من قصر الحصوة، الى قصر الزعفران ثم مقر لأحد اكبر جامعت مصر... نظرة الى تاريخ احد اقدم قصور القاهرة

أجلس مع أصدقائى للدردشة والسمر، ومع تصاعد دخان الشيشة والسيجار والاستمتاع برائحة البن ودوران أكواب الشاى بالنعناع تدور المواضيع، هذا سياسى وذاك اقتصادى، من العراق إلى البطالة إلى المرور إلى الفلوس الضائعة فى البورصة، حتى يأتى دور موضوع تعدد الزوجات، ولابد أن يأتى لسبب أعلمه أو لآخر لا أفهمه! المهم أن أول ما تتناوله الألسن فى هذا الموضوع هو علاقة الزوجات، أو بالأحرى  الضرائر بعضهن ببعض. هل يمكن أن تنشأ علاقة ود بين زوجات رجل واحد؟ كم يحتاج هذا الأسد أو ذاك الغضنفر من قوة وسطوة عليهن كى يقبلن الحياة معاً بالحد الأدنى من المشاكل؟ وما حجم الخلاف والنقار الذى حتماً سيثور ويشتد يوماً بعد يوم فى بيت يضم ضرائر؟ هل يمكن أن يختار ضرائر بإرادتهن العيش معاً تحت سقف واحد دون إجبار من أحد؟

هل تتصور أن الإجابة على كل هذه الأسئلة مطوية فى قصة هذا القصر الغامض… قصر الزعفران؟ كل من يعرف القاهرة يعرفه، فلا يزال يقف شامخاً لامعاً فى ميدان العباسية، يراه المارّون بشارع لطفى باشا السيد بين مبانى قديمة أكل عليها الدهر وشرب وأخرى حديثة وكأنها بنيت لمسابقة التفوق فى القبح والكآبة، فيطل عليهم ليحييهم بجمال زخارفه وأناقة تقسيماته فيسرح الخيال فى أيام كان القصر فى عزه ورونقه.

 لكن قليل جدا من يعرف تاريخ هذا القصر أو من بناه أو صممه. وبالفعل البحث عن تاريخ الزعفران شاق يستلزم الغوص فى الكثير من المراجع، لأن ما كتب عنه قليل جداً ولأن القصر تغير اسمه من الحصوة إلى الزعفران فتجد ذكره أحياناً بهذا الاسم وأحياناً أخرى بذاك، والأهم من كل هذا أن القصر نفسه قد هدم وحل آخر محله بنفس الاسم!

وكأى قصة تبدأ بمولد البطل، نحاول بحث تاريخ إنشاء قصر الزعفران ومن أنشأه، الثانية سهلة؛ فكل المراجع تجمع أن صاحبه الأول هو الخديو إسماعيل، ولكن متى؟ وجدنا أول ذكر للزعفران سنة 1866 حين نقلت إليه مدرسة المهندسخانة بأمر إسماعيل باشا. ومن هذا التاريخ نرجح أنه بناه قبل أن يتولى الحكم، فالخديو إسماعيل اعتلى عرش مصر سنة 1863، ولذا فاحتمال أن يكون قد بناه ثم قرر هجره فى ثلاث سنوات ضعيف، فالأغلب إذن أنه قد بنى قبل ذلك، ولكن متى ؟

ولد الحىّ فولد القصر.

تعال معى إلى مايو سنة 1849، ولم يمض على تولى عباس حلمى الأول منصب والى مصر غير ستة أشهر لنقرأ خطابه إلى رئيس مجلس الأحكام المصرية “حيث أن البلاد وما حواليها والحمد لله فى أمن وأمان وأمراؤها كلهم من أصحاب الثروة واليسار وحيث أن صحراء الحصوة ممتازة بجودة هوائها فيجب فى هذه الحالة إقامة العمارة بها والإقامة فيها والاستفادة والتمتع من لطافتها وبهائها لهذا قد صدرت إرادتنا بعد عودتنا من الآستانة لوضع خرطة وافية لهذه الصحراء وتقسيمها قطعاً أساسية وتوزيعها على أمراء وذوات مصر ليبنى كل واحد منهم قصراً فخماً لنفسه”.

الغالب أن هذا الخطاب هو سبب مولد الزعفران، فقد أراد الوالى الجديد إنشاء حى جديد فاختار صحراء الحصوة وأسماها باسمه؛ فولد حى العباسية وبنى لنفسه به قصرا منيفاً وصف على باشا مبارك فى كتابه “الخطط التوفيقية” الأبهة والفخامة التى اتسم بها، ويعتقد بعض المؤرخين أن الثكنات العسكرية الموجودة حتى الآن خلف وزارة الكهرباء بالعباسية هى جزء من قصر العباسية هذا. المهم هنا أن الأمراء والكبراء تبعوا الوالى وبدأت حركة البناء والتشييد فى العباسية.

لم يكن إسماعيل باشا (الخديو فيما بعد) يحب ابن عمه عباس باشا وكان يؤثر تجنبه والابتعاد عنه، ولكن ذلك طبعاً لم يكن يحول دون إتباع الحركة السائدة وقتئذ وتشييد قصر لنفسه فى صحراء الحصوة أسماه على إسمها؛ قصر الحصوة الذى تغير اسمه فيما بعد إلى قصر الزعفران كما سنرى بعد قليل، ويسميه المتعمقون فى تاريخ العمارة فى تلك الفترة قصر الزعفران القديم.

لم أجد فيما استعنت به من مراجع رسماً أو صورة إلى قصر الحصوة أو الزعفران هذا، إلا صورة توضح جانباً منه فقط، لكننا نتبين منها ومن الخرائط التى رسمت فى أيامه أن مكانه كان متاخماً لقصر الزعفران الذى نعرفه الآن. كذلك تاريخ بناء هذا القصر تقريبى، فحركة البناء كما قلنا بدأت فى العباسية سنة 1849 وهدأت بمقتل عباس باشا فى قصر بنها سنة 1854.

ويؤيد الاعتقاد بأن إسماعيل باشا بنى القصر قبل توليه العرش ما ترويه عنه حفيدته أمينة هانم توجاى (كريمة الأميرة نعمت كريمة الخديو إسماعيل) التى تروى أن القصر لم يكن فخماً وقد غطت أرضياته منسوجات كان بساطتها سر أناقة المكان! الأغرب من هذا أننى لم أجد ذكر لأى واقعه أو مقابلة لإسماعيل باشا فى قصر الحصوة طوال مدة حكم ابن عمه أو حكم عمه سعيد باشا الذى تلى عباس باشا فى الحكم (1854-1863)، على أى حال المعروف أن إسماعيل باشا قضى معظم فترة حكم عباس باشا فى الآستانة لما كان بينهما من جفوة وعداء.

المهندسخانة فى الزعفران

ويأتى إسماعيل باشا إلى الحكم سنة 1863 ويبدأ قصر الحصوة فى الظهور إلى النور مرة أخرى وترى المراجع تتبادل ذكره مرة باسم الحصوة ومرة باسم الزعفران، وسبب التسمية الجديدة أن المنطقة التى بنى فيها كانت مشهورة بنمو نبات الزعفران المعروف بجمال لونه الأصفر وغلو ثمنه.

ومما روى التاريخ نعرف أن إسماعيل باشا استهل حكمه بإعادة النهضة التعليمية التى شهدها عصر جده محمد على باشا الكبير فأنشأ العديد من المدارس العليا فى مختلف أفرع العلم وأعاد فتح مدارس أخرى كان على رأسها مدرسة المهندسخانة التى كان جده قد أنشأها وأغلقت فى أواخر عهد سعيد باشا فأعاد افتتاحها مرة أخرى سنة 1866 واختار سراى الزعفران مقراً لها، لكنها لم تلبث به غير سنتين انتقلت بعدها إلى سراى أخيه الأمير مصطفى بهجت فاضل بدرب الجماميز ومحلها الآن مدرسة الخديوية بحى السيدة زينب.

الغريب أن إسماعيل باشا أعاد استخدام السراى لإقامة أسرته مرة أخرى فأهداها إلى والدته خوشيار هانم أو الوالدة باشا سنة 1871، ونتبين من الأوراق أن سراى الحصوة هى الزعفران؛ فأمين سامى باشا فى كتابه الوثائقى تقويم النيل  يورد نص أمر الخديو بإهداء السراى لوالدته باسم سراى الحصوة، بينما يروى لنا أحمد شفيق باشا وهو شاهد عيان على ذلك العصر أن الوالدة باشا “كانت فى شبابها جميلة الصورة، وقد بقى أثر هذا الجمال مدة حياتها، وكانت تحب السرور والانشراح. وقد أقامت مع حاشيتها الكبيرة فى سراى الزعفران بالعباسية”.  

سم فى القهوة

“نشئه دل” اسم تركى معناه بهجة الروح، ونشئه دل قادين، أى هانم، كانت فتاة جميلة من القوقاز وقعت فى الأسر فى صغرها وبيعت فى سوق النخاسة فاشترتها زوجة أحد الباشوات وعنيت بتعليمها وترقيتها. وحين بلغت الخامسة عشر اشتراها الخديو إسماعيل وأطلق عليها هذا الاسم وجاءت إلى مصر لتقيم فى قصر الجزيرة حيث تدربت على حياة القصور وما يتبعها من تقاليد ومراسم. وبعد حوالى سنة قرر الخديو منحها سكناً خاصاً بها فى قصر الزعفران وخصص لها خمسين جارية لخدمتها! وفى الزعفران أنجبت له نشئه دل قادين كريمته الأميرة أمينة عزيزة سنة 1874، وابناً ولد ميتاً سنة 1876، وقيل أن سبب ذلك أنها ذهبت ذات يوم إلى سراى عابدين لزيارة زوجات زوجها اللاتى يكبرنها سناً حسب تقاليد تلك الأيام، فدست إحداهن لها السم فى فنجان القهوة غيرة من جمالها الفائق!

ويبدو من الأوراق أن القصر كان ضخماً ومتعدد الأجنحة، فقد أمر الخديو بتجهيز أحداها لإقامة أسرة أخيه حين عادت بعد وفاته من الآستانة سنة 1875. لكن إقامة الأسرة المالكة فى قصر الحصوة أو الزعفران لم تطل، فقد تركتها الوالدة باشا إلى القصر العالى ومحله الآن جاردن سيتى ونقلت إليه الأثاث والمنقولات التى كانت فى سراى الزعفران التى وهبتها إلى الحكومة سنة 1876 فخصصتها لإقامة المدارس الحربية بعد “إدخالها فى سلك الميرى”.

ولا نعرف إن كانت الوالدة باشا قد أعادت الأثاث مرة أخرى إلى الزعفران أو اشترت غيره، فقد نصحها الأطباء بتغيير الهواء فعادت إلى السكنى فيها مرة أخرى فى عهد حفيدها الخديو توفيق، على أن الحكومة طلبت منها بعد قليل فى سنة 1882 إخلائها لسكن كبار ضباط الجيش الإنجليزى فوافقت. وقد أرادت خوشيار هانم العودة للزعفران مرة ثالثة فى نفس السنة، لكن الإنجليز تلكئوا ولم يجلو عن السراى إلا سنة 1887 بعد أن أحدثوا تلفيات فى أثاثها. الطريف أن الأمير حسين كامل حفيد الوالدة باشا طالب الجنرال ستافينسون قائد جيش الاحتلال بدفع إيجار شهرى قدره خمسين جنيه عن كل شهر وإلا تحتم عليهم إخلاء السراى، وبالفعل جاء الرد من لندن بإخلائها. 

وتعود الزعفران القديمة إلى حوزة الأسرة المالكة سنة 1887 وفى يوم 13 فبراير 1895 يصدر بيان بمناسبة زفاف الأميرة شويكار كريمة الأمير الراحل إبراهيم أحمد المقرر أن تزف فى اليوم التالى إلى الأمير أحمد فؤاد (الملك فيما بعد) وأن أن الاستعدادات ستقام فى العباسية لاستقبال العروسين فى سراى الزعفران بجوار المرصد، وقد أقيم قوسا للنصر وأقيمت الزينات كأبهى ما يكون!

وفى سنة 1897 رزق العروسان بإبنتهما الوحيدة الأميرة فوقية فى الزعفران، أما آخر ما وجدت من أحداث وقعت فى الزعفران القديم فكان وفاة فريال قادين والدة الأمير فؤاد به فى 21 فبراير سنة 1902. على أن الزعفران القديم ظل قائماً حتى الستينيات من القرن الماضى وكان فى أواخر أيامه مقراً لإدارة التجنيد.

لاشياك بين ضرتين

أين كل هذا من الحديث عن الضرائر وإمكانية إقامتهن معاً؟ حين نفى الخديو إسماعيل بعد خلعه عن العرش بضغط من الدول الكبرى على الباب العالى، اصطحب معه ثلاث من زوجاته الأربع، شهرت فزا هانم الزوجة الأولى وجنانيار هانم الثانية وجشم آفت هانم الثالثة، أما الرابعة شفق نور هانم والدة ابنه وخليفته فى العرش الخديو توفيق فقد بقيت فى مصر مع ابنها لأن الخديو إسماعيل لم يكن له ميلاً لها! المهم أنه فى سنة 1895 توفى الخديو إسماعيل وزوجته الأولى، أما الزوجتين الثانية والثالثة فقد قررتا العودة للإقامة فى مصر معاً!

وبالفعل كلفتا الضرتان المهندس المشهور آنذاك أنطونيو لاشياك بتشييد قصر لهما فى حديقة القصر القديم، فأتم بناء القصر الجميل الذى تراه الآن على طراز الفن الحديث Art Nouveau الذى كان سائداً فى ذلك الوقت، وبذلك يكون الزعفران القصر الوحيد فى مصر وربما فى العالم الذى بنته ضرتان ليقيما فيه معاً باختيارهما وإرادتهما بعد أن توفى زوجهما!

ولاشياك من أصل نمساوى اتخذ من إيطاليا وطناً وقد ذاع صيته فى العقدين الأولين من القرن العشرين وله بمصر أعمال رائعة هدم الزمان قليل منها وقضى الجهل على الباقى! ولكن لا يزال بعضها قائماً مثل قصر الأميرة أمينة توفيق قرب ميدان التحرير الذى تبرعت به للحكومة ليصبح مقراً لوزارة الخارجية وقصر الأمير سعيد حليم فى منطقة معروف الذى تحول إلى مدرسة الناصرية سنين طويلة وقد أخلى أخيراً ليجدد.

بنى لاشياك الزعفران الجديد من بدروم وطابقين وله خمسة مداخل وتحيط به حديقة مساحتها 40 فدان. عند دخولك من المدخل الرئيسى تجد نفسك فى بهو واسع بالغ الفخامة تحيط به أعمدة رخامية جميلة تزيد من بهائه، وقد حرصت الزوجتان على تزيين الحوائط بحرف “I” يعلوه التاج المصرى تخليداً لذكرى زوجهما! ويقودك سلم مزدوج بدرابزين حديدى رائع يعد من أجمل ما فى القصر من عناصر جمال إلى بهو الدور العلوى الذى يقسم الدور إلى جناحين متساويين تماماً فى المساحة وعدد الغرف، جناح لكل من الأميرتين. وكأن لاشياك قد قصد أن يساعد تصميمه على استمرار الود بينهما فحرص على قسمة مساحة القصر بينهما بالعدل!  وبالفعل عاشت الأميرتان الضرتان فى الزعفران معاً فى ود وصداقة حتى توفيت جشم آفت قادين سنة 1907 ولحقتها جنانيار قادين سنة 1912 فكانت آخر من سكن هذا القصر من أعضاء الأسرة المالكة.

فدان لكل سبعة تلاميذ

مرة أخرى يختفى ذكر الزعفران من المصادر حتى يعود إلى الظهور فى 30 مارس سنة 1922 حين تنشر مجلة اللطائف المصورة أن جلالة الملك فؤاد وافق على تحويل قصر الزعفران إلى مدرسة ثانوية يكون فيها نحو 280 تلميذ بنظام الخارجى على أن يتناولوا فيها طعام الغذاء كل يوم، تخيل 280 تلميذ فقط فى قصر له حديقة 40 فدان! وبالفعل يفتتح الملك المدرسة فى حفل كبير فى ديسمبر من نفس العام حضره وزير المعارف على ماهر باشا وقد أهدى الملك المدرسة صورة زيتية بالحجم الطبيعى قام بتصويرها المصور الشهير هنزلمان تمثل الملك بملابسه الرسمية.

وإذا كان الزعفران قد استقر على استضافة جامعة عين شمس الآن، فليست هذه أول مرة، فقد سبق واستضاف شقيقتها الكبرى، جامعة القاهرة (أو فؤاد الأول آنذاك) التى اضطرت إلى إخلاء قصر نستور جناكليس (مقر الجامعة الأمريكية بميدان التحرير الآن) بعد أن عجزت عن دفع إيجاره السنوى وكان يبلغ 400 جنيه واضطرت إلى الانتقال إلى قصر محمد صدقى باشا بباب اللوق. لكن الأمور تحسنت سنة 1925 حين تحولت إلى جامعة حكومية فمنحتها الدولة قصر الزعفران بصفة مؤقتة حتى يتم مبناها الجديد بالجيزة، وقد أنشئت عدة مبانى فى حديقة القصر للقيام بوظائف الجامعة بينما نقلت المدرسة إلى شارع العباسية محل مدرسة الحسينية الإبتدائية.

215 تورتة و1000 سيجارة

ونمضى مع قصة الزعفران لنصل إلى سنة 1930 حين اشترته وزارة الخارجية وحولته إلى قصر ضيافة لكبار الشخصيات، وتم إعداد جناح ملكى به وبجواره ست غرف أخرى لإقامة الحاشية المصاحبة لكبار الضيوف ملحق بكل منها حمام وصالون استقبال كلها بالطابق الثانى، بينما ضم الطابق الأول صالونات الاستقبال.

وتعد فترة الثلاثينيات والأربعينيات سنوات مجد الزعفران الجديد وأبهته حيث كان شاهداً على الكثير من الاحتفالات والولائم التى أقامتها الحكومة فى المناسبات المهمة حتى كاد يضارع أعمامه؛ عابدين والقبة! ففى سنة 1950 وحدها وحتى منتصف العام، كان قد أقيم بالزعفران خمس عشرة حفلة. ولعل أهم الاحتفالات كان تلك التى أقيمت بمناسبة عيد جلوس الملك فاروق وقد استغرق إعدادها أسبوع كامل ودعى إليها ألفا مدعو أقيم لهم سرادق فى حديقة القصر وقدم لهم فيه 60 سفرجياً حوالى 215 تورتة ونحو 80 نوع حلوى استهلكت نحو 50 كيلو سكر وختموا الطعام باستهلاك ألف سيجارة، أما الزهور التى زينت الحفل فتكلفت عشرين من جنيهات ذلك الزمان!

وكان لابد لإقامة حفلة فى الزعفران من موافقة وزير الخارجية، فإذا وافق اجتمعت إدارة المراسم بالوزارة ووضعت نظام الحفلة الذى يلائم طبيعة المناسبة ثم تدعو ناظر القصر وتكلفه بالتنفيذ، فيدعو بدوره مهندس القصر ومساعديه للإشراف على التنسيق وإصلاح أى أعطال كهربائية ويبلغ ناظر القصر مصلحة التنظيم فتوفد أحد مهندسيها للإشراف على تنسيق الحديقة وينشط الفراشون الأربعة الدائمون بالقصر لتنظيفه.

كذلك تجرى إدارة المراسم بالوزارة مناقصة بين المطاعم المتميزة لتقديم عروض لتوريد الطعام الذى يقدم فى الحفل، ويستمر مدير المراسم فى التردد على القصر للإشراف على التنظيم، وفى الحفلات الهامة يذهب الوزير عادة قبل الحفل بيوم أو نحوه للاطمئنان على سير الأحوال. وكان مطبخ قصر الزعفران يضم مجموعة ضخمة من أدوات الطعام منها أطباق ثمينة مزدانة بالتاج الملكى لا تستخدم إلا فى الحفلات التى يحضرها الملك.

تقول المراجع أن أول من نزل بالزعفران كان ألبيرت ملك بلجيكا فى مارس سنة 1930، الطريف أن ألبيرت كان أيضا أول من أقام فى جناح الضيافة بقصر عابدين فى بدء زيارته إلى القاهرة، لذلك سمى ذلك الجناح بالجناح البلجيكى، ثم سافر إلى الصعيد وعاد إلى القاهرة فى زيارة خاصة فنزل فى الزعفران، وبذلك كان أول من نزل فى القصرين! بعد البلجيك جاء الأحباش، فوفد ضيفاً على الزعفران ولى عهد الحبشة فى ديسمبر 1931، وحين تقرر استضافة الملك عمانوئيل ملك إيطاليا فى فبراير 1933 فى الزعفران، غرست أشجار عالية فى الحديقة فى عجالة حتى تخفى عن أنظار ملك الطليان المقابر التى كانت وقتئذ موجودة بالقرب من السراى!

الله يا ست

ومن عمانوئيل سنة 1933 إلى رئيس الوزراء السورى سعد الله الجابرى و رئيس الوزراء اللبنانى رياض الصلح فى مارس 1944 إلى الرئيس السورى شكرى القوتلى فى فبراير 1945 إلى ولى عهد العراق الأمير عبد الإله فى يونيو 1945  إلى الأمير فيصل آل سعود فى سبتمبر 1945 ، وحين حل به الملك عبد العزيز آل سعود فى زيارته التاريخية لمصر فى يناير 1946 أعدت قاعدة خشبية تحت سرير الجناح الملكى لتكون درج يصعد عليه الملك فلا تتألم ساقه! أما الملك عبد الله عاهل الأردن فقد نزل ضيفاً على الزعفران فى يونيو 1948 وأقيمت له حفلة ساهرة فى حديقته أحيتها السيدة أم كلثوم بعذب شدوها.

ولما كان ضيوف القصر من الملوك والرؤساء، فكثيراً ما كان الملك يأتى لزيارة الضيف والترحيب به فى مصر، وقد جرت العادة أن يستقبله الضيف فى الجانب الأيمن من الصالون الرئيسى، أما الجانب الأيسر فكان الضيف يستقبل فيه باقى زواره!

ولكن الأحداث التى شهدها الزعفران لم تكن كلها سعيدة، ففى أثناء زيارة الملك عبد العزيز آل سعود وبالتحديد يوم 12 يناير 1946 كان محمود فهمى النقراشى باشا رئيس الوزراء وقتها فى القصر فى معية الملك فاروق لحضور حفل شاى أقيم على شرف الملك عبد العزيز آل سعود فأبلغ بوفاة السيدة الجليلة صفية زغلول أم المصريين فأبلغه للملكين وتلقى عزائهما قبل أن يأذنا له بالانصراف.

وقد شهد الزعفران بعض أهم أحداث هذه الفترة، ففيه عقدت المفاوضات بين الجانبين المصرى والبريطانى التى انتهت إلى معاهدة 1936 التى وافق الإنجليز بموجبها على الانسحاب إلى منطقة القناة، وكان الإنجليز قد اشترطوا أن تعقد المفاوضات فى مقر السفارة البريطانية، ولكن الجانب المصرى رفض بإصرار وتوصل على ماهر باشا رئيس الوزراء وقت التمهيد للمفاوضة إلى عقدها فى قصر الزعفران.  كذلك شهد الزعفران مولد جامعة الدول العربية، فقد عقدت به الاجتماعات التمهيدية لإنشائها ثم وقع النقراشى باشا ونظرائه العرب ميثاق إنشاء الجامعة فى البهو الرئيسى لقصر الزعفران يوم 22 مارس سنة 1945، كما استضاف الزعفران أول دورة للجامعة العربية فى يونيو 1945.

استمر الزعفران قصراً للضيافة يشهد العديد والكثير من المآدب والاجتماعات والحفلات، وفى سنة 1950 أنشئت جامعة إبراهيم باشا (عين شمس الآن) وقد تقرر فيما بعد تحويل القصر والحديقة الملحقة به إلى مقر لرئاسة الجامعة وكلياتها، ولم نعثر فيما استعنا به من مراجع على تاريخ محدد لتحول الزعفران من دار ضيافة إلى دار إدارة، فمن ناحية لدينا خريطة مساحية مطبوعة سنة 1952 وموقع عليها القصر كمقر للجامعة بينما كتب الرئيس محمد نجيب كتب فى مذكراته ما يفيد أن هذا القرار أتخذ فى عهده، ولعله كان فى بدايات العهد.

ولعل الزعفران كما روينا هو القصر الوحيد فى العالم الذى بنته ضرتان، ولكن الأهم هو ما شهده من أحداث هامة وما يمثله من مرحلة تاريخية فارقة، والأهم والأهم ما يمنحه لكل من يراه من إحساس بالمتعة والرقى كلما وقف يتأمل جمال معماره وتناسق خطوطه وبدع تصميمه!

 مراجع الدراسة:-

  1. أحمد شفيق باشا: مذكراتى فى نصف قرن الجزء الأول.
  2. أحمد عبد الفتاح بدير: الأمير أحمد فؤاد ونشأة الجامعة المصرية.
  3. إلياس الأيوبى: تاريخ مصر فى عهد الخديو إسماعيل باشا الجزء الأول.
  4. أمين سامى باشا: تقويم النيل المجلد الأول والثانى من الجزء الثالث.
  5. رؤوف عباس أحمد، الدكتور: تاريخ جامعة القاهرة.
  6. سامية حسن إبراهيم، الدكتورة: الجامعة الأهلية بين النشأة والتطور.
  7. سعد زغلول باشا: مذكرات سعد زغلول كراسة 52.
  8. عبد المنصف سالم نجم، الدكتور: قصور الأمراء والباشوات فى مدينة القاهرة فى ق19 جزآن.
  9. على مبارك باشا: الخطط التوفيقية، الجزء الأول.
  10. عمرو سميح طلعت، المهندس: كان حقاً بيت الأمة.
  11. لطفى عثمان: المحاكمة الكبرى فى قضية الاغتيالات السياسية.
  12. محمد نجيب، الرئيس: كلمتى للتاريخ.
  13. مصطفى فهمى بك: القصور والمنشآت فى عهد الخديو إسماعيل.
  14. أعداد مجلة كل شيئ والعالم سنة 1930.
  15. أعداد مجلة اللطائف المصورة سنة 1930.
  16. أعداد مجلة المصور سنوات 1925، 1932، 1945، 1948، 1950، 1951.
  17. Emine Foat Tugay: Three Centuries .
  18. Da Goriz All’impero Ottomano Antoianio Lasciac, Archtetto
  19. رؤوف عباس أحمد، الدكتور: تاريخ جامعة القاهرة ص46.

الأكثر قراءة

أفراح الأنجال

عندما كانوا الجدود يريدون ابداء اعجابهم الشديد بإحتفال مبهر، او عرس فخم، كانوا يوصفوه بأنه "ولا أفراح الأنجال"! ولكن من هم هؤلاء الأنجال؟ ومتى أقيمت أفراحهم؟ ولما يضرب بها المثل؟ وايضاً..لماذا سمي شارع في حي المنيرة بـ"افراح الأنجال"؟

مزمزيل جاردن سيتي

تمشى فى شارع مبانيه كما وصفت لك وتقرأ "شارع الطلمبات”، مع أنه لا أثر به لمكان يمكن أن يحوى طلمبات، وتحار أين هى "السراى الكبرى” ولماذا بنوا "ورشة التمباك” فى حى سكنى راقى وما علاقة "معمل السكر" بهذه المبانى الأصيلة؟ وسكتشف ان قراءة تاريخ حديقة القصر العالى هى التى ستحل لك طلاسم أسماء شوارع جاردن سيتى.

المجمع.. وأخواته

بعد حرق المجمع العلمى الذى لم يسمع عنه معظم المصريين من قبل، كان لزاماً علينا ان نلقى الضوء على تاريخه واهميته، وعلى بعض من المعاهد العلمية الأخرى المنسية فى مصر.

نازلى فاضل
أأميرة التنوير... ام عميلة الإحتلال؟

تمثل الأميرة نازلى فاضل نموذجاً نسائياً فريداً فى تاريخ مصر المعاصر، بل فى تاريخ الشرق بأسره. فلم تعرف أقطار المشرق امرأة تمكنت من اجتياز الحواجز الاجتماعية والسياسية والثقافية التى فرضتها معطيات ذلك العصر عليها كامرأة وكأميرة، على نحو ما استطاعت نازلى.