تدين السينما المصرية بالكثير لمخرجين طموحين تمردوا على قاعدة "الجمهور عاوز كده"

ليست قاعدة أن يكون المخرجون الرواد، أصحاب القدر الأكبر من الصخب والضجيج خلال مسيرتهم، الأكثر شهرة أو الأغزر إنتاجاً من غيرهم. وليس بالضرورة أن يكون هؤلاء أصحاب العدد الأكبر من الجوائز أو أصحاب الأفلام التي خلدت أسمائها بين الأعلى إيرادات في شباك التذاكر. إنهم وبكل بساطة أناس تمكنوا، عن دراية أو بعفوية، عن قصد أو عن غير قصد، من تغيير المشهد. كانت أفلامهم نقاط تحول جذرية، فصارت بقية الأفلام بعدها مختلفة تماماً عما كانت قبلها، وأحيانًا ما كان ذلك يتحقق بصورة يصعب الانتباه لها. إن مشاهدة الأفلام الرائعة أو تلك التي استحقت الجوائز حالة تشبه تأمل شجرة مزهرة بإعجاب وانبهار. لذلك، يسعى هذا المقال إلى تسجيل بعض الشكر والامتنان لأولئك الذين زرعوا البذور الأولى، والتأكيد على الجرأة التي تحلى بها هؤلاء المخرجين، سواءً في قراراتهم الفنية أو تجلياتهم السينمائية.

التحرر من تيمة الحب السينمائية التقليدية

باستثناء الأفلام السياسية التي كانت تخرج إلى النور بين الحين والآخر، مثل “جميلة بوحيرد” (1958) ليوسف شاهين و”الكرنك” (1973) لعلي بدرخان و”القاهرة 30″ (1966) لصلاح أبو سيف، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، فإن معظم الأفلام المصرية كانت تتناول قصص الحب والميلودراما، وكانت لها الهيمنة على الشاشة الفضية. شاب وفتاة يربط بينهما الحب، ولكي يتزوجوا يجب عليهما أولاً التغلب على عقبات مختلفة؛ تفاوت الطبقة الاجتماعية، المرض، التقاليد، السلطة الأبوية، الحرب، أو أي عقبة أخرى. وتختلف السياقات وتتنوع العقبات، ولكن المسألة المحورية ثابتة: هل يتمكن الحبيبان من الزواج في النهاية؟ بدايةً من “رد قلبي” (1957) للمخرج عز الدين ذو الفقار؛ عن ابنة الأمير الراغبة في الزواج من ابن البستاني، وصولاً إلى “خلي بالك من زوزو” (1973) لحسن الإمام؛ أستاذ جامعي أرستقراطي يقع في حب تلميذته، التي يتصادف أن تكون ابنة راقصة، نجد أنفسنا أمام قائمة لا نهاية لها من الأفلام التي تدور حول قصص الحب. حتى الأفلام التي تعتبر نموذجاً لحالة راقية من الفن السابع كانت في جوهرها تتناول قصص حب. ففيلم يوسف شاهين “الإسكندرية ليه؟” (1976) يتحدث عن قصة حب بين مسلم ويهودية، ورائعة صلاح أبو سيف “شباب امرأة” هي بالأساس قصة حب بين امرأة كبيرة السن مستبدة الشخصية وطالب شاب ساذج، وتناول “دعاء الكروان” لصلاح أبو سيف أيضاً شخصية الأخت التي تبحث عن الانتقام لأختها والتي تغرم بالرجل الذي تسبب في وفاة الأخت.

على أن نقلة حدثت في حقبة الثمانينيات.

دشنت أفلام مثل “سواق الأتوبيس” للمخرج عاطف الطيب، و”زوجة رجل مهم” لمحمد خان، و”الصعاليك” لداوود عبد السعيد موجة من الأفلام التي وصفت بأنها “الواقعية المصرية الجديدة”، وهو مصطلح صاغه الناقد السينمائي البارز سمير فريد. وفتحت الواقعية المصرية الجديدة الباب أمام أفلام من نوعيات أخرى خلاف الميلودراما. ولم يعد جمهور السينما يجلس في انتظار أن يعرف ما إذا كان البطل والبطلة سيتزوجان في النهاية أم لا. وبدلاً من ذلك، صار المشاهد يتساءل عما إذا كان البطل سينجح في إنقاذ ورشة والده القديمة من مصير بيعها لتسديد الدين “سواق الأتوبيس”؟ وفي “أرض الأحلام” لداود عبد السيد كنا نتابع مغامرة سيدة في الستين تبحث عن جواز سفرها حتى تتم هجرتها إلى أمريكا. وهناك العديد من الأمثلة على هذا التحول.

اقتضت “الواقعية الجديدة” تصوير الأفلام خارج الاستوديوهات، واستكشفت الحياة في مواقع حقيقية؛ شوارع ومنازل وأحياء. وبخلاف التخلص من تيمة قصة الحب، صار هناك تحرر من قالب البطلة الجميلة. والتزم هذا الجيل من صانعي الأفلام بتصوير الحياة كما رأوها، من دون تجميل. ولم تعد الأفلام تظهر النساء الجميلات في ثياب فاخرة. ومن الأمثلة على ذلك، الفارق في مظهر نجلاء فتحي في “دمي ودموعي وابتسامتي” لحسين كمال (1973)، ومظهرها في “أحلام هند وكاميليا” لمحمد خان (1988). فقد بدت مختلفة تماماً.

تشخيص من الحياة

كان الشاعر المصري أمل دنقل يجلس حافي القدمين، مرتدياً جلابية، بينما تحاوره عطيات الأبنودي، مخرجة الأفلام الوثائقية المصرية الشهيرة، في فيلمها الوثائقي القصير “الغرفة رقم 8”. كان ذلك في العام 1983. وقد يبدو الظهور أمام الكاميرا بهذا المظهر اليوم محض تفاصيل صغيرة غير مهمة يسهل التغاضي عنها، ولكن اختيار تصوير الشاعر في المستشفى بهذه الطريقة كان صادماً في الثمانينيات. ربما وجدت عطيات الأبنودي نفسها على أرض جديدة بدافع الضرورة: الرغبة في تصوير صديقها المقرب، الشاعر أمل دنقل، فيما اعتقدت أنها آخر أيامه. أو ربما اختارت تصويره في المستشفى لأسباب فنية: الرغبة في أن تكون صادقة بقدر الإمكان في توثيقها للواقع. ومهما كانت أسبابها، تبقى الحقيقة هي أن عطيات الأبنودي قدمت شيئاً جديداً وجريئاً في ذلك الفيلم الوثائقي. صورت دنقل في غرفته بالمستشفى، بمفرده أو بصحبة زوجته، وفي مشاهد أخرى مع الأصدقاء والأطباء الذين كانوا يزورونه. وكانت ابنته تجلس بصحبة الأصدقاء، صغيرة وسط الكبار. قبل الأبنودي، كانت الأفلام الوثائقية المصرية لا تقدم سوى محاورات، تدور بين رجال وسيدات بارزين وفي أحسن هندام، يتحدثون إلى الكاميرا، وغالباً ما يكون ذلك وهم خلف مكاتبهم. كان اختيارها للمكان مهماً جداً بالنسبة لها، لدرجة أنها أسمت الفيلم باسم الغرفة التي كان الشاعر طريح فراشها.

مهدت عطيات الأبنودي، التي لم يقدر لأفلامها أن تعرض تجارياً في مصر، الطريق أمام أفلام تتناول الحقيقة والواقع والناس بكل بساطة. واختارت أماكن ومساحات لم يسبقها إليها أحد، سواءً كانت داخل غرفة مستشفى أو فوق قارب صيد. اقتربت بكاميرتها من الناس “العاديين”. وظهر أسلوبها في صناعة الفيلم قبل وقت طويل من انتشار الأسلوب التسجيلي الوثائقي الذي يعتمد على اقتراب المخرج من موضوعه قدر الإمكان، ومعالجة الموضوعات مع وعن أناس هم أقرب إليهم، لينقلوا أصواتهم إلى الشاشة الفضية، وأحياناً هيئاتهم كذلك. وكانت أفلام مثل “البنات دول” لتهاني راشد و”سلطة بلدي” لنادية كامل و”حاضر من الماضي” لكوثر يونس أفلاماً تدين بالفضل لمقاربة الأبنودي.

من أفلام عن مشكلات إلى أفلام عن الناس

في حين قدم محمد خان وداوود عبد السيد وعاطف الطيب أفلاماً تدور حول القضايا الاجتماعية، شهدنا في أواخر الثمانينيات والتسعينيات موجة أخرى من الأفلام الشخصية. وقد تحدث المخرج يسري نصرالله كثيراً عن “بهجة سرد الأفراد”. فهو يرى أن الفرد مهم. فلا تقتصر الأفلام على الأحداث السياسية أو الوطنية “الكبيرة” فقط. فهي عن الأفراد الذين يعيشون خلالها. الأفراد ذوي الأحلام: الفرد الراغب في أن يكون ممثلاً أو مخرجاً، والذي يكافح حتى لا ينفصل أبويه، والذي يتعرض لأحداث عديدة متنوعة في خضم التغيرات التي تحدث في مصر عبد الناصر، مثلما قدمها نصر الله في فيلمه “سرقات صيفية” (1988). لقد صنع هذا الفيلم بمجموعة من الممثلين المغمورين، وبعضهم لم يسبق له التمثيل من قبل. وتم تصويره في منزل ريفي لأحد أقارب المخرج. ويدور الفيلم حول أحداث متنوعة، منها مشهد لعيد ميلاد صبي صغير في 26 يوليو 1956، وهو نفس اليوم الذي ألقى فيه ناصر خطاباً في الإسكندرية يعلن فيه عن عزمه تأميم قناة السويس. أما بالنسبة للصبي الصغير، بطل الفيلم، فكان عيد ميلاده أكثر أهمية وبهجة بكثير.

كما احتفى المخرج رضوان الكاشف بالفرد في “عرق البلح” (1998). وقد استعرض الكاشف في الفيلم بعضاً من حكاياته الشخصية، في إصرار على أن حياة القرويين في صعيد مصر تستحق الملاحظة والتأريخ. فماذا يعني أن تفقد القرية رجالها رويداً رويداً وهم يرحلون إلى بلدان الخليج لأجل لقمة العيش؟ ولأنه من صعيد مصر، فقد جاءت معالجة الكاشف عميقة ذات مصداقية. وعلى عكس الأفلام ذات الصور النمطية والشخصيات المبتذلة واللهجات البعيدة تماماً عن الواقع، قدم لنا الكاشف نظرة على ذلك المجتمع من الداخل.

وتميزت هذه المجموعة من المخرجين المبدعين بمستوى لافت للصورة والسرد السينمائيين يصعب ألا يجتذب أنظار المتلقي. يقدمون لنا حكايات فريدة، بطريقة تجبر السرد على استيعاب أصوات وحكايات وصور أخرى. فالأمر شبيه بالفارق بين استكشافك لوجهة ما وأنت داخل حافلة سياحية، واستكشافك لها سيراً على الأقدام: فأنت تمشي، وتجول، وتتوه، وتتخبط. أنت أمام أرض جديدة. ولا نجد نموذجاً أفضل من فيلم “يوم الدين” للمخرج أبو بكر شوقي، والذي عرض لأول مرة في مهرجان كان السينمائي عام 2018. فيحكي الفيلم قصة رجل مصاب بالجذام في رحلته إلى قريته في الصعيد. يرافقه طفل. ويسافران معاً عبر البلاد فوق عربة كارو يجرها حمار. وغني عن القول أن المشاهد هنا لن يرى صورة مصر السياحية الجميلة البهية. فمن واقع موضوع الفيلم، ولأن بطله من مستعمرة الجذام، نجلس أمام جوانب جديدة من مصر ربما لم نشهدها من قبل. من هنا كانت أهمية تلك النوعية من الأفلام، التي تأخذك من يدك إلى مساحات مكانية جديدة، كانت في انتظار من يراها بعين، أو عدسة، مغايرة.

 

نُشر هذا المقال سابقاً في النسخة المطبوعة لمجلة راوي فى العدد ٩ ،

الأكثر قراءة

سنوات البوتقة في تاريخ السينما المصرية
(٥٢-١٩٤٥)

شهدت السينما المصرية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مرحلة غير مسبوقة من النضج والتطور الفكري على يد جيل من المخرجين الذين سيكون لهم شأن كبير فيما بعد

أرشيف الفيلم المصري
حكاية إهمال.. مثابرة.. وشغف

جولة في أرشيف السينما المصرية، الذي يكاد لا يكون موجوداً، تصحبنا فيها مسؤولة أرشيف "“سيماتك”"؛ مركز الفيلم البديل بوسط القاهرة، ومساحة تحتفي بتنوع وجمال وقوة الأفلام المحلية والعالمية.

رواية لم تكتمل
الأفلام التسجيلية المصرية في الفترة من 1912 إلى 1980

مشروع قومي تأثر بالأجواء والتوجهات السياسية ولم يحظ بالنجاح المطلوب رغم دعم الدولة له.

الرقص والراقصات في السينما المصرية

على الرغم من صعوبة تقبل المجتمع لمهنة الراقصين، ألا ان هذا المجتمع نفسه مولع بالرقص والإستعراض حتى ان الفيلم الذي يخلو منهما غالباً ما يفشل جماهيرياً

سينما بديلة، من إنتاج الدولة
في يوم من الأيام..

رغم عدم استمرارها، كانت المؤسسة المصرية العامة للسينما، بما أنتجته من أعمال هامة، مثالاً لأهمية دور الدولة في دعم السينما الغير تجارية.