف الوحيد، فيوم 28 يناير كان بداية لموجة من أعمال السلب والتخريب التي طالت عدد كبير من المواقع الأثرية، ومخازن الآثار بمصر؟

وهنا نتسائل، لماذا تٌسرق الآثار؟  ان التجارة بالآثار هي “بيزنس” قديم، حتى منذ عصور الفراعنة، فهناك بردية من عهد رمسيس التاسع (أي حوالي 1126-1108 ق.م) تسرد لنا أحداث محاكمة مجموعة من لصوص المقابر. 

احد الفيترينات المكسورة بالمتحف المصري

صورة: الإنتربول

مع بداية اهتمام الغرب بالآثار المصرية، تدفق إلى مصر مجموعات كبيرة من السائحين والرحالة المستعدين لانفاق مبالغ طائلة للحصول على الهدايا التذكارية المصرية، سواء كانت تميمة صغيرة، أومومياء، أو حتى مسلة ضخمة. اعتمد هؤلاء المسكتشفون على السكان المحليين للحصول على  قطع آثرية مثيرة للاهتمام، ومع منع تداول وتجارة الاثار في سبعينات القرن الماضي، إزدادت صعوبة بيع الآثار، فلم يعد الناس قادرين على عرض ما لديهم من آثار على مصطبة أمام بيوتهم هاتفين “أيوة تعالى بص المومياء بقرش ونص!”. وتحول بعض الناس القاطنين بجوار المواقع الأثرية إلى الحرف اليدوية الصنع  ومستنسخات الأثار ليكسبوا بها قوتهم.

ولاتزال تجارة الأثار مربحة للغاية على الرغم من اتفاقية جنيف عام 1970 التي تحظر الاتجار غير المشروع في الممتلكات الثقافية، فخلال غياب الأمن فى مصر على مدار الأسابيع الماضية، أصبح الهجوم على المواقع والمخازن الاثرية شئ شبه يومي، حيث يقوم أفراد ملثمين يحملون أسلحة رشاشة – على حد قول الأهالي والغفر –بالسطو على المواقع الأثرية والمخازن وتحميل الأثار داخل عرابات نصف نقل، مما يشير إلى أعمال منظمة إلى حد كبير. 

ومع ذلك، فتجارة الآثار ليست السبب الوحيد للتعدي والسطو على المواقع الأثرية في مصر، وليس كل من يقوم بالتخريب ملثم ويحمل اسلحة رشاشة. فظاهرة السطو على المواقع الأثرية – التي تضم أيضا التعدي على أراصي الآثار – هي أعمق بكثير من مجرد شبكات لتجارة الآثار. 

أن عدم وجود علاقة ما بين قاطني محيط المناطق الأثرية، وعدم وجود منفعة سواء كانت مالية اوغيرها من المواقع الأثرية، الى جانب فضول قوي تجاه ما هو خفي وغير معروف، وانعدام التعليم هي الأسباب الرئيسية للتعديات على الأثار. 

ليس كل من يعيشون حول المواقع الأثرية قادرين على الإستفادة المادية من الآثار، خاصة بعد فرض حظر على الاتجار فى الآثار، ومن ثم فقد اعتمدوا على كسب قوتهم عن طريق بيع خدماتهم كمرشدين أو “مسهلاتية”،  أو دعوة السياح الى منازلهم لتناول وجبة مصرية أصيلة مقابل بعض المال. واعتمدوا أيضا على بيع منتجات الحرف اليدوية مثل السلال والدمي، أو قطع بسيطة تبدو كأنها أثرية، مما جعل بيع منتجاتهم  وخدماتهم داخل وحول المواقع الأثرية هو مصدر دخل لا بأس به ولكن اليوم، وبالأخص خلال العقد الماضي، بدأت الجهات المختصة فى بناء أسوار وجدران حول العديد من المواقع الأثرية، خاصة الكبيرة منها، بزعم حماية السائحين من مضايقة الباعة، وحماية الآثار من الممارسات السيئة. وتقوم هذه الجدران بحجب المواقع الأثرية عن الأهالي، وتذكرهم أن هذه المواقع ليست لهم، بل هي للسياح وعلماء الآثار. وينتج عن هذا حالة من عدم الاهتمام، حيث لا تتاح لهم فرصة لفهم وتقدير ما لديهم من تاريخ، فضلاً عن عدم اتاحة الفرصة لهم لكسب بعض المال. فكيف لنا أن نتوقع من السكان المحليين

عدم التعدي على الأراضي التي بها الأثار، أو على الأقل حتى حماية تلك الأثار عندما كانت تتعرض للسرقة؟ 

مع عدم وجود أي علاقة تجمع بين الأهالي والمواقع الأثرية المسورة التي يعيشون حولها، ينتابهم الفضول، ويتسائلون، “لماذا تقوم السلطة المختصة ببناء سور حول كوم من الحجارة اذا لم يكن يحتوي على شيء أكثر من ذلك؟”. فهم يرون علماء الآثار والسياح وحدهم يزورون المواقع، ومع غياب الشرطة أصبحت لديهم الفرصة اخيراً للدخول، يحركهم فضولهم لرؤية ما يكمن داخل المقابر ومخازن الاثار. والجدير بالذكر هنا أن العديد من مقابر منطقة منف تركت سليمة بعد إقتحامها، كما لو ان شخصاً جاء والقى نظرة، وترك المكان. وفي حالات أخرى، خاصةً في حالة المخازن أصبحت لديهم فرصة أخيراً لدخول هذا الصرح وأخذ ما يشاؤن، ربما كتذكار، أو ربما على أمل جنى ربح من بيعه. 

يرجع سبب كل من  الفضول وعدم وجود علاقة ما بين الأهالي والمواقع الأثرية إلى فقر التعليم. فالأهالي الذين يعيشون حول المناطق الأثرية في كثير من الأحيان لا يعرفون دور وتاريخ تلك الاثار، باستثناء ما قد وصل إليهم من القصص والأساطير الشفهية، وأيضاً ما سمعوه من المرشدين السياحيين. فهم لا يعتبرون الآثار جزءا من تراثهم، وهى بالنسبة لهم  ليست سوى كومة من الحجارة أو الطوب، أو بعض العظام المتناثرة. وهناك ايضاً من يعتبرونه أطلالاً اوبقايا تمثل ديانة وتاريخ وثني لا تستلزم الحفاظ عليها والمعرفة بها، أو قد يرونها مجرد مصدر محتمل للدخل. 

علماء الآثار والمتخصصون الذين يقومون بدراسة وإجراء الحفائر بالمواقع الأثرية قلما يقومون بأي خطوات لدمج المجتمع المحيط. فلا يجتمعوا بالسكان المحليين ليشرحوا لهم ماذا يفعلون، وماذا يدرسون، مما يفتح مجال الحوار والاهتمام. فكيف يٌقدر الأهالي ما لديهم من آثار إذا كانوا لا يعرفون ما هي؟!

كما ان الافتقار الى التعليم ادى ايضاً الى اختلاق بعض الأساطير وترديدها.

اثارت محاولع فاشلة فى اسوان لسرقة تمثال يصل وزنة الى 160 طن السؤال: لماذا؟ ان التمثال يصل ارتفاعة الى 6 امتار وليس عليه حراسة. هل كان السارق ينوى اخفائه تحت السرير مثلاً؟ ام كان يخطط لتهريبه خارج البلاد بعد ان يغطية بطبقة من الجبس ليعطى الإيحاء بأنة “تمثال تقليد”؟ ويسرى الاعتقاد لدى اهالى المناطق الريفية ان التماثيل الفرعونية والجداريات المحفورة بل وكل ما هو قديم واثرى يحتوى على ذهب، وهذا الاعتقاد فى حقيقة الأمر كان وراء معظم حالات سرقة الآثار.

ان ما حدث بالفعل قد حدث  وانتهى، وقد بدأت الشرطة منذ عدة أسابيع فى العودة مرة أخرى ولكنها لاتزال دون كامل قوتها، ولاتزال المواقع الأثرية الصغيرة والغير مكتشفة بعد مهددة، فمن المستحيل وضع حراسة على كل شبر من الصحراء. أحد المخاطر الأخرى التي تهدد المواقع الأثرية هو التعدي على أراضي الآثار، وهو شئ يحدث عادةً ولكن يكون خلسةً وعلى أجزاء صغيرة فقط.  الى انه منذ إختفاء الشرطة، بدأت التعديات تتزايد بصورة درامية، فمثلاً في أحد المواقع بالدلتا تم تسوية كوم أثري تماماً وتحويلة إلى غيط للزراعة. وفي عدة حالات أخرى تم بناء منازل أو مساجد على أراضي الأثار.

من الواجب علينا أن نمضي قدماً، ونتعلم الدروس المستفادة ونجرى الاصلاحات اللازمة، فيجب رفع أجور الحراس بالمواقع الأثرية (الغفر)، وبالطبع تدريبهم بصورة أفضل، وتسليحهم حتى يستطيعوا الدفاع عن أنفسهم وعن الأثار. ومن ثم يجب تأمين المخازن بصورة أفضل. وعلى الرغم من عدة مبادرات خلال السنوات الماضية لتحسين مرافق التحزين وتدريب الغفر، إلا انه من الواضح أن ذلك لم يكن كافياً.

ومن المهم جداً تسجيل الأثار بصورة لائقة وصحيحة، فيجب تسجيلها وتصويرها، وعمل “بصمة أثر” لكل القطع الأثرية (نظام “بصمة الأثر” هو متبع بالفعل، ولكن فقط على حد علمي يطبق على القطع التي تخرج من البلاد إلى معارض خارجية للتأكد من عودة القطعة الأصلية)، أو حتى كتابة رقم أو علامة تشير إلى موقع القطعة (ولكن في مكان غير واضح بالطبع حتى لا تشوه القطعة)، فذلك ليس مجرد  من أسس الحفائر وعلم الأثار، ولكنه يسهل من تتبع القطعة إذا سرقت، واستعادتها. فمن أكبر المشاكل التي تواجهها السلطات الآن هو عدم معرفة حتى أعداد ما نهب، والكم الحقيقي لما هو مفقود ، وبالتالى ففي حالة ظهور أحد القطع خارج البلاد بعد سنوات، لن يكون من السهل إثبات مصدرها.

ماذا عن المناطق التي لم تتعرض إلى سرقات، فماذا يمكن أن نتعلم منها؟ قال لي صديق نوبي من جزيرة فيلة بأسوان انه عندما علم عن عمليات السلب والنهب في أنحاء البلاد خاصة على الأثار، سأل رفاقه على القهوة: ماذا نفعل لحماية جزيرتنا وأثارنا من البلطجية وحرامية الأثار؟ ورد عليه الشباب: “خليهم بس ييجوا هنا واحنا نوريهم”. هذا مثال لمجتمع يشعر فيه الناس بالمسؤولية تجاة أرضهم وآثارهم. 

وعندما كنت أعمل بقرية الشلال على البحيرة الصغيرة شمال خزان السد العالي بأسوان، بدأ أحد الأهالي من النوبيين يتجاذب أطراف الحديث معي، وحكى لي عن قلقه حيال الأثار التي تنهب في مصر. وأضاف لي إن مسؤولية اى مجتمع هى حماية الأثار الموجودة لديه، وأشار إلى مخزن الآثار الواقع في قريتهم، حيث يتم تخزين كتل حجرية من معبد كبير خارج المخزن في العراء. وقال انه اذا كانت هذه الكتل في أي مكان آخر في مصر، لكانت نهبت أو شوهت، فعلى حد قوله، الأثار مسؤليتهم هم.  

من المؤكد أن التعليم هو أهم خطوة لضمان حماية الآثار في المستقبل، فالمصريين بحاجة للتعرف على ما لديهم من آثار من أجل أن يشعروا بالمسؤولية تجاهها، فقد مضت أيام إعتبار الآثار كومة من الحجارة أو الطوب، أو بعض العظام المتناثرة، أو  بقايا ترمز لتاريخ وثني. يجب على الأثريين — المصريين والأجانب على حد سواء – اللذين يقومون بالحفائر والمشاريع المتعلقة بالأثار اتخاذ الخطوات اللازمة لدمج المجتمع والأهالي القاطنين حول المواقع الأثرية وشرح الأعمال الجارية لهم، فأنة فقط عن طريق فتح حوار وإشراك من هم بالفعل حارسي الأثار يمكن أن نحمي الأثار بطريقة فعالة وإيجابية.

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٢ ، ٢٠١١

الأكثر قراءة

اكثر انواع الزينة ديموقراطياً
تزيين الشعر فى مصر القديمة

كان الشعر للمصري القديم جزءاً ً من هويته، وعنوانا لمستواه االجتماعي وانتمائه الديني وحتى مهنته، وكان المصريون يبدعون فى ابتكار تصفيفات للشعر الطبيعى والمستعار للنساء والرجال على حد سواء.

استنساخ المقابر الملكية

الاستعانة بخبرات شركة ”فاكتوم آرتي“ في التقنيات الحديثة لتنفيذ نسخ طبق الأصل من مقابر البر الغربي

يوم فى حياة فرعون مصر

يتم تصوير الفراعنة دائماً كقادة عظام ومحاربين لا يهابون الموت، ودائمى التعبد للألهة ، لكن الحقيقة قد تكون ابعد كثيراً عما عرفه الناس واعتقدوه. الباحث جارى شو يبحر بنا فى الجانب الإنسانى لفرعون مصر،ويرسم لنا صورة ليوم عادى فى حياة احد فراعنة الدولة الحديثة

هل تعلم؟

هل تعلم ان يوماً ما كانت الذبابة تعد رمزاً للشجاعة والمثابرة؟ حتى ان المصرى القديم صنع منها قلادة ونيشاناً؟ او ان مسحوق المومياء كان مسكناً كالأسبرين ووصفة سحرية استخدمها الأوروبيون الأثرياء لعلاج العديد من الأمراض والعلل؟

حكايا الجدران
الحياة العائلية فى مصر الفرعونية

المقابر الفرعونية، بما احتوته من رسوم ونقوش، تعرفنا بزمان سادت فيه ثقافة وحضارة كانت تقدس الترابط العائلى وحسن تربية الأبناء. فمن نصائح الحكيم بتاح حتب لإبنه المقدم على الزواج، الى شكل البيت العائلى المصرى، يمكننا التعرف على الكثير من ملامح الحياة العائلية فى مصر الفرعونية.

جولة فى مطبخ الشيف ميريبتاح

اخبرتنا النصوص المصرية القديمة ورسوم جدران المقابر الفرعونية بمعلومات كثيرة عن نوعية الأطعمة والمشروبات التى عرفها المصرى القديم. كما قاومت بعض بقايا الحبوب والمأكولات التى عُثر عليها عوامل الزمن وبقيت لتخبرنا قليلاً عن فنون الطهى عند الفراعنة.